منذ اعلان ترامب بأن القدس عاصمة اليهود، وردود الأفعال تأخذ منحنيات كثيرة بعضها مهم، وبعضها مفاجئ، وبعضها محبط، وبعضها دون المستوى.

وهناك بالطبع ردود الافعال خلف الشاشات والتي تفتش عن كل ما هو ملهم وملهب للمشاعر الخاصة بهذه اللحظة.

تفاجأت من تداول فيديو كنت قد نشرته قبل عدة أعوام لاصغر بناتي خلال حوار “عقيم” مع احدى الجارات ابان العدوان على غزة وانتشار عمليات الطعن بالقدس ، كنت في حينها كما اليوم، اترقب لحظة عودة الابناء من المدارس منذ خروجهم اليها، وكنا نخرج بتأهب لنقول ـ مش خايفينـ بشوارع القدس. لم اكن بالجريئة و لم تملأني الوطنية حينها، كما اليوم، نقوم بما هو اضعف الايمان.

كنت احاول حماية ابنائي من خطر محدق ولا ازال، بين ظلم يشاهدونه ويسمعون عنه ويشعرون به، وبين احباط ملأ كيانهم من غياب الحق وسطوة الظلم، فكنت ارتعب عندما اراهم صامتين متسمرين امام شاشات التلفزيون يتابعون مشاهد القتل والاغتيال.

لم يكن بعيدا عن منزلنا محمد ابو خضير ، ولم يكن احمد مناصرة الا على بعد مئات الامتار عنا ايضا، مشاهد القتل بدم بارد لطلاب المدارس تحت ادعاءات الطعن، القتل على الحواجز، الرمي بالرصاص لمن يشك بأنه عربي، كنت اعيش لحظات رعب في كل مرة اسمع فيها الصمت المدوي لابنائي بعيون يملؤها الاحباط ، ولسان حالهم يقول : لماذا نعيش ، اذا ما كانت حياتنا بهذا البخس؟.

في يوم خرجت ابنة اختي ولم يتعد عمرها حينها ١٢ او ١٣ سنة من البيت بلا اذن، واختفت لساعات، عشنا كعائلة رعب اللحظة المجهولة القادمة، ذهبت العائلة الى الشرطة، وعادت البنت بعد ساعات ، كانت قد ذهبت فيها الى المسجد الاقصى، لم تطلب الاذن من اهلها لانهم لم يكونوا ليسمحوا لها بالذهاب، في خضم تلك الاحداث فكرت تلك الطفلة انه بذهابها الى الاقصى فانها ستنصر قضيتها ، في وقت كان السماح فيه بالدخول الى هناك صعب وكانت هجمات المستوطنين كما اليوم ، مستعرة.

اخُذت الفتاة للتحقيق، وعندما سألوها عن انتماءاتها ، قالت انها مع المقاومة. فلكم ان تتخيلوا كم كان هذا صعبا امام الشرطة الاسرائيلية ، كان لسان حالها انها ارادت الصلاة في المسجد الاقصى، امنت بأن ذهابها للصلاة سيحرره من المعتدين عليه، كانت بكل صدق وبراءة ذاك العمر مقتنعة بأن هذا ما ستقدمه لوطنها .

تجمعت العائلة فيما بعد ، وكذلك بعض الجارات، وكان حديث التأنيب للفتاة. كيف تذهبين بلا استئذان ؟ وكيف تقولين امام الشرطة بأنك مع المقاومة؟ وهكذا مهاترات خنوعية، لا انكر انها كانت مستحقة. فبنهاية الامر ، نرى بام اعيننا كيف يتم توريط الشبان وحبسهم. نرى كيف يتم القتل ، وكيف تهدم العوائل . فلم يعد هناك مزاح. ولا حتى مكان لاخذ اي شيء على محمل الجدية. او المسؤولية. فالخوف هو سيد الموقف . والخنوع هو المطلوب للاستمرار بهكذا بقاء.

في خضم كل هذا ، تنبهت الى ابنتي التي كانت مرتعبة على ابنة خالتها التي لا تكبرها كثيرا . واستطاعت ان تضع نفسها مكانها ، ودافعت عنها بحرقة. ما تنبهت اليه حينها ، هذه الفروقات بين الاجيال. جيل خانع كجيلي، من المفترض انه تربى في ظروف اقسى ويفهم اكثر من هذا الجيل الناشئ معنى الوطن. كنت لغاية تلك اللحظة على قناعة بأن هذا الجيل لن يأتي بخير ، خصوصا ونحن اهله. كيف نخرج جيلا افضل ونحن نصدر الخوف والخنوع والاستسلام ؟

ولكن ابنتي فاجأتني . فاجأتني برؤيتها التي لم اعتقد ابدا بأنها بذاك النضوج.

تيقنت حينها بلا تردد ولا مجال للشك ، ان الاوطان تبنى من ابناء كهؤلاء. ابناء يحملون الوطن على اكتافهم ، ويميزون بين الصالح وبين الطالح. يعرفونا طريق الاوطان تأتي بالحرية. والحرية تبنى بالتفكير المتحرر من قيود الخوف والخنوع.

لم اكن ابدا ، ولن اكون من مروجي فكر العنف . لم ولن ادعو ابدا للموت . ففي كل مرة نخرج فيها من البيت الى وقفة نعرف انها بها من الخطورة ما هو حقيقي ، اؤكد على رؤيا واحدة : هذا الوطن سيبنى بنا نحن ابناؤه . والوطن يبنى بالاحياء ، الاقوياء ،الاصحاء.

الوطن يبنى من خلال تعليم جيد ، وتربية صالحة ، وفكر منفتح ومتحرر. نحن لا نخرج من اجل الموت ، ولا الاصابة ولا السجن. نحن نخرج من اجل الحياة . ومن اجل هذه الحياة سنبقى على قيدها صامدين متحدين مدافعين عن حقنا في هذا الوطن.

ما يفعله ابناؤنا من صمود وتحدي اقوى من الاحتلال و اشد قوة من تكالب العالم علينا . وما فعله اهل هذه المدينة في الصمود والتحدي في اسابيع رفض البوابات على الاقصى ، اكد ان كل ابناء القدس مثل ابنتي في تحديها وكلامها . في صدق حبها لهذا الوطن.

فالوطن ليست سلعة تباع وتشترى . وليست مشروعا يمنح ، ولا هدية تؤخذ. الوطن استحقاق لمن يؤمن به .
ابنتي ، ابنة القدس ، بكل تأوه ودمعة وصيحة قالت ما يقوله كل محب ومخلص ومشتاق لأني يعيش بكرامة على ارض وطنه. الحرية لا تمنح . الحرية تزرع في وجدان أبنائنا ويحصدون بها الاوطان عندما يكبرون.


2 thoughts on “صرخة من قلب القهر: فجوة الاجيال
  1. Thank you. I am learning from your perspective.

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s