التحرش: متى تبدأ المسؤولية ومتى يجب التصدي بالكشف؟

 

يبدو ان شعوب الفيسبوك تحتفل اليوم بما يسمى (ربما) بيوم مؤازرة المرأة (وعلى ما يبدو (المتحرش بها) .

منذ ايام وقامت هوليوود ولم تقعد بعد على فضيحة احد المنتجين الكبار في قضايا تحرش مع نجمات، بدى وكأن عالم هوليوود مبني على التقوى وحسن الاخلاق. ولم يكن هناك حاجة للتفكر كثيرا ، فعالم هوليوود شبيه بعالم السياسة، فيبدو ان زمن هذا السفيه قد انتهى فصار وقت التخلص منه بفضيحة تاريخه مليء بأفعال مثلها . والامثلة كثيرة على سقوط شخوص من عروش السلطة بسبب قضية كهذه ، فما حصل برئيس اسرائيل مثل ضمن امثلة كثر.

وقبل الخوض بموضوع المنتج تساءلت حينها ، كم من الظلم يقع على الممثلة التي تحاول ايجاد فرصة للنجومية؟ وهل خضوعها او سكوتها في حينه يبرئها ؟ وما الذي يسكتها كل هذا الوقت لتخرج وتعترف ؟

وكم من الصعب كان على شابة مرؤوسة من قبل وزير او ضابط صار رئيس دولة بالخروج الى الملأ لمحاسبته؟

والبحث عن جواب لا يحتاج الى الكثير من التفكير ، فالضحية كالخروف الذي تقع رقبته على حد السكين ، فقط ينجو عندما ينجو بالفعل بحياته. ولكن علينا التوقف للحظات امام مساءلة حقيقية امام انفسنا نحن معشر النساء . متى بدأت المرأة منا بكونها الضحية ومتى انتهت الى تكون الجلاد؟

هل يصبح الرجل متحرشا بمجرد ان تقرر المرأة ان تحجم عملية الملامسة التي يود الرجل ان تنتهي الى جماع ؟

في كل لحظة تمر من حياة النساء على هذا الكون يتم التعرض لأنثى ، الاغتصابات التي نسمع عنها بالهند تقشعر لها الابدان ، ما يتم تداوله من اغتصابات علنية في حافلات وفي اماكن عامة في مدن كالجزائر حيواني بجدارة . ما يحصل وراء ابواب المؤسسات المختلفة بشتى اشكالها واحجامها مخجل في كل مرة نرى كيف يتم استخدام السلطة على الموظفة. ما يحصل في جامعاتنا وما يدور في اروقة المدارس. قضية يجب مواجهتها دائما وبحسم ومع الاسف مسكوت عنها دائما .

ولكن هل  تقع المسؤولية بالمطلق على الرجل ؟

هل تبدأ المسؤولية وتنتهي بقول “لا” ؟

هل بالفعل تتحمل المرأة مسؤولية لباسها كما يحدث في بلاد العالم الذكوري كما في السعودية كحد اقصى لمجرد شكلها الانثوي يظهر وكما يحدث بهامش حياة المرأة المصرية كما رأينا في قضية المرأة التي تم صفعها من قبل متحرش قبل سنتين وقام مؤخرا بالتعدي عليها وايذائها؟

هل تتساوى هكذا امرأة بمسؤوليتها كما تتساوى امرأة في ملهى ليلي عارية الملبس تتراقص وتتمايل وتسعى لللمس وتساهم به ، او امرأة تذهب مع رجل تعرف تمام المعرفة بأن نيته تجاهها ليست نية طيبة وتدخل الى بيته او تمشي الى مرقده بعيون غازية؟

بين المثالين تضيع قضية المرأة الضحية ، فتتساوى الضحايا كما يتساوى الجلاد.

لا يوجد ادنى شك اننا نعيش في مجتمعات سلطوية تعزز سطوة الرجل . وتبدأ المسؤولية في تنشئتنا كأمهات لابنائنا الذكور ، وكذلك الاناث؟ كم نربي بناتنا على الا يكن ضحايا ؟ وكم نربي ابناءنا على الا يكونوا جلادين؟

كم منا تربي بنتها على ان جسدها مسؤولية ؟ وكم منا يربي ابنه على ان العبث ليس بالرجولة ؟

وتكبر هذه المسؤولية معنا كنساء بالغات راشدات . لان منا من هن قادرات على الوقوف امام انفسهن والرجل ايا كان وصده قبل ان يفكر بالمحاولة . ومنا من لا يستطعن حتى الدفاع عن انفسهن امام متحرش قد يكون اقرب لها من وريدها .

وفي الحالتين الموضوع ليس بالسهل ، لانه وبالعادة ذلك المتحرش رجل قريب ، تستأمنه المرأة . فالصديق والقريب والزميل رجال تأمن المرأة لهم في مجال حراكها . وتكون الصدمة في اغلب الحالات هناك . ومن اجل هذا تسكت ربما المرأة لان الحرج ليس مجرد حدث عابر ، بل مع شخص عليها التعامل معه او تعاملت معه عن قرب. تصبح مسؤولة عن ما بدر منه ولو لم يصدر منها اي اشارة او تصرف . الا انه بجبروته يظن انه لا يمكن صده . لانه تربى على ان يكون الجبار.

هل تتكلم المرأة ام تسكت ؟

فكلامها فضيحة ، وسكوتها مشاركة بجريمة ستتعرض لها اخرى .

وبين هذا وذاك تبقى حقيقة واحدة تجعلنا نتخلص من هكذا انتهاكات اذا ما قررنا التعامل مع انفسنا بصدق اولا كنساء .

وقد أقدم شهادتي على نفسي كمحاولة في تحمل مسؤولية ما يجري . فبالرغم من ضعفنا لمجرد وجودنا ضمن سلطة ابوية محكمة ، وهذا لا يتعلق او يقتصر بمجتمعاتنا هذه بل بكل العالم . الا ان مساهمتنا جزء من هذا الانتهاك ، سواء بالسكوت او السماح .

اعترف بأنني تعرضت لمحاولات متعددة للتحرش في سنوات عملي ، لمجرد كوني امرأة ” منفتحة”، ” غير محجبة” ، ” مطلقة” طبعا . ووجدت نفسي في احيان اسكت ، وفي احيان استكين كقطة بلا مخالب. الا انني لم اسمح ابدا لاحد بالمساس بي وحتى لمس شعرة مني في هكذا مواقف ، لسبب واضح بالنسبة لي ، لان كوني منفتحة وغير محجبة ومطلقة لا يقلل مني بل يزيدني اصرار على كوني من انا ، وبالتالي لم تفلح اي محاولة بأن تخرج من نفس صاحبها ، الا انها وبلا شك اثرت بي وخدشتني. بل اكثر عشت في لحظات كثيرة خوف لقمة العيش وخوف اتهامات المجتمع.

الا انني وفي المقابل وفي مواضع اخرى خارجة عن اطار العمل وبما يندرج تحت حياتي الشخصية ، كنت متهورة في موقف بخروج ومجموعة ذات مساء ، وكنت على علم بأن احدهم كان يريد التقرب مني لغرض بنفسه ، ولأن ذاك الشخص صاحب منصب ومكانة ما ، قبلت بتلك “آلخروجة ” ومجموعة من الرفاق . في اللحظة التي حاول بها ذلك الرجل التحرش بي شعرت بالاهانة ، وللحق ، لم اشعر بالاهانة منه بقدر ما شعرتها من نفسي ، لاني كنت اعرف ان نظرته وما يريده مني لم يكن ما اردته منه . وتغاضيت عن هذا وخرجت ، وكأنني متحكمة بالوضع . بالمحصلة كان مجرد قبولي الدعوة اشارة له بقبولي . وعلى الرغم من تصرفي اللبق وتأكدي بانني لم اضع نفسي في موقف محرج ، الا انه لم ير ذلك . ومجرد محاولته بلمسي والتي لحسن حظي لم تحصل ، ليس لانني قوية ولكن لكوني ضمن مجموعة استطعت “آلاختباء” والجموع لاتحاشاه حتى اصل الى بيتي.

للحظة فكرت ان اخرج من هذا الموقف بلومه وسبه وصب غضبي على معشر الرجال الذين لا يفهموا ابدا ما تريده المرأة ، ولا يروا الا ما تناديهم به غريزتهم .

الا انني  راجعت نفسي بلحظة تالية ولم استطع الا لوم نفسي على ذاك الموقف ، ليس لاني اردت جلد الضحية بداخلي ، ولكن لاني بلا ادنى شك كنت مسؤولة عن وجودي بمكان لا يناسبني مع شخص كنت على علم بعدم حسن نيته في هذا الصدد.

ومن هنا انهي كما بدأت بسؤال : متى تبدأ مسؤوليتنا تجاه ما نتعرض له من تحرش وانتهاك ، ومتى يتوجب علينا التصدي لهكذا انتهاك او تحرش؟


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s