19225031_10209819807466982_4628562800398464991_n

نتكلم كثيرا عن الثقافة ، ونربطها بتاريخنا وحضارتنا . فهي بالنهاية انعكاس لحاضرنا الذي نحمل عليه ما ادركناه من التاريخ .

ولكن في خضم ما يجري من خلط لكل معايير حياتنا بين دين وتدين . بين عرف وتقليد . وبين ثقافة وعادات . ادى هذا الخلط فقط الى انحدار اكبر في قيمنا ومعاييرنا نفسها . وبطبيعة الحال ، فان حالة الانحدار التي وصلنا اليها لم تأت من فراغ . اتت من تفريغ الثقافة التي بنينا عليها امجادنا من مضامينها وتركها متأرجحة على املاءات قواد هذا الزمان .

وصلت الى بريدي الخاص قبل ايام صورة لمجموعة من الشابات اخذت في الستينات من القرن الماضي ، في باحات قبة الصخرة . صورة عند رؤيتها ذكرتني بأمي وبسنوات عمري التي اخذت على مدارها صورة كهذه بنفس المكان وابنتي التي في عمر الشابات في ذلك الزمن من الصورة . الا ان هذه الصورة اختلفت عن اي صاورة ممكن ان نراها في السنوات او العقود الاخيرة . فالشابات “عاريات” ،”كاسيات” ، “متبرجات” في تلك الصورة ، “مخلات” بقانون وعرف المكان المقدس. في مقابل تلك الصورة. فكرت ببناتي اللاتي يغتنمن فرصة زيارة المكان والتقاط الصور . ارتدائهن لغطاء الصلاة واللباس المغطي للجسد من اوله الى اخره بفضفاضية واجبة والتحسب من ظهور اي خصلة للشعر . لأنه وفي لحظة ظهور شعرة ما ، او قطعة من الجسد لا قدر الله ، سيهجم متطوعي المطوعون الذين لا تعرف من اين يخرجون عليك ليردوك الى طريق السترة والحشمة.

ولم استطع ايضا الا ان ارى نفسي بتلك الصورة الجماعية الحالية بينما احوال ان وبناتي التقاط الصور وابدأ بمراهقتي المتأخرة في محاولة الظهور جميلة بالرغم من الغطاء المفروض على رأسي لأسترق بعض الخصلات من شعري ، فتنهال بناتي علي بالتحذير والتصويب خوفا من ان يقترب مني مطوعا او مطوعة فينهالوا علي بالشتيمة .

وعودة الى الصورة التي تظهر منظرا عاما في فترة الخمسينات والستينات ، تشبه ما نراه بالافلام من تلك الفترة . تشبه كذلك الصور لفتيات جامعيات بنفس العمر بمصر وسورية وكابول والعراق ، عندما لم تكن الساق الظاهرة حرام ، ولم يكن الشعر فتنة ، ولم تكن الاماكن المقدسة حكرا على دور الافتاء، ولم يكن الازهر فيها مدعوما بعد من الخزينة الوهابية.

ولأني ادعي بعض التخصص الشحيح في هذه الخاصية ،بسبب دراستي وبحثي في مووضوع المرأة بالقدس تحديدا في بداية القرن العشرين من خلال صورة بعينها ، وجدت من هذه الصورة فرصة لاضاءة عن اهل هذه البلاد في وقت تجوب المكان صورا لنساء يعرضن صور طبيخهن في ساحات هذا المكان .

كيف تحولت الحالة الثقافية في صورة المرأة من متحررة، متعلمة، مستقطبة لفرحة مستقبل بالحياة (كما في تلك الصورة)، الى ربة بيت ، محجبة،تجلس واولادها على باحات الحرم ، تقوم بواجبها تجاه الله والعائلة بلحظة واحدة.

والصورتان وللمتلقي قدمتا نفس الفكرة المتعاكسة عن سبب عرض الصور ، ان الصورة الاولى “اقرب الى الاباحية، لمجرد انهن غير محجبات يرتدين تنانير بذلك المكان ) تعكس طبقية واستهتارا ، والثانية تعكس بساطة الطبقة الكادحة والمرأة المسلمة التقية.

عندما نظرت الى الصورتين بالوهلة الاولى، توجست من تلك القديمة لفكرة كيف تم اخذ صورة هناك هكذا “بتبرج ” وبلا غطاء . ولكنني عندما امعنت بالصورة ، اخذتني الى مكان ، كانت به الحياة هكذا . لم يكن الدين تدينا اعمى . كانت الثقافة بمفهومها الاصيل لا تنعكس على المرأة التي كانت تنطلق نحو تحررها بعد سنوات عجاف عالمية واقليمية كباقي نساء العالم والمنطقة . لم يكن الدين فيها مخيما على الرؤوس والعقول ، وكان خيار اللباس شخصيا لا فريضة ، وكان ابعد تمييزاته بذلك الذي يخص المدينة عن القرية لا غير. كان الموضوع موضوع عادة لا عبادة . فكل يلبس على حسب عاداته.

وفي الصورة الاخرى للمرأة التي تقلب طنجرة المقلوبة وترى اطفالا بالخلفية وصحن الصخرة بقبتها زاهيا ومشرقا ، تبتسم للوهلة الاولى لانها تعكس حقيقة صرنا نألفها في المكان وشكل المرأة الحالي. محجبة ، تقوم بواجباتها الدينية والدنيوية على اكمل وجه.

وفي المحصلة ، ان احدى الصور هذه تمثل انحطاطا للمرأة ، والاخرى تشكل رفعة لها .

وبالنسبة للمتلقي الماسك بثقافته ( بعرف التقليد ) فان صورة المرأة بدون غطاء رأس في ساحة قبة الصخرة هي صورة منفرة من زمن الانحطاط. وصورة المرأة بطنجرة المقلوبة هي تعبير عن عفة وبساطة المرأ ةالمسلمة .

 

وبطبيعة الحال في الوضع الطبيعي ، يجب الا تمثل اي من الصورتين اكثر من خلفية الصورة وزمانها وحال الواقفين امام الكاميرا . في وضع طبيعي يحمل الانسان دينه وايمانه في قلبه ، ويمارس طقوس عبادته في خلوته . الا اننا نعيش في زمن صارت فيه العبادة عبودية لاعراف جمعية لا يفهم المتلقي فيها الا التلقين والترديد . والتاريخ المختلف عن اي صورة نمطية يتم بناؤها اليوم هو اما تاريخ مزيف محرف ، او تاريخ منحط خلصنا الله منه .

فلم تعد هناك ثقافة ، ولم نعد نستطيع العيش بلا اعراف وضعية صارت هي عنوان صلاحنا او فسادنا . الدين حسب ما يرونه هو فقط الطريق الحق ، واي خارج عنه يكون مرتدا او من الروافض او الخوارج …بكل الاحوال قتله مبرر.

فالخارج عن العرف خارج عن طريق الله الذي اراده اتباع بن عبد الوهاب لنا .

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s