أميل حبيبي ومحمد بكري :المتشائل والصهيوطيني
منذ أسابيع وانا اتابع الضجيج الذي بدأ عند عودة المخرج اللبناني زياد الدويري الى لبنان وتوقيفه بالمطار واثارة قضية تطبيعه مع اسرائيل على خلفية فيلم سابق له يدعى الصدمة ، المأخوذ من قصة الجزائري ياسمينة خضرا والذي تم انتاجه واخراجه وتمثيله في “اسرائيل” على مدار ١١ شهراشهرًا. باختصار الفيلم سيء بتقديرات كل من شاهده بعد الضجيج الحاصل ، ولا يمكن وضعه في خانة دفاعية لكل من يحاول ان يعطي مزايا للعمل الفني بعيدا عن السياسة . فالفيلم صهيوني بامتياز ، لا يوجد ما يمكن المواربة في تعريفه بأقل من ذلك.

الفيلم ليس بالجديد ، ولربما اخرجته “الفزعة” الحاصلة من الرفوف المغبرة. وقد يكون فيلم الدويري الجديد (القضية ٢٣) التي شارك فيه الممثل الفلسطيني كامل الباشا وحاز على جائزة احسن ممثل من قبل احدى الجوائز الدولية ، وضع الفيلم في مكان اخر . بالنهاية نحن ننتظر اعمالا فنية مشتركة مع الدول العربية ، فهناك حاجة ، كما هناك اضافة في هكذا اعمال .

ضجيج اخر اثاره كامل الباشا لدى رجوعه الى القدس او ان شاء الى “اسرائيل” محملا بجائزة الفيلم ، محاولا الدفاع عن الدويري المهاجم في لبنان عن فيلمه (الصدمة) . هل كان هذا اخلاصا وامتنانا من قبل الباشا لمخرج الفيلم ؟ الامر ليس مهما . وليس مهما غياب الحنكة عن كامل الباشا في هذا الشأن ، فبدل ان يبعد نفسه عن اعمال الدويري السابقة وضع نفسه “بوز مدفع” وصار يروج لفيلم الصدمة على انه فيلم عظيم يكشف رياء مجتمعنا!!! المهم ان الحابل اختلط بالنابل هنا وصار الموضوع موضوع فيلم (الصدمة) الذي لا علاقة للباشا به . وطبعا تحول النقاش من نقاش لقضية التطبيع بمركزيتها الى نقاش حرية ابداع وفصل السياسة عن العمل الابداعي . الحقيقة لا افهم هذه الهراءات ولا اريد الخوض فيها كذلك .

المهم هنا اكثر قضية التطبيع بعالميتها وبتأثيرها بالانسان العربي. لبنان دولة تضع خطوطا واضحة لا يعتريها الغبش في هذا الشأن . المعركة كانت معركة عربية في هذا الصدد . كيف يتعامل لبنان مع لبناني مطبع .

انتهت موجة الانتقاد بعد ان تم اخمادها من “آلمثقفين” المدافعين عن شخص كامل الباشا في فلسطين ، لاعتبارات غلبت فيها الامور الشخصية والمسائل الاجتماعية قضية الوطن.

كامل الباشا ، اخطأ بلا شك ، لا يزال ربما محمولا بيوفوريا اللحظة . وعليه مشكلته الحقيقية تكمن في موضع قبوله للعمل مع مخرج اعماله تطبيعية \ صهيونية بجدارة . ومشكلته الاخرى انه وضع نفسه كالمدافع عن المخرج في فيلمه السابق امتنانا ربما، ولكن ما قام به كامل الباشا يضعه امام مساءلة مختلفة ، لانه ليس ممثلا عابرا ، فاسمه يرتبط “بالمسرح الوطني الفلسطيني” وما يحصل من محاولات غير منقطعة لاغلاق المسرح لعدم انصياع المسرح لمحاولات اسرلة وصهينة المسرح غير خفي وجلي كجلاء شمس صيفية .

كيف دخل من هنا محمد بكري الى لبنان خلال هذه الزوبعة لا افهم ؟ بغض النظر عن تلك الجوازات الفلسطينية التي يتم توزيعها من قبل الرئيس الفلسطيني كهدايا العيد …. الا لمت يحتاجها من أبناء المخيمات المضطهدون في بلاد العالم .

كنا في زوبعة التطبيع وفكرة ما تحمله هذه القضية من اهمية اخلاقية شخصية لكل انسان عربي ، وصرنا في دعوة محمد بكري الى لبنان وتكريمه او مشاركته الى اخره ؟

يعني اذا ما حاكمت لبنان مواطنها لدخوله الى اسرائيل والتطبيع مع دولة العدو ، كيف تحولت هذه الدولة بلحظة الى دولة تستقبل بحفاوة “اسرائيلي” تاريخه حافل بالافلام الصهيونية التطبيعية؟

وهنا لا احاول الهجوم على بكري ، بقدر ما احاول رؤيته بعين العربي( اللبناني) الذي يلغي تأشيرة الدخول الى لبنان بمجرد رؤية اي اشارة على جواز السفر من قبل اسرائيل . اذا ما وضع المنسق الامني في لبنان اسم محمد بكري على محرك بحث سيصاب بصدمة اشد من تلك التي شهدها في فيلم (الصدمة) مئات المرات .

وهنا ندخل في صلب محمد بكري واعماله . وقد يكون هذا مثالا مهما للاختلاط الحاصل ، وقبل دخولي بما يبدو هجوما على فلسطينيي الداخل ، اريد التأكيد هنا وبخط عريض ، ان فلسطينيي الداخل الفلسطيني لا يحتاجون الى شهادتي او كلامي لاثبات فلسطينيتهم . ولان ما فعلته اسرائيل من نكبة لن تنتهي اثارها ، لانها لا تزال مستمرة بأشكال متكررة ويومية منذ بدء الاحتلال تعدت موضوع الارض وتتبلور كل يوم في موضوع الهوية . عملت اسرائيل ولا تزال على تفكيك وتهميش وتهشيم هذه الهوية بكل ما اوتي لها من وسائل ولا تزال . والانسان الفلسطيني كل في منطقته الجغرافية المفككة والمقسمة والمهشمة يحاول بكل ما اوتي له من قوة المحافظة على هذه الهوية .

وهناك من لا تهمه هذه الهوية الا بشكلياتها ومصالحها المباشرة له ، وهؤلاء ليسوا فلسطينيو الداخل الذين وضعت بساطير الاحتلال على رقابهم منذ سنوات الاحتلال الاولى فقط ،ولكن بالقدس والضفة وغزة وغيرها كذلك . فالانسان المخلص المقاتل من اجل هويته لا يتمثل وجوده في مكان جغرافي محدد. وبلا شك ان دفاع كل انسان فلسطيني حقيقي تجري بعروقه دماء لا يفهمها احتلال ولا متسلق ولا عابر طريق في هذه البلاد التي لا يمكن اخذها بالتقادم مهما حاول الغزاة المتتابعون . ان الدم الفلسطيني مختلط بما يشكل هوية مصقولة يتنفسها الفلسطيني الاصيل وكأنها من مكونات هوائه . لا يفهمها المتخاذلون ولا المنتفعون ولا المتسلقون .

وقد يكون محمد بكري مرة اخرى مثالا مهما . وعليه يصعب التفريق والتمييز لمن لا يفهم الامور عن قرب ولا يعرفها او يعيشها . برز محمد بكري في دوره بعمل اميل حبيبي المتشائل. فبدء مجرد اقتران الاسماء ببعض يعطي بكري حضورا ووجودا لا يمكن التشكيك به كثيرا . ولكن كيف لنا ان نضع صاحب فكرة ، حارب وعاش ومات من اجلها كاميل حبيبي ، الذي ترك اعمالا ادبية بعظمة المتشائل، لا يزال القراء يفككون رموزها وتتسرب معانيها الى شرايينهم ، مع اخر.

فهناك اشخاص ، لا يمكن الا وضعهم موضوع الرمزية لأنهم اصحاب فكر حاربوا من اجله . ونستطيع ان نختلف معهم ومع ادواتهم وارائهم احيانا وتكرارا، ولكن لا يمكن وضع كفاحهم من اجل قضيتهم الاساسية وهي قضية الهوية موضع شك .فهؤلاء حاربوا من اجل ان تبقى كلمة فلسطيني بالرغم من الذل والاذعان والعزل الذي فرض عليهم من الاحتلال . والامثلة لا تتوقف عند شخص ، بل تستمر الى هذه اللحظة.

هناك اشخاص يحاربون بشراسة من اجل ان يكونوا فلسطينيين بداخل اماكنهم المختلفة ، بالسابق كانوا فقط بحيفا والناصرة والجليل وعكا وغيرها من مدن وقرى تم احتلالها لتصبح اسرائيل ، واليوم هذه الحرب امتدت لتكون حرب وجود لكل فلسطيني اصيل اينما كان.

ولكن ، لا يمكن ان اقبل ان اضع محمد بكري في خانة هؤلاء . ولا يوجد مجال حتى لمناقشة هذا الامر . فالتاريخ لا يمحى بتصريح ولا بعمل اخر يردد شعارات . ان يصبح محمد بكري محسوبا على التلفزيون الفلسطيني بعمل ما ، فهذا شأن التلفزيون الفلسطيني وغيره الذي لا يشكل للانسان الفلسطيني اكثر من كونه نتاج اوسلو . فهذا لا يعنينا بحق . هؤلاء ادوات لمرحلة لا تمثلنا ولكننا مضطرون للتعامل معها .

تاريخ محمد بكري بدأ ربما بالمتشائل ، وكانت فرصته الذهبية ، ولكن طريقه لم تمت لفكر الا ذلك الصهيوني منه . فلا يمكن المواربة في اعماله بالتلفزيون الاسرائيلي ومشاركاته بالاعمال الاسرائيلية ، والدولية بأدوار اقولها وبصوت عال يخجل اي انسان عنده حس بالالتزام الاخلاقي نحو قضية الانسان في ظروف كظروفنا نحن الفلسطينيون ان نقبلها .

برع محمد بكري باداء دور الارهابي في افلام اجنبية ، فاصبح مساهما اساسيا في الترويج للدعاية الصهيونية ضد هذا الشعب . من اين نبدأ في مسيرة بكري في هذا الصدد ؟ فيلم الصخرة مع انتونيو بانديراس، او فيلم الموت قبل العار ، او اليرموك ، او فيلم اخرجه ابن تيدي كوليك،( رئيس بلدية القدس)عاموس كوليك. ولا يتردد محمد بكري في افلامه عن تقديم دور الفلسطيني ، ففي هذا الفيلم الذي يتناول قصة صحفية أمريكية تتعاطف مع القضية الفلسطينية جاءت موفدة لتكتب عن الموضوع عن قرب، واذ بها في آخر الفيلم – في حين انها كانت في طريقها لمساعدة الفلسطينيين – واذ بها تتعرض لهجوم أطفال الانتفاضة الذي يغمرون سيارتها بالحجارة .. وهكذا ينتهي الفيلم دون ان نعرف ان كانت ماتت ام لا. يعني النضال السلمي لأطفال الحجارة أظهرهم في الفيلم كقتلة. اما النجم فدوره في الفيلم منتفض فلسطيني يعذّب عميل فلسطيني لإسرائيل. وفي فيلم بانديراس برع في دور المناضل الفلسطيني قاطع الطرق الذي

يصوب البندقية لرأس طفلة. والقائمة تطول ولم تتوقف على الرغم من بروزه في فيلم جنين جنين فلسطينيا
نعم نحن نعيش في زمن تغلب فيه ثقافة القطيع ، ويتم العمل على غسل الادمغة البسيطة من خلال الاعلام بوسائله المختلفة على قدم وساق ، ولكن هذا لن يعني ابدا السكوت عما هو حق عند معرفته . ولن يعني ابدا ان نصبح قطيعا حتى ولو مشينا معه.

القضية الفلسطينية ليست قضية ارض فقط . في زمن تضيع الارض فيه بالشبر ،حتى لم يعد هناك ما نساوم عليه الا تلك البقعة مما نستطيع الوقوف والحراك فيها . وعليه فان القضية الفلسطينية هي قضية شعب . قضية انسان يدافع عن حقه في الوجود.

والوجود الفلسطيني ليس وجودا عابرا . فنحن ابناء هذه الارض منذ البدء. ووجودنا لتبقى فلسطين . ليس اسما فقط. ولكن ليبقى الانسان الفلسطيني .

هذا الانسان الذي يبقى رغم ما يعبر على ارضه من غزاة وحروب تدك ارضه وتحاول نزعه ودحضه من الوجود.

هذا هو الانسان الفلسطيني الباقي…. وعليه يجب ان نحذر من كل اولئك العابرون عبور المنتفع المنتظر فرصة لوجوده هو .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s