واذا المقتولة سئلت بأي ذنب رميت من الشرفة ؟

مقتل المهندسة نيفين عواودة التي قتلتها منظومة فساد محكم.

مع تراكم الفواجع التي تحل بالشعب الفلسطيني، لم يعد المرء يعرف اي المصائب اهم للكلام فيها وطرحها . فبينما كانت تحتفل بيرزيت بمهرجانها بالامس ، تصدرت الانباء خبر العثور على جثة امرأة ملقاة عند احدى العمارات . ليتبين فيما بعد انه تم رميها من شرفة سكنها في تلك العمارة.

ولأن قصص قتل الاناث تحديدا صار اقرب الى ان يكون عاديا . فبالاشهر الماضية لم نعد نسمع عن جرائم بحق الاناث ، صارت العناوين تحمل هكذا ديباجة : “ مصرع فتاة في ظروف غامضة .” الحقيقة لقد مللنا كشعوب من فكرة قتل الشرف . لقد تم قتل الشرف نفسه ولم تعد الضحايا هن عنوانه فحتى الشرف تبرأ من وضعه عنوان جريمة تكون ضحيتها انثى .

والمجرم في قضية المهندسة نيفين عواودة ابنة ال ٣٦ سنة ( حاصلة على الماجستير بعلم الحاسوب من جامعة العلوم والتكنولوجيا الاردنية ) ، يبدو انه قاتل تقليدي ، لا يزال يعول على الشرف الذبيح بأن يكون حليفه في جريمته . الا انه يشبه قوادنا في خطاباتهم الشعبية . عندما يرددون خطابات ظنا منهم ان المعلومة لا تزال كما كانت قبل عشرين عاما محصورة بجريدة محلية ومصدر واحد للمعلومات . فقتلة هذه المرأة راهنوا على ان رمي امرأة من شرفة عمارة سكنية يثير الشبهة ضد الضحية ويطرح النتيجة المتعارف عليها :ابصر شو عاملة ؟ بالنهاية هي امرأة من دورا تسكن في بيرزيت . كل الظروف تدور حول تأكيد شبهة قتل على خلفية الشرف.

الا ان الضحية ذكرتني بمشاهد الوأد في زمن الجاهلية وجعلتني اتمتم بالاية القرآنية : واذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت . فكم نقف اليوم بعد ما يقرب من الالفي سنة على قعرات تاريخ غابر . في زمن كانت الموؤدة طفلة صغيرة ، تدفن لوأد عار مرتقب . واليوم لا تزال المرأة تقتل لاي سبب يريده قاتلها ووأد العار سيد موقفه دائما . حتى ولو كان كما في قصة نيفين عواودة التي كانت ضحية محاربة فساد اداري بمديرية التربية والتعليم التي كانت تعمل بها (بدورا) . والقصية ببدئها متعلقة بفساد بموضوع كاميرات بأجهزة الحاسوب. تطور الامر وتدرج وتدحرج ككرة ثلج ، لم تكل المغدورة عن محاولة ايصال الامر الى كل من يمكن ان يكون في صورة الامر . فلم تترك بابا الا دقته ، من مدير عام في المديرية ، للمسؤولين على حسب تدرجاتهم ، الى المحافظ والعشائر والفصائل والاحزاب. ثم ذهبت الى المحاكم وووزارة التربية والتعليم ورئيس ديوان الرقابة وبعثت بخطابات لوزير التربية وبالنهاية بعثت رسالة الى رئيس الوزراء ( كل هذه الرسائل موجودة على صفحتها بصورها الاصلية ) وتورطت جهات الامن على ما يبدو من المنشورات بالموضوع وذكر بعض الاشخاص بالاسم.

ولم يكن عبثا دورانها في كل تلك الدوائر ، فما شرعت بدق ناقوس الفساد بمكان عملها حتى تم محاربتها ، من المقصودين \المقصودات بالفساد الواقع ، ثم المتسترين ، ووصل الامر الى التشهير بها ورحيلها من الخليل واستقالتها من مركز عملها وانتهى بها الامر طريدة من مكان الى مكان في رام الله تجنبا للمطاردات والتهديدات ومحاولات التشهير بها والاسقاط الاخلاقي والتزييف التي لم تتركها منذ بدأت بالمطالبة بالتحقيق بالفساد في حينه .

ترجع القصة الى ما يقرب السنتين ، ولم تترك نيفين بابا الا دقته ، وكانت على يقين ان الحق يعلو ولا يعلى عليه . حاربت عائلتها ، ويبدو هنا وهنها امام عائلة فككها الطلاق وبها زوجة اب الخ.. مما زاد من ضعفها وحقنها ، واصرارها على عدم التسليم .

صفحة المغدورة على الفيسبوك تروي تفاصيل جريمة كان اطرافها يدبرون مقتلها موقنون انهم فوق القانون وفوق الحساب. فلم يهنوا بالتهديد واغلقوا بوجهها كل السبل . وقفت وحيدة مدافعة مهاجمة عن حق امنت به . في احد منشوراتها كتبت في ٢٦ نيسان الماضي: “اجاني تهديد صريح انه كل مؤسسة براجعها رح يعملوا فيها حفلة مسبات وشوشرة وينسبوها اللي..وذات السياسة تم تطبيقها في الاماكن العامة حاليا ..على نظام اطلعي من البلد او امشي تحت طوعهم ..لم اتواطأ على مدار سنوات من ضرر غير مسترد ، ولن اتواطأ ، كنت وما زلت على حد حرمة ، وشوف وكرامة ، لن ينفيني عهر القاصي والداني وللحق بقية .” وفي منشور اخر كتبت في تاريخ ٤ ايار : “النظام ثابت من شغل العصابات وما زلت لم اخرج من السيزر (الفندق) لم التق اي طرف رسمي او عائلي.. والعصابات التي تعرت من كل شيء ..مش راح اطلع من البلد ، فاما حياة تسر الصديق واما موت يغيظ العدا.. نظام الدائرة المغلقة والمساعدة السرية ومش عارف ايش لليوم لم اسمع كلمة حق غير اللي انا بحكيه”. وفي نفس التاريخ كتبت : “ كان النزاع في بدايته حفظ امانة وسيادة قانون مبادى قيم تحفظ وتصان .. اليوم بحارب على حد شرف وكرامة ضربوا انجازاتي على مدار سنوات وبعدين وقفوا بصلاحياتهم كل اجراءات جهات الاختصاص وبعدين طوعوا اطراف الاجرام واستخدموهم للضغط.وبعدين انا اليوم بدافع على حد شرف وكرامة .. وين النخوة والشرف في البلد…”

الكثير من المنشورات على مدار الاشهر السابقة والتي تتدرج الاحداث بها تباعا ، والمسكينة تقف لوحدها امام منظومة متماسكة بالفساد والاجرام وغياب النخوة وانعدام الشرف …الا عند قتل المرأة. فيصبح الشرف وسام.

تلك المرأة حاربت حتى اخر نفس في حياتها من اجل رفع حق وكشف شلل من عصابات الفساد التي تجول في المؤسسة السيادية على كافة مستوياتها . الحقائق من مراسلات واسماء يجب ان تحرك هذا السكون الخامل فينا لدرجة الخنوع والنذالة .

ابناؤنا يذبحون من قبل الاحتلال وصرنا ( السيادة والتشويه الشعبي الحاصل) نسميهم ارهابيين .

وبناتنا يقتلن بدم بارد من قبل كل من تسول له نفسه بالقتل لأنه يعرف ان وأد الانثى سيبقى دائما درء عار محتمل .

ويل لأمة أبخس ما فيها حياة انثى …

لعل روح نيفين تجد الحق عند الحق …لروحك سلام .

 

 

 

 

 

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s