فيلم الصدمة والمخرج اللبناني : تطبيع ام تطويع الرأي العام

 

 

أثار رجوع المخرج اللبناني زياد الدويري وايقافه في مطار بيروت الاسئلة وأخرج من جديد ملف التطبيع مع اسرائيل. أسئلة تعيد نفسها دائما ولا تبدو خطوطها العريضة واضحة كما لا تبدو خطوطها الحمراء بحرقة نار المصطلح وابعاده.

قبل البدء، اريد التأكيد ان موقفي من موضوع التطبيع تعتريه الغشاوة ومواقفي تجاه الامر ليست بالوضوح التام على صعيد ماهيته وحدود تعريفه.

وتجدر الاشارة كذلك ان هذا الموضوع يراوح بين محورين اساسيين ، احدهما جماهيري شعبي ، والاخر شخصي اخلاقي. اي ان مسألة التطبيع من اجل نجاحها يجب ان تكون جماهيرية شعبية من جهة ، ويجب ان تكون شخصية يقتنع صاحبها بأنها واجب اخلاقي. وقد يكون من السهل رصد المثال العربي على الصعيد الشعبي في هذا الصدد، فالشعوب العربية استطاعت ان تثبت ان ما تقوم به الحكومات من تقرب من اسرائيل لن يغير من القرار الشعبي تجاه اسرائيل ككيان محتل.

اهتممنا هنا كفلسطينيين بموضوع المخرج اللبناني ، لأن ممثلا فلسطينيا نال جائزة أفضل ممثل عن الفيلم الجديد. وبطبيعة الحال فرحنا وافتخرنا بفناننا وانجازه.

ومع تزايد التساؤلات عن المخرج وعن فيلمه السابق، تبين ان الفيلم السابق هو الصدمة ، المأخوذ عن رواية الجزائري ياسمينة خضرا (ياسمينة هو الاسم القلمي للكاتب) . حين وصلتني المعلومة تلك، اخذت بالطبع موقفا من الفيلم . فلم اكن بحاجة لافهم اكثر ، لاني قرأت الرواية ، او بالاحرى حاولت قراءتها واغلقتها بعد عدة صفحات ، لانها كانت خيبة امل كبيرة من كاتب لطالما تحمست لقراءة إنتاجه . قصة كاتب عرف ان الطريق لجوائز الادب يجب ان تمر من خلال “آنسنة الاحتلال” . ولا داعي للشرح كثيرا فالقصص التي هكذا حالها تملأ المكتبات.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في قراءة هكذا قصص او سيناريوهات افلام ، او ما نريد ان ندرجه تحت قائمة الابداع الفكري والفني . من ناحية، هناك الكثير للنقاش في موضوع فصل الادب والفن والعلم والابداع عن السياسة . ولكن هناك خط واهن يجب الا يغيب عن الفلسطيني تحديدا . وقد رأيناه في امثلة كثيرة . ومن السهل ان يقع شخص من الخارج في هذا المطب الكبير . “انسنة الاحتلال” . هو بالفعل ما وصلنا اليه ، عندما يسألني تونسي في برلين على سبيل المثال : ” لماذا تطعنون الابرياء؟ ” وعندما يقول لي مصري في القاهرة : “لماذا ترفضون السلام ، انهم أفضل لكم من تزمت حماس؟ ” ، او عندما يقول لي سوري معارض : ” انتم في رخاء امام جحيم النظام .”

اسرائيل توفر فرص ، خدمات ، تعلمنا ، تنظف لنا الشوارع ، تقدم لنا الخدمات الصحية ، نحن نعيش معهم بأمن يفوق الأمن الذي يشعر به المواطن في معظم الدول العربية ، حرية التعبير عندهم اكثر من تلك في الضفة المقابلة ! كل هذا لا يسقط عن اسرائيل صفة الاحتلال .

ان يكون هناك انسان اسرائيلي محترم ، وودود وخدوم ، لا يعني ان النظام الذي يأتي منه هذا الانسان هو نظام انساني. اسرائيل دولة ديمقراطية فقط لمواطنيها اليهود. كل ما يترتب عن هذا يصب فقط في مصلحة صورتها امام مواطنها اولا والعالم ثانية .

ولكي لا اقع في مطب الحكم المسبق والاعمى ، تغلبت على الرفض الفطري وقررت مشاهدة الفيلم . ولا افهم كيف لعاقل الا يرى بالفيلم ما رأيته ؟ عن اي حقيقة يتكلم احدهم ؟

اي عاقل في فلسطين قد مرت عنه هكذا قصة ؟ بين ان يكون هناك عربي قد شقي واستحق ان يعمل ويتميز في مستشفى اسرائيلي ، وبين كم الصعوبات التي تقترب الى الاستحالة في هذه الفرص اذا ما قارناه بالاسرائيلي اليهودي. من اجل ان تكون في هذا المكان عليك ان تكون بالفعل مستحقا ومتميزا وقد اثبتت ذلك بلا كلل . ولكن هذا التميز ليس بالضرورة لليهودي . إن كنت اسرائيليا يهوديا ، تستطيع ان تكون ضمن المئات الذين ينافسون على مثل هكذا فرص ويحصلون عليها . فالموضوع ليس موضوع “كثّر الله خيرهم” . اسرائيل كيان احتل هذه الارض وهذا الشعب ، وان يحصل المواطنون على خدمات تعليمية هو من واجبها . ولكن في حبكة الكاتب الذي لا يفقه عن هذا المكان الا ما سمعه وشاهده من الخارج ، من الطبيعي ان تبدو هذه الحالة استثنائية . اما ان تكون زوجته مسيحية وتفجر نفسها تحت اسم الدين فهذا لم نسمع به . وبالطبع فان الكاتب يريد ان يبعد فكرة “تدعيش” المجتمع العربي ، فيجمع بين مسلميه ومسيحييه بالارهاب.

ان ينسى الاتي من الخارج والمطبع مع اسرائيل ان هذه دولة احتلال ، امر طبيعي . فما حصل مع المخرج اللبناني الذي جاء الى تل ابيب، رأي مدينة كوزموبولتان يعيش اناسها بامان وامن ولا يتكلمون اصلا بالسياسة . اولئك نسوا اصلا انهم يعيشون في كنف احتلال شعب اخر . هم مجرد اناس يتعبون ويشقون ليعيشوا بأمان ويريدوا السلام !

انتظر فقط للحظة حرب تشنها وزارة الحرب على مداخل مدينة تل ابيب ، وكيف يتحول اولئك الى مصاصي دماء . يشربون الدم الفلسطيني كشرب الانسان للماء .

ما الذي قدمه المخرج اللبناني للقضية الفلسطينية بهذا الفيلم العبري الذي تم اخذ قصته من الشاباك الاسرائيلي ( وهنا لا افتعل الرواية هذه ، فهكذا حصل خضرا الذي لم تطأ قدمه تل ابيب على موضوع روايته).

عندما قال المخرج اللبناني ان هذا الفيلم لم يكن فيلما تطبيعيا وانه خدم القضية الفلسطينية ، ما الذي قصده بالتحديد ؟ خدم القضية الفلسطينية بصناعة فيلم اسرائيلي بامتياز ؟ هناك افلاما اسرائيلية تخدم القضية الفلسطينية بجدارة ، وقد يكون فيلم مفرق ٤٨ احدها . وهناك افلام كتلك التي قدمها المخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد ، عبرت عن حقيقة الوضع بلا رياء ولا تملق . هذا الفيلم ، كما الرواية المأخوذ عنها صدمة حقيقية لمن يفكر للحظة ان بها ما يخدم القضية الفلسطينية .

ما جرى وما يجري بهذه اللحظات هو عملية تطويع شعبي لفكرة اكبر واخطر من التطبيع . ما يجري هو عملية ممنهجة في “أنسنة الاحتلال” من خلال الفكرة الصهيونية الحديثة . اولئك الذين تخلوا عن فكرة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض بعد عقود من التواجد على ارض لم يستطيعوا محو الشعب منها . فقررو انسنة هذا الوجود بصيغ كهذه . صيغ تُطَوِّعُنا نحو رؤية الاحتلال ككيان يدافع عن نفسه ويحاول ، وقد يخطيء وقد يصيب .

والفيلم … اداء الممثلين فيه رديء ، واعترف ، بأنني لا استطيع ان احترم ممثلا عربيا او فلسطينيا يقبل ان يكون جزءا من هكذا عمل. اتابع المشاهد المأخوذة في الاماكن الفلسطينية واشعر بالحزن والغضب ، كيف تم خداع الناس من اجل تصوير هكذا فيلم ؟

وللحق كلمة يشقّ سماعها !!!!

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s