عندما قال ناجي العلي: “اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي يدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو ميت”.
 كان يعرف بلا شك أن عدوه متعدد الأشكال . ولم يكن بغريب أن تبقى معضلة اغتياله كالبوصلة التي لا تكاد تعرف التوقف عند مسار محدد. وبلا شك، كذلك، بقي ناجي العلي حاضرا بعمره وتاريخه الذي تركنا عنده، كما حنظلة الذي لم يكبر أبدأ.
وها نحن الآن نقف على كمالة ثلاثة عقود منذ اغتياله، واليسير الذي يُعْرَف عن قاتله لا يزيدنا الا ابتلاءا .. بشار المنتمي لمنظمة التحرير وموظف الموساد الاسرائيلي. قد يتبادر الى ذهني في هذه اللحظات الدور الذي كان سيلعبه ناجي العلي لو عاصر الانتفاضة الاولى وما تمخض عنها فيما بعد من اتفاقيات سلام. كان حنظلة يقف كالحنظلة في حلق القيادة من جميع الاتجاهات. هل موته كان مدبرا بالتزامن كذلك عما كان سيأتي من اتفاقيات ؟
قد يكون حال ناجي العلي في موته أفضل من حال ياسر عرفات. فالأول سيتم التحقيق في جريمة اغتياله الآن في بلاد الانجليز، والثاني لن يكون لملف اغتياله مخرج لطالما بقيت السلطة الفلسطينية على حالها. ولكن من يعلم، لا يزال امامنا عقود من الانتظار التي قد تأتي ببعض الايضاحات، او بالاحرى تكشف لنا الأسرار المكنونة في غياهب قبور السياسة.
عندما تم نشر كتاب الروائي الفرنسي جان جينيه  “أسير الحب” في عام ١٩٨٦، في نفس عام رحيله، كان على قناعة تامة أن كتابه لن يترجم إلى اللغة العربية، ولن يحاول القادة الفلسطينيون، “أبطال ثورة الشتات” المعتلون عرش أوسلو المتوج في رام الله، حتى قراءة كتابه . كان متأكدا أن العرب كالفلسطينيين في الشتات قد اكتفوا بتحرير فلسطين عبر الشعارات؛ فالكتابات العربية التي احتوت على موضوع فلسطين منذ السبعين من القرن الماضي على حد تعبيره، صوّرت فلسطين على أنها العروس والأرملة والأم والبتول وملكة العالم العربي وغيرها من الصفات العظيمة التي حملتها العناوين والمضامين. وكان تساؤل جينيه الدائم : كم فرح العرب بتحويل النضال إلى عبارات وأبيات شعر . فلقد وفرّ العربي على نفسه الذهاب إلى أرض المعركة حيث يكمن خطر التعرض للقتل او الاصابة. لقد اثبت لنفسه وللآخرين كم هو جيد في صياغة الكلام. هكذا تحوّل النضال الفلسطيني الى غير حقيقي؛ فلا أحد يخرج للقتال في حرب غير موجودة.
بين كلمات جينيه ورسومات ناجي العلي، لم يكن التاريخ ليختلف في الحكم على ما يجري اليوم. الا اننا نرى انفسنا امام ذكرى اولئك الذين قضوا حياتهم من اجل قضية عالمية، تحولت من قضية العرب والمسلمين والعالم الحر، الى قضية الفلسطينيين فقط. وليس من الصعب استيعاب هذا في ظل الويلات التي تعيشها البلاد العربية في معظم أشطارها. فلماذا تكون فلسطين أغلى من سوريا او اليمن او العراق أو مصر؟ ما الذي يعنيه قتل فلسطيني أو اثنين أو عشرة أمام حمامات الدم المجانية من ذبح وسفك للدم العربي في سوريا والعراق واليمن ؟ ماذا يعني أن تقوم إسرائيل بهدم بيت او تجريف حقل او اجتياح مدرسة؟ ما الأسوأ : سحل جندي اسرائيلي لشاب او فتاة فلسطينية ؟ او ضرب طفل او امرأة او زج الشباب والصبيان الرجال والنساء في السجون، أم ما نشاهده يوميا من مذابح جماعية تقترفها جماعات وحكومات؟
إسرائيل تبدو كبلاد الأحلام وسط كوابيس الأمة العربية.
ومع انشغال الشعوب بويلاتها، لا بد أن القيادات تعيش أحسن أيامها.  الجهاد تحول إلى جماعات “تخليص الثمن” وانشغل كل بغريمه، وأصبحت مشكلة المصري بالإخوان أو العكس، ومشكلة السوري بالنظام أو غريمه، ومشكلة العراقي السني مع ذلك الشيعي والكردي والعلوي و.. و.. و.. و..، ومشكلة اللبناني بالكهرباء وتفجيرات الإرهاب متعدد الطوائف والمِلَل، ومشكلة اليمني بالحوثي والسلفي، ومشكلة الأردن بترشيد حكومة او إقالتها، ومشكلة تونس والتفجيرات، ومشكلة البحرين والثورة الشيعية الخامدة، ومشكلة الكويت والبيدون، ومشاكل داعش ومشكلة بداخل مشكلة … ومشكلة فلسطين في فتح وحماس.
كيف للعرب أن يروا او يشعروا بفلسطين ومصابها وقادة فلسطين انفسهم انشغلوا بمنازعاتهم على قيادة جوفاء حتى عندما يكون الموضوع أرزاق المساكين من هذا الشعب. المهزلة الجارية بشأن معبر رفح ومن يتحكم بالمعابر، تعصى العبارات عن الخروج وتفطر القلب حسرة … فبينما نعيش وسط حمى العدوان المستمر .. يسقط الشهداء بلا توقف. وغزة التي لم تنته من لم  أحزانها او دمارها الأخير، لا يخجل أطراف السلطة البالية من الفصيلين من التصارع على من يمسك بها أو يتخلى عنها .
وها نحن نستقبل عيدا وسط زحام الموت والظلم من قبل الاحتلال ومن قبل القيادات البالية الى شعور اختلط على المشاهد الفلسطيني نفسه.
في وسط الدم والظلم والإستبداد، يبدو المشهد الاحتفائي بعيدا بأرض الله المباركة والقائمون عليها يسفكون دماء المسلمين في اليمن ويتآمرون ما بين الشرق والغرب على المسلمين، كأنه هزلي دراماتيكي مأساوي … يصر ان يعيد مشاهد نكسة شعب لم يعد يشتته الإحتلال فقط، ولم يعد انقسام الفصائل همه الدائم، ولم يعد الفساد المتفشي كالسيول الموبوءة في أرجاء كيانه أكبر آفاته … ولكن تلك العبثية بين نضال ومقاومة لشعب يتم استنزاف دمه وقوته وبين سلطة تمارس نشاطاتها الاحتفائية وكأنها في معزل عن الواقع الذي من المستحيل الا تراه. مشهد ينتقل من كونه مأساة فلسطينية لأن يصبح مأساة عربية شاملة.
ولكن في فلسطين يبقى الحال نفسه لا يراوح مكانه:
حالة الانفصام والانفصال ما بين الشعب والقيادة تهوى في كل يوم الى حضيض غير مسبوق. وفي نفس الوقت مرارة الحال نتذوقها جميعا، كنٌا مع هذا الفصيل او ذاك، كانت انتماءاتنا نحو هذا التيار ام ذاك، نريد السلطة ام لا نريدها، أعجَبَنا آداء الحكومة أم لم يعجبنا .. هناك حالة من العبثية أصابت وجداننا بعدما فككت أوصال مشاعرنا تجاه ما يجري بين احتلال وانصياع .. بين مقاومة ومخاذلة .. بين ناجي العلي في قوله “الطريق الى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، انها بمسافة الثورة” وبين قيادة ترفع شعارات التنسيق الأمن شعارا مقدسا.
تاريخنا الفلسطيني مليء بقضايا الفساد التي لا يزال ابطالها طلقاء وفي الوقت ذاته متّهمين، وقضايا الاغتيالات التي لا نزال نبحث فيها عن قاتل او متهم. وعن حالنا المزري وعن الفساد الاداري والسياسي لا نستطيع لوم الاحتلال . فالفساد يجسد نفسه كحالة لا يمكن لوم الاحتلال فيها. فهدر الاموال العامة والغنى المفاجيء والسيارات والعقارات والسفر والمتاجرة بكل ما يزيد من أكوام الاموال، الاحتلال يقف بريئا امامه متعريا بالمطلق. المصيبة الكبرى في قضايا الاغتيالات التي رافقتنا كشعب وقبل وجود السلطة أنّنا ألبسنا جرائمها للاحتلال ولا نزال. والحقّ هنا ان الاحتلال لا يزال المتهم الاساسي بكل جريمة بهذا المستوى. يتبيّن لنا اليوم أن الاحتلال حين لا ينفّذ ولا يخطّط الاغتيالات، حتما يستفيد منها، وسخرية القدر أن اليد التي تنفّذ كانت ولا تزال يدا فلسطينية .. وليست أي يد .. ليست يد الجمهور الذي ينتظر أجوبة وانتصارَ حقٍّ .. يد كانت ولا تزال قريبة من صانع القرار الفلسطيني بالمنفى واليوم هنا على أرض الوطن.
وكسكوتنا المخجل عن الصغائر، يأتي سكوتنا الفاضح عن الكبائر. إغتيالات راح ضحيتها رموز وشخوص ولا نزال ننتظر فتح تحقيق …
نحن نعيش في ظل انتكاسة انسانية مجتمعية تكاد تطالنا جميعا .. فالفساد المستفحل والانحلال الاخلاقي والتسيّب وانعكاس الحق باطل والعكس، كل ذلك يجعل الاغتيالات أمرا عاديا. فالشعب نفسه تم اغتياله على يد أصحابه. ولكن مع بقاء تلك “النفس” ونحن اليوم اشباه أناس او اشباه مواطنين، يبقى ذلك الامل في العمل على ايجاد مخرج من هذه الهوة الساحقة التي بدأت بالانهيار علينا ولم يبقى الكثير مما تبقى فينا من أنفاس.
وبين كل هذا وذاك، تتبدد القضية الفلسطينية بين حشد وهمي عربي لم تعد حتى فلسطين تذكر علانية فيه وبين خلط قومي، ديني، عرقي ووطني … لم نعد جميعنا عربا بفلسطين او خارجها ندرك آفاقه التي تركنا خيوطه وآماله ولا نزال نصرخ من أجل قضية تحولت من قضية عروبة وحق وعرض .. إلى قضية فلسطيني يحمل الوطن في قلبه وسكينا او حجرا يدافع فيه عن حق انشغل الجميع في تعريفه وتحديده بين موروث ديني او تاريخي والاحتلال يقتل ويتنصل ويستفحل … ودموع الأمهات استبدلت السماء بها مطرها لتروي تراب أرض تخجل ممن يدوسونها ويدنسوها.
وها نحن بعد ثلاثة عقود من رحيل ناجي العلي ننتظر معجزة تظهر لنا وجه حنظلة.
فعندما سئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الانسان العربي شعوره بحريته وانسانيته” .

 

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s