Monthly Archives: March 2018

ريم بنا..بشرية في حجم إنسان.

 

إستيقظت على أحلام أقرب إلى الكوابيس. نظرت إلى السماء من شباك غرفتي، وظننت أن هناك خلل ما في ذاكرتي. فبالأمس كان الربيع مرحبا، مبتهجا، تتراقص الطيور فيه مع زرقة السماء الصافية.

إقفهرار عجيب في السماء. هدوء حزين. زخات مطر تنزل على استحياء. غراب يقف على حافة عامود الكهرباء.

رحلت ريم بنا …كان الخبر يتردد على شبكات التواصل المختلفة.

حزن مستحق….قلت في نفسي.

رافقت ريم بنا جمهورها، في رحلة مرضها القاسية، والتي تحولت فيها الى رمز للقوة، وقدمت تجربتها مع المرض بوعي، وساهمت في تسليط الضوء على معاناة مرضى السرطان من ناحية توعوية، عكست فيها الصلابة والإصرار والتحدي والمقاومة. قدمت ريم بمرضها الإنسان الفلسطيني المقاوم. كانت فرصة لتصرخ مرة أخرى هذه المرة، بجسدها، وشعرها الحليق،لتتحدى المرض الذي احتل جسدها بغتة،كما كان تحديها لحياة تحت الاحتلال تحاول المراوغة في العيش من خلاله.

خرجت من عالم الطفولة،بسنوات مراهقة كانت تشكل فيها ريم بنا انتفاضة من نوع آخر في حياة البنات.إنتفاضة رافقت تلك الإنتفاضة الوطنية في توقيتها. بالنسبة لفتاة كان الوطن يشكل حلما في وجدانها، سماع فلسطينية من الناصرة على شريط الكاسيت كان بالنسبة لي حدثا عظيما.

ريم شكلت إمكانية الحلم في ذهني، وحلقت من خلالها نحو المرأة التي أتمنى ان أكون، حرة، متبرجة، جريئة، تقدم ما هو مختلف ويحاكي العصر الجديد..جفرا …كانت تعكس روح جيل يحاول الإنطلاق نحو نفسه.

لا أعرف إن كنت احببت صوتها، الحقيقة أنه لم يعجبني، ولكن آداءها وحضورها وفحوى أغانيها كان لا يقل أهمية في ما قدمته.

بعد سنوات عندما صرت أما ، كانت أغنية “قمر ابو ليلة” رفيقا لبرامج الترفيه الذي كنت أحفظه لأبنائي. كان من السهل أن أردد كلمات أغاني بصوتي الذي لا تتجانس معه أي موسيقى. كانت الكلمات عذبة، دافئة، قريبة ” قمر أبو ليلة..شو تعشيت الليلة؟خبز وجبنة مالحة من عند عمتي صالحة..خبز وجبنة وخيارة من عند ستي الختيارة…”.

كانت ريم فنانة ذكية في اختيار نسقها الخاص بالاغاني والألحان. وشكلت مع السنوات نموذجا مهما في الفن الفلسطيني.

مرضها في السنوات الاخيرة، أخرج الإنسان فيها ، ذلك الإنسان الذي رددت في أغنياتها معانيه التي تبحث فيها عنه. لم يكن مصادفة ترديدها لأشعار توفيق زياد : “واعطي نصف عمري،للذي يجعل طفلا باكيا يضحك….واعطي نصفه الثاني، لأحمي زهرة خضراء أن تهلك…وأمشي ألف عام خلف أغنية، وأقطع ألف واد شائك المسلك…وأركب كل بحر هائج، عند شواطيء الليلك.أنا بشرية في حجم إنسان …فهل أرتاح والدم الذكي يسفك…أغني للحياة، فللحياة وهبت كل قصائدي، وقصائدي هي كل ما أملك.”

ريم بنا ، حاولت خلق اختلاف بالفن الفلسطيني، وسط عالم “مؤسرل”، وجاهدت من أجل أن تكون فلسطينية بإحياء تراث كان يرافقها على المسرح من خلال مجوهراتها وأثوابها، ومن خلال أغاني وتهاليل تراثية أعادت توزيعها وإخراجها بروح عصرية.

وكذلك عملت ريم اختلاف في المرض، وحولت صراعها مع المرض إلى صراع من أجل التمسك بالحياة حتى آخر نفس فيها . بثت الأمل في نفوس المرضى والأصحاء ، وحولت المرض إلى رفيق ….

وفارقت الحياة وقد ملأتها أملا وحبا. اختلافا وتشابها. حزنا وفرحا. عتابا وامتنانا..

فارقت الحياة وانحنت لها الطبيعة في تهليلة تؤكد ان البقاء للإنسان ليس بجسد ، ولكن بروح ستحلق وتبقي ذكريات أبدية في وجدان أمة لا تزال تبحث عن وطن لها في أرضها .

باختلافنا واتفاقنا مع ريم… نودعها بحب وحزن ، ضارعين الى اللله رحمة لها وراحة..

وهلا لا لاليا…وهلا لا لا ليا ..عيني يا لبنية..يا نار قلبي اشعلي واشوي لحنية…والبنت قالت لامها يما ظلمتيني ، اول عريس حين اجا ليش ما اعطيتيني.تاني عريس ان اجا دينه على ديني … وان كان ما في ورق لاكتب عجناح الطير وإن كان ما في حبر بدموع العين ….هللالاي…

لروحك سلام

نعم…كلنا أسامة عرار

 

 

لا أستطيع أن أقول بأني تفاجأت مما جرى للشاب أسامة عرار ، الطالب في جامعة النجاح الوطنية من فصل ومنعه دخول حرم الجامعة بسبب منشور كتبه على الفيسبوك ،عمل فيه مقارنة بين جامعته وجامعة بيرزيت.

نكلم أسامة بمنشوره عن جامعة بيرزيت بإيجابية ، بناء على رحلة قام بها الى الحرم الجامعي هناك. الحقيقة ان شعور أسامة يشبه شعور كل منا عندما يخرج من هذا البلد ويرى الجامعات في الخارج، وما استغربته أن يكون هناك هكذا فرق بين جامعتين وطنيتين. واستغرابي كذلك ليس كبيرا ، بالنهاية يحكم جامعاتنا انعكاسات ثقافية تؤثر على المكان، كل على حسب موقعه الجغرافي. والحال الفلسطيني في عمق حالة الانعزال التي اقتربت من ان تفصل الاخ عن أخيه في نفس البيت.

ولن أدعي انني متفاجئة لقمع حرية التعبير لشاب فلسطيني آخر. ولا استغرب انه لم يعد هناك فرق بين مؤسسة تعليمية او أمنية او مخابراتية في هذا البلد. ولكني لا استطيع كبح مشاعري بالأسى لتردي حالنا .

ما الذي بقي لنا ؟

عندما لا يستطيع طالب جامعي التعبير عن رأيه، فيفصل؟

ما الذي يريد اصحاب السلطة اثباته ؟ او بالاحرى فرضه؟

وهنا لا استطيع ان اتغاضى عن جامعة النجاح تحديدا ، واوجه كلامي مباشرة الى السلطة ، فرئيس الجامعة هو نفسه رئيس الوزراء . أي ان كبت الحرية في جامعة اخرى نستطيع ان نوجهه او نلوم به الادارات الجامعية ، ولكن في جامعة النجاح ، من المفترض ان تكون الجامعة منبرا للتعبير عن الرأي ، لأنها تحت ادارة رئيس الوزراء ، فهي اليوم تعكس حال الدولة سواء رضينا او لم نرض. سواء قيل لنا ان هذا ليس حقيقيا ام لم يقال .

المعلم يحال الى التقاعد لاشتراكه في الاعتصامات .

والطالب يطرد لتعبيره عن رأيه بالفيسبوك.

الطالب لم يسب ولم يخدش حياء ولم يستخدم عبارات نابية او مهينة ، كل ما قام به مقارنة بين ما شعر به في الجامعتين . يفصل من اجل هذا؟

كيف لنا ان نثق بنظام كهذا ؟

من اين لنا ان نبدأ اللوم ؟ على من تقع المسؤولية ؟

هل تصرف امن الجامعة على هواهم ؟

ام هل أصحبنا بوليسا على انفسنا ؟

هل نناشد رئيس الوزراء بصفته وزير الداخلية ورئيس الوزراء ورئيس الجامعة ؟

ام نناشد الرئيس الفلسطيني في خضم معركته مع صحته وامريكا واسرائيل وركوب المسترئسين؟

لن يخسر أسامة الكثير في فصله ، فالحياة ستعلمه اكثر مما تعلمه قاعات المحاضرات . وقد يكون محظوظا بأنه لا يزال صغيرا ولم يعتد على الحاجة ولا داعي للذل بعد. ولا يوجد الكثير ليخسره في مسير التعليم الفذ الذي تقدمه جامعاتنا.

ولكن هل نسكت ؟

هل يسكت أسامة ؟

محظوظ اسامة انه اسامة وليس نيفين … فلم يكلفه رأيه حياته بعد….

كل ما يمكن قوله في هذه الحالة ، وهو كما في كل مرة .. اضعف الايمان …

كلنا أسامة.

 

قبل البدء، أعتذر عن العنوان، لأني لا أحب استخدام هذه الكلمات في كتاباتي، ولكن بما أن هذه هي مصطلحات السيادة الفلسطينية بأعلى مقاماتها، فلا يمكن إقصاء هكذا لغة من الثقافة العامة.

أعترف كذلك بأنني أصبت بالذهول عند سماعي كلمات الرئيس الفلسطيني ناعتا السفير الأمريكي” بإبن الكلب” في مجلس رسمي، علني، ومباشر.

نفهم أن الرئيس ممتعض من تصرفات أمريكا الرعناء تجاهنا، فإعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية الى القدس أسقط ورقة التين عن الجميع. لم يرق الخطاب الفلسطيني منذ تلك اللحظة حتى الآن، لأكثر من شجب حريص، وتهديدات خاوية. والركب الأمريكي الصهيوني يمتد بلا هوادة. وكل الفقاعات التي تصدرها السيادة الفلسطينية بكافة مستوياتها فقدت حتى اهتمام الناس بسماعها.

أعتقد أن الرئيس الفلسطيني بات مدركا أن كل دفاعاته قد سقطت تماما . تم تعريته بالمطلق أمام أمريكا وإسرائيل والدول العربية والشعب. يقف اليوم أمام التنازل الأخير المطلوب منه، ويدرك تماما أن أي إشارة منه بالموافقة على ذلك ستكون هي الضربة القاضية. وكأن التاريخ يعيد نفس ، فكان ملف القدس هو الذي قضى على ياسر عرفات من قبله. تلك اللحظة التي حوصر فيها عرفات بتنازلاته منذ اوسلو وجيء به لكي يبرم الصفقة على القدس. كم تبدو تلك الأيام حالمة عندما ننظر الآن إلى كم التنازلات التي ارتكبت بطريقة لا يمكن وصفها إلا بالجريمة بحق هذا الشعب ، ولم تكن إلا تواطؤا بقصد أو بلا قصد مع الإحتلال.

أعترف بأني لطالما حاولت التعاطف مع أبو مازن ، وأعترف كذلك أنني أصدقه في سعيه للسلام، وأصدق أن براغماتيته بها حكمة ما. ولكن السلام لا يصنع من طرف واحد ولا مع خنوع متكامل. أراد أبو مازن فضح الإحتلال الإسرائيلي أمام العالم وإثبات نواياه السيئة وانتهى إلى تعريته هو من كل شيء. استفحل الإستيطان من كل الإتجاهات وامتد على مرأى عينه ، سهل التنسيق الأمني لمصلحتهم وحمايتهم على حساب الشعب ليثبت أنه مخلص للسلام وتحولت مدننا وقرانا إلى سجون يقف الجنود فيها على الحواجز، التي تحولت الى معابر ،ويحيط الجدار والأسلاك الحدود كالأخطبوط.

والشريك الأمريكي الذي يمهد لصفقة القرن، يبدو أنه يحضر لصفعة للرئيس الفلسطيني، فهم بلا شك وضعوه في موقف محرج أمام الشعب والعالم. “كسروا هيبته” كما يقال. أن يصل أبو مازن لمرحلة يخرج فيها عن طوعه وينعت السفير الأمريكي “بابن الكلب” ، يؤكد على حقيقة واحدة، أنه تم التخلي عنه. فلم تتردد الإدارة الأمريكية بالإعلان أن صفقة القرن سيتم تأجيلها إلى ما بعد أبو مازن . وكأن أبو مازن يعد أيامه الأخيرة بالفعل . أولئك يتصرفون وكأنهم يد عزرائيل على هذه الدنيا . فلا يأبهوا لمن في الأرض ولا لمن في السماء.

ولكن أبو مازن لم يكتف بإطلاق رصاصة الرحمة أمام الحليف الأوحد لما يمكن أن يكون سلاما. هاجم على “العدو” الحقيقي حماس بتصريح أكثر استفزازا عندما قال:

“الكنادر والصرامي ستنصب على رؤوسهم، على رؤوس أكبرهم وأصغرهم. ” ثم نعت سلوكهم “بالحقير”، وكأنه أراد محو أي فرصة أو إيماء للمصالحة.

وهنا يبدأ التساؤل الحقيقي، هل افتعل أبو مازن غضبه في الحالتين؟ بسبه على السفير الأمريكي ونعته بابن الكلب؟ بالحقيقة هذا النعت لن يحرك شعرة في جسد السفير الأمريكي الذي ربما يكون كلبه إلى جواره. قد يكون فرط من شدة الضحك وذلل على رأس كلبه عندما سمع ما قاله أبو مازن وحضن كلبه قائلا :” بقولوا عني ابن كلب.،،هاهاها”. ولأني من محبي الكلاب كنت سأعيد هذا المونولوغ مع نفسي لو وصفني أحدهم بهذا الوصف. ولكن لاني أعرف أن معناها في ثقافتنا يقصد به الإهانة ، فلا أعرف لمن أراد أبو مازن إيصال هذه المسبة ؟ للجمهور الفلسطيني الذي سيصفق ويهلل من أجل شجاعة رئيسه الذي طفح الكيل معه؟

هل أراد أن يرسل رسالة لنا نحن الشعب أنه فاض تحمله لما تقوم به أمريكا ولن يستطيع الرد وما يقومون به بعد هذه اللحظة، هو أحادي الجانب لا يد له فيه؟

ثم يأتي موضوع حماس. هل كان تفجير موكب رئيس وزراء حكومة رام الله وهو في غزة مدبرا من قبل حماس؟ لماذا تريد حماس تفجير موكب لن يصيب الهدف إذا ما كان الهدف رئيس الوزراء؟ لماذا تفتعل حماس أزمة وهي تمشي نحو المصالحة كالطفل المسامح من قبل معلمته بشروط؟ لماذا ذهب رئيس الوزراء أصلا إلى غزة؟

لا أظن أنه من الممكن ترجيح فكرة أن حماس وراء ذاك الحادث. لا يمكن لعقل محدود الذكاء حتى، الاقتناع بذلك. وهذا لا يعني أنني أريد رمي الاتهام نحو طرف حكومة رام الله، فهناك احتلال قد يقتنص أي فرصة ممكنة ومجانية لإشعال ما لم يشتعل بعد من أزمات وويلات على هذا الشعب. ولكن أفكر بكلام أبو مازن الذي قال أنه لا يريد تحقيق ولن ينتظر نتيجة. كيف يمكن لرئيس أن يقول هذا ؟ ما الذي يريد أن نتعلم منه كشعب؟ أن الحقيقة غير مهمة ؟ أن المتهم مجرم حتى ولم تثبت إدانته؟ كيف نتوقع تحقيق أي عدل ورئيسنا يغلق هذا الموضوع بهذه البساطة؟

ألا يبدو الموضوع هكذا مفتعلا؟

ألا يبدو اقتناصا لفرصة وأد المصالحة نهائيا؟

وكالعادة لم يكن رد حماس أكثر حكمة عندما أعلن البردويل استعداد حماس للتشاور مع أمريكا…

هل نحن في صدد تقاسم غنائم مكونة من أرواح هذا الشعب؟

هل علينا دفع الثمن في حالة انصياع القيادة، وكذلك في حالة عدم رضى صاحب الأمر عنها ؟

ما جرى من خطاب كان مهينا لنا كشعب على كافة المستويات.

محزن ومؤلم من أجل الرئيس محمود عباس وعليه.

https://www.raialyoum.com/index.php/الرئيس-يحتضر-السلطة-تحتضر-الانفجار-ق/

كنت في طريق العودة من أريحا، عندما كان جموع اليافعين يغلقون مدخل المدينة، ويعدون العدة لحرق الإطارات، ونال بعض السيارات المصرة على المرور التكسير وترهيب من فيها. مساء جمعة هاديء لمدينة القمر. ولكن المساء كان مختلفا بالنسبة للنشاط الوطني ، وكأن يوم الجمعة صار يوم المواجهات والتعبير عن الشعور الوطني في وجه الإحتلال. مع العلم أن نقاط التماس هذه لا تمس بالاحتلال من أي اتجاه ، ولكن لنقل أن هذه هي الإمكانيات . فلم تكن هذه أي جمعة، فهذه الجمعة صادفت اليوم المئة لإعلان ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والإعتراف بيهودية المدينة. ترامب كان قد أعلن كذلك أن نقل السفارة الجديد سيتم مع إعلان الإستقلال السبعين للدولة الصهيونية، أي النكبة الفلسطينية في أيار المقبل.

تذمر الشعب عند الإعلان عن نية ترامب نقل السفارة ، ولم تتوقف المواجهات لأيام، ولم يبق مسؤول ولا مندوب ولا سياسي ولا ناشط ولا دبلوماسي ولا أكاديمي إلا وشجب وعبر ونادى إلى الإحتجاجات.

وقف المواطن المقدسي أمام امتحان صعب، وهو نفس المواطن الذي تصدى للبوابات الإلكترونية عند مداخل المسجد الاقصى قبل شهور قليلة. سؤال سيبقى في فضاء محاولات الإجابة، هل استسلم المواطن الفلسطيني، أم مل ، أم قرر مصيره وقبل بالأمر الواقع؟

سؤال سنبقى نسأله ولن نتجرأ على مواجهته، فمعضلة الإحتلال هي الأقوى ، وهي الحقيقية الوحيدة الدائمة. فحتى لو رضينا بهذا الكيان فإنه كيان لا يريدنا إلا بقايا بشر يمكن استخدامها عند الضرورة فقط ومن ثم التخلي عنها .

ولكن لنرجع إلى المشهد السياسي الكبير ، إعلان القدس عاصمة الكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس في تحدي لا يمكن الجدل فيه أمام المعايير والمواثيق الدولية. كان حسم الموقف لا يتعدى شجب حذر على كل الأصعدة السياسية الوطنية تحديدا، ومما لا شك فيه انعكس على التعبئة الشعبية. عزلة كاملة لكل منطقة ، فشأن القدس للقدس ، كما هو شأن رام الله لرام الله ، ومصيبة غزة لغزة فقط.

تحولنا بالمحصلة لجمهور ينتظر إصابة أو شهيد . انتقل المشهد لجنين وارتقاء احمد جرار … لم يحدث شيء… غزة تقصف من هنا وهناك ، اغلاق جديد للمعابر ،ولا تعليق ولا حتى تساؤل.

نكتفي بخطاب حامي الوطيد للرئيس بشجب أممي جديد . نوزع حقدنا ودعمنا لسورية على حسب أهوائنا القبلية ،لم يعد مهما ، إن كنا علمانيين أم متدينين، فموضوع سورية وحد الملحد والملتحي ضد نظام الأسد. نخمد أكمامنا أمام كل المآسي الحاصلة ، يتم تشغيل مشاعرنا على حسب أهواء محطات الإعلام المرتبطة بمصالح لا يعيها ولا يرقى لها أفقنا المغلق.

غزة تحتضر ، ولم يتبق من هذا الشعب إلا رمي نفسه بالبحر ، ولا تزال خصومة فتح مع حماس أو ضدها هي الأهم. مصالحة على كف عفريت. تخرج عن طوعها بأي لحظة.

كل الأطراف تنتظر حالة انفجار ما .لا يهم من . فكلنا تحولنا ضد بعضنا . المهم حالة الإختلاف المدججة بالإنفعالات الخانقة بأي اتجاه.

السلطة تحتضر بفكرة احتضار الرئيس ، لا نعرف. ولكن الجو مفعم بالترقب والتقرب من أولي العزم والطموح نحو المنصب بعد الرئيس الحالي. ومع خطر احتضاره زاد عدد المتأهلون لمرحلة الرئيس المنتظر.

المهم حاجتنا لرئيس وسلطة وحكومة ومناصب . لا يهم أنه لم يعد هناك حتى أرض نفاوض عليها ولا حقوق نحاول استردادها ، نستجدي قبولنا وإبقاء من بقي منا على هذه الارض بشروطهم.

نلتهي بانتخاباتهم وفساد رئيس وزرائهم ، ولا نعير الإقالات التعسفية في الوزارات حتى نظرا. نكتفي بالصمت والإطمئنان أن اسمنا لم يطله غضب أصحاب المعالي بعد.

ننتصر بالدعاء على عالم هز الفضاء بمعرفته، عند موته، ونشمت بالموت وكأن صكوك الغفران يتم رميها الينا من السماء من ربها. نكتفي بالفتاوي ، وكلنا نمشي نحو طريق السنة والجماعة إلى الوراء. إلى عالم غير مرئي ، تم انتهاؤه ودفنه منذ أزمنة . ونصر نحن على أن نحييه بالتخلف.

نريد أن نحيي تراثا داعشي الطابع ، متزمت ، منغلق ، رأينا نتائجه في البلدان حولنا . ونقف مواجهين بكل قوة الدبكة والفن وكل ما يمكن أن يكون به اختلاط.

بناتنا يقتلن على الحواجز ، ومعلماتنا يقلن من المدارس ، والشعب يحتضر من كل الإتجاهات ، ولا نزال نصرخ ملء الصوت من أجل دين لا نفهم منه إلا التزمت ، ولا نطبق فيه إلا ما بقي من مخلفات العالم الغائب. ونترك الفساد مستفحل ، ونغض الطرف عن الجرائم اليومية بين قتل أبرياء على خلفية نزاعات أو نساء تحت غطاء الشرف.

ونسأل إلى اين ؟

إلى أين مصير القدس؟

مصير القدس من مصير الوطن .

مصير يشبه إعلان مدفوع في أنحاء رام الله ” لأني رجل لا أضربها”…..

 

 

انتشر قبل أيام، كتاب موقع من قبل “وجهاء” أولياء الأمور بالخليل إلى مدير التربية والتعليم، لرفض واستنكار النشاطات اللامنهجية التي يتعرض لها الأبناء على حسب ما ورد في الكتاب من برامج واحتفالات ومسابقات فنية وغنائية مختلطة، وإقحام الرقص والدبكة التي تخالف قيمنا وأحكام ديننا الحنيف ، ومسابقات المارثون …وكذلك يعترض الموقعون على السباقات المختلطة ليل نهار سواء كانت رياضية باختلافاتها. وعليه يطالب الكتاب الى كف اليد عن ابنائنا والتوقف عن هذه الممارسات التي تؤدي لهدم العفة والأخلاق وتمييع سلوك الابناء .

 

الحقيقة ، كان من المحزن الامعان في قراءة محتوى الكتاب لأكثر من مرة . حاولت أن اجد مخرجا مقنعا للموقعين على هذا الكتاب ومن يشدون على ايديهم. ما الذي يمكن قوله عندما تصبح النشاطات اللامنهجية “تعرض” للأبناء والبرامج المقدمة “اقحام” ويصبح الرقص والدبكة “مخالف لقيمنا واحكام ديننا” . ما الذي يمكن تبريره عند الغضب من نشاطات رياضية مختلطة واعتبارها “ممارسات تؤدي لهدم العفة والأخلاق وتمييع سلوك الأبناء”؟

ما الذي يجري بالمجتمع ؟

لماذا يتم “جنسنة” كل ما يمكن القيام به بطريقة تبدو وكإنها إباحية. أقرأ في هذه العبارات وأتخيل ما الذي يخدش عفة هؤلاء عندما يشترك طلاب وطالبات مدارس بمسابقة رياضية ؟ ما الذي يقلقهم اذا ما تزاحم الأبناء والبنات وتلامسوا بالمسابقة وضربوا الكف على الكف اذا ما كسبوا ،أو اذا ما طبطب الواحد على الاخر اذا لم يوفق. نتكلم هنا عن أطفال ، أشبال . نتكلم هنا عن جيل يافع نريد منه بناء الوطن.

في الخليل نفسها تم زف الشهيدة للشهيد. كيف نستنكر نشاطات تجعل من حياتنا طبيعية ونرقى بأبنائئا فقط عندما نرسلهم شهداء؟

أليس مثال داعش ،مثالا حيا على كم التخلف الذي يحاول البعض زجنا اليه؟ انا لا أشك بحرص الآباء على ابنائهم وبناتهم. من منا لا يحرص ؟ من منا يريد ان يخدش ابنه حياء وقيمة وأخلاق؟ من منا يريد ان يعرض ابنته للفاحشة والانحلال؟

في عالم اليوم الذي يحمل كل طفل وشاب فيه هاتفا ذكيا ،يدخل من خلاله الى كل العالم . الاغاني التي يسمعوها ، الفيديوهات المتداولة ، الاخلاق المنعدمة في حياتنا. ما الذي نريده من ابنائئا وبناتنا ؟

هل الاختلاط هو الخطر ؟ الرعب؟ الانحلال؟

كيف يكون هذا ، والرجل من هؤلاء يريد الزواج من مثنى وثلاث وان استطاع ان يجعل ملك اليمين كحظيرة في فناء بيته؟ كيف يريد هؤلاء عدم الاختلاط لأبنائهم وبناتهم وكل ما في حياتهم مختلط؟ لماذا الخوف والهلع من الانفتاح على الآخر؟

أيريد هؤلاء من بناتهم أن ينتهوا الى سبي او ملك يمين تحت اسم الدين ؟ هل يريدون الاسلام من خلال عمائم داعش واخواتها من متخلفين ضربوا الاسلام وشوهوه؟

قد يكون الاختلاط في ثقافتنا ومجتمعنا المحافظ موضوع حساس . ولا اتنكر لهذا . ولكن …هل يعتقد هؤلاء ان حماية الابناء والبنات تكون عن طريق العزل؟ ألن يأتي شاب بعد سنوات ليصبح زوج فتاة ما ؟ اليست النتيجة الطبيعية في حياتنا هي الاختلاط ؟ لماذا نخاف ان يكبر ابناؤنا وبناتنا معا ؟ لماذا نعترض على اختلاط تحت عيوننا وعلى مرأى البشر من أساتذة ومربين وأهل ؟ ألا تجلس الطالبة بصف به أستاذ؟ ألا يجلس الطالب بصف به معلمة؟

من خلال وصف النشاطات بالكتاب الموقع ، استطيع ان افهم هول المسألة ، صرت أتخيل كل حركة يقوم بها الطلاب والطالبات والاساتذة والمراكز العامة وما يجري بالمرافق المختلفة وكأننا في حياة اباحية ؟ اليس الطبيعي ان يعيش الابناء والبنات وافراد المجتمع من ذكور واناث باختلاط ينظر الواحد الى الاخر ويحترمه ويقبله ويقدره على ما هو عليه؟ اليس علينا ان نقدر مواهب ابنائنا في الرياضة والفنونبدل قمعها وطمسها تحت مسمى الموروث الخاطيء ؟

أعجب من عالم الرجال الذين يبجلون أمهاتهم حتى القداسة ، كيف ينسوا أن هذه الانثى هي من قامت على ان تصبح هذا الرجل ؟ هل كانت ناقصة وهي تربيك؟ الم تكن العلاقة مبنية على الاختلاط ، كيف ارضعتك امك وهي الانثى ؟

من المؤسف ان نحول كل ما يقوم به الرجل والمرأة في الحياة العامة على انها افعال جنسية. ما الذي سنتوقعه من ابنائنا اذا ما كبروا على ان هذا الذكر هو ممنوع وهذه الانثى هي ممنوعة ؟

ما هي التعاليم التي نعتمد عليها في مفهومنا للعزل ؟آلم تربي فاطمة بن اسد الرسول ؟ ألم تكن عائشة ناقلة أحاديث الرسول الى عالم المسلمين في معظمها؟ ألم تكن نسيبة المازنية ممرضة الجيوش أيام الفتوحات؟ ورفيدة الأسلميةمطببة الجرحى في الغزوات؟ ألم تكن خديجة سيدة قومها ؟وكانت أول من حضنه واستقبل نبوءته؟ ألم تكن أسماء ذات النطاقين حامية الرسول ؟

ألم تسمعوا عن أم ورقة الأنصارية التي بايعت الرسول مع الأنصار؟ وليلى الاخيلية الشاعرة المتقدمة على الشعراء في ذلك الزمن؟ وسمية بنت خياط أم عمار بن ياسر؟

ألم يعلمنا ديننا عن مريم وبلقيس وأمرأة فرعون؟

ألا يقول لكم هذا ان التاريخ والحضارة الانسانية والاسلامية تأسست باختلاط الذكر والانثى ؟

نريد مجتمعا محصنا بالاخلاق؟ التحصين لا يكون هكذا … لماذا لا نترك أبناءنا وبناتنا يكبرون امام اعيننا واعين المجتمع بلا خوف وشك ورعب من الاختلاط؟ ثم نتساءل عن أسباب انحراف هذا المجتمع؟

انحطاط الاخلاق ليس بسبب الاختلاط ، ولكن بالعكس تماما ، سببه مبدأ “كل ممنوع مرغوب” .

اتقوا الله في أبنائنا وبناتنا ….

ستيفن هوكنغ ينتقل إلى العالم الحق

 

 

من السهولة وضع اسم ستيفن هوكنغ عنوانا للمقال ، فبات اسمه معروف لدى الجميع الآن . قبل يومين وعند سماعي خبر وفاته، خطر لي كتابة رثاء له. فلقد عاش ستيفن هوكنع كظاهرة إنسانية كشفت مكامن الظواهر الكونية العصية عن فهم الإنسان العادي. ولكني اكتفيت ببعض الكلمات ليقيني بأن المعظم من جانبنا لم يسمعوا عنه في حياته. ولكنه اليوم وبعد يومين من وفاته صار الأكثر شهرة بين جموع “المتأسلمين” ، وعليه صار اسمه مصدرا للتأويل والتفسير، أو لأكون أكثر دقة ، كان هناك فتاوي تصدر للله في هذه الحالة لتقر بمصير هوكنغ الى الجحيم.

عندما قالوا اننا أمة هزئت منها الأمم ، لم يخطئوا. نحن نعيش بزمن ما وراء الجاهلية والعصور الحجرية حتى . هل يعقل ان هكذا نقاش لا يزال دائر؟ يعقل بالطبع فهذا ما يجري.

تصنيف الانسان على هوى من أقر نفسه مندوب الله في الأرض بالكافر والمؤمن . من سيذهب الى الجنة والى النار. هل نعيش في زمن صكوك الغفران؟

لا أفهم كيف يمكن ان نكون في هذا الزمن الذي بفضل هوكنغ وأمثاله يستطيع السفهاء والحكماء على حد السواء تداول هكذا امر في منابر رقمية ويفتي كل في رأيه بشأن مصير الرجل بين جنة ونار ، ولولا “الملحد” هذا لبقي اولئك وراء جمالهم لايزالون كما اليوم يفتون بأكل بعر العير ورضاعة الكبير ونقض الضراط للوضوء.

التكنولوجيا بالفعل مصيبة ، وصلت بأمثال هوكنغ لمرمى يد هؤلاء السفهاء الذين كرسوا من عمائمهم أعلاما يفتون ينكثونها أعلاما لمن يقرون دخوله الجنة أو النار.

قبل الدخول في فتاوي تكفير والحاد هوكنغ ، يجب التوقف امام معشر الفلسطينيين من هؤلاء وتذكيرهم بهوكنغ.

العالم البريطاني الذي أكمل بنظرياته العلمية ما بدأه الفلاسفة منذ اليونان،وتفوق على اينشتاين . رجل أكد ان الانسان ليس جسدا فقط. بأن الدماغ الذي نحمله وتجوله الروح تستطيع ان تنقل للعالم الجاهل وتنير ظلام الكون من خلال دماغ رجل أقعده المرض واستعصى العلم على ايجاد حل لعجزه الجسدي المتآكل. كل ما تنبأ به الطب في حالته امكانية عيشه بضع سنوات . تحدى فيها هوكنغ كل المستحيلات وعاش بعدها اكثر من خمسين عاما بعطاء غير مجرى فهمنا للكون.

قبل أعوام قليلة ، قرر الرئيس الاسرائيلي في حينه، بيريس منح ستيفن هوكنغ أكبر وأهم جائزة تمنح في إسرائيل. مع مبلغ مالي كبير جدا . جاء ستيفن هوكنغ ورفض الجائزة ونبذ الاحتلال وذهب الى رام الله واعلن دعمه لحركة المقاطعة لإسرائيل.

ستيفت هوكنغ لم يكن مجرد عالم تسجد امام عقله الجامعات ومراكز البحوث بانتظار اشارات عينيه لترجمة ما يريد قوله او بعثه. كان بطلا بمعني البطولة التي نرددها عبثا.

ذلك الذي واجه المرض وصارع الموت وتحدى عجز الطب ،لم يكن رفضه لجائزة بيربس واعلان دعمه لحملة المقاطعة الا تأكيدا على انه بطل حقيقي.

فالبطولة ليست بالشعارات والخطابات ولا تظهر بعد الموت. البطولة تجسدت في ستيفن هوكنغ الانسان الذي رأى ان الانسانية رسالة لفهم الكون والمحاربة من اجل اثبات الحق.

لا يتوجب الرد على السفاهة المكللة بالجهل….ولكن اقول خسئتم… لقد سئمنا تشويهاتكم للدين والخالق والخلق.فالمؤمن يكفر اذا ما تيقن ان امثال هؤلاء هم حملة صكوك غفران الآخرة.

الحمدلله ان الايمان لا يتحدد في وجدان المؤمن من خلال زمر الجهل والتشويه.

الحمدلله على اليقين ان الله اكبر من ان تترجم نواياه نحو الانسان من خلال بشر كهؤلاء.

الحمد لله على نعمة الايمان الخالص بقلوب وعقول ترى الله بخيرها لا نشرها السموم والتضليل تحت اسم دين.

شوكلاته بطعم الوطن “جوبا”

 

من كان من جيلي يذكر “سلفانا”، الشوكلاتة الفلسطينية بعلبة بيضاء وشعار سلفانا بالأحمر ، وحبات الشوكلاتة المكشوفة والمغلفة أحيانا .

لاأستطيع القول أن طعم السيلفانا كان طعما لذيذا ، أو اذا ما كنت أستطيع التمييز بين الأطعمة حينها . كل ما عرفته أن الشوكلاتة هي السيلفانا .

وذابت السلفانا كغيرها من المنتجات ، وصارت المنتجات المستوردة هي الغالبة على طعم الشوكلاتة وغيرها.

بينما كنت أتجول اليوم في معرض للعرائس في رام الله ( يقام في فندق جراند بارك) ، استوقفتني لوهلة حياتنا الإستهلاكية. كل ما تريده العين من مغريات في متناول اليد ، ماكياج ومستحضرات تجميل بأنواعها، بدلات عرائس،فساتين وأثواب،اكسسوارات، كعك وشوكلاته وقوائم طعام ، وسباق بين كل ما يخص حفل الزفاف من ألفه الى يائه ، ولأننا شعب مشغول في الإبتكار لم يغب عنا وجود شركات تخطيط الأفراح. ماركات وشركات تتنافس من أجل استثارة حلم العروس وعريسها. أعترف أنني شعرت ببعض التهكم، وكعادتي تضايقت من نفسي لتواجدي في هكذا مكان ، يستمع الناس بتواجدهم فيه، وبالنسبة للكثيرين يلبي مآربهم وأحلامهم بفرح يليق باليوم المشهود ، وتتابعت في رأسي سمات الاستهلاك من كل الإتجاهات.

توقفت لوهلة أمام كشك تعرض فيه الشوكلاتة . سألت من أين يتم استيرادها ؟ حيث انتبهت مؤخرا لوجود الكثير من محلات بيع الشوكلاته للمناسبات المختلفة، خصوصا مع اقتراب موسم الاحتفالات من تخرج الى افراح . المعروضات تشبه تلك التي كانت النساء توصي بها من عمان وسورية ولبنان.

رد علي البائع بتواضع واثق : ” مصنعنا بنابلس”. سقط غروري بلحظة وصار طعم حبة الشوكلاتة في فمي مختلفا. كنت بالفعل أستمتع بمذاقه ، ولكن في لحظة معرفتي أن المصنع في نابلس تغير الطعم . ولأني لا أثق بالمنتج الوطني من جهة ولأنني لا أثق بابتكارنا الحقيقي سألت مرة أخرى عن تفاصيل ما يقومون به.

هناك مصنع بالفعل. مصنع للشوكلاته. لا يحتاج الموضوع للكثير من التمحيص والتفكير والتحليل .

مصنع بأيدي وذوق فلسطيني بكل بساطة.

“جوبا” اسم الشوكلاته ،قال لي الرجل . لم يتكلم كثيرا ، فجعل الشوكلاته تتحدث عن نوعية المنتج.

فكرت كم من المنتجات العالية الجودة الموجودة في هذا البلد ، ولا يعرف عنها . قد تكون “جوبا” متواجدة بكثرة بنابلس ، ولكن لماذا لا تكون في أرجاء الوطن بنفس نهمنا للشوكلاته؟ لماذا نوصي من الاردن وغيرها ،بينما المنتج موجود وبجودة نوعية؟

ما الذي يجعل الانسان يتحمل متاعب السفر وقطع المعابر ما بين فلسطين والاردن من أجل استيراد ما يمكن استبداله هنا ، وبجودة وشكل وذوق منافس؟

كم يتطلب منا بناء الوطن ؟

كيف نحول أنفسنا الى مصنعين لا مستهلكين فقط؟ أو لربما كيف نجعل من استهلاكنا نافعا لمصنعينا؟

بلا أدنى شك ، هناك منتجات عالية الجودة متواجدة في كل الأماكن من هذا الوطن ، ولكنها تحتاج للاستثمار من قبل المستهلكين …نحن. فمهما كانت هذه البضائع أغلى سعرا او اقل جودة ، فهي بالنهاية واضحة المصدر. نستطيع ان نطالب بالتحسين والتغيير . نستطيع ان نضع المنتج أمام المساءلة . ولكن ان لم نكن نحن أبناء هذا الوطن المستثمرين الحقيقيين في منتجاته ، فكيف يمكن الاستثمار فينا كمواطنين.

كان طعم هذه الشوكلاته اليوم ، حلوا بطعم هذا الوطن المشتاق للبناء من أبنائه

لا للتقاعد التعسفي للمعلمين

 

نستقبل آذار استقبالنا البهيج بانتهاء فصل الشتاء. يوم المرأة ويوم الأم ويوم الأرض، وهناك يوم للمعلم في بعض الدول .

في فلسطين تغلبت وزارتنا على الجميع وأحالت معلما في سن الثلاثين للتقاعد المبكر. هل يعتبر الأمر سابقة، أم مجرد إجراء تعسفي طبيعي في ظل فساد حكم مستفحل في كل مكان؟

وقبل تناول الموضوع أكثر، يجب التوقف عند سبب إحالة المعلم الشاب الى التقاعد . السبب موقفه من الاحتجاجات التي قادها المعلمون قبل سنتين. أي ان ما جرى كان اجراء انتقاميا ضد المعلم كان قد بيت من قبل صانع القرار في الوزارةمنذ سنتين.

هل لنا ان نتخيل ماذا يعني هذا الاجراء؟

أي نوع من القمع يتم ممارسته من اجل المطالبة في حقوق تعتبر مبدئية لمعلمي المدارس؟

نحن نتكلم هنا عن المعلمين. بناة المستقبل، ناقلي التعليم وحاملي شعلة الامل لأبنائنا.

كيف نروج لنظام تعليم غير تقليدي، منفتح، ريادي، قيادي، والمعلم هذا يعرف انه عندما عبر عن نفسه قضي على مستقبله؟

لا أعرف ما الذي يجب ان نسكت عنه او نحارب من اجله في ظل هذه التراكمات من الانتهاكات الانسانية.

لماذا تصبح مرة اخرى الطامة أكبر عندما نرى تجاوزات وانتهاكات وزارة التربية والتعليم؟

بكل بساطة ، لأنه المكان الذي نعد للمستقبل من خلاله … أهذا هو مستقبل الاجيال؟ حاضر مبني على القمع والعقاب عند التعبير عن الحق؟

المشكلة لا تنتهي عند وزارة التربية والتعليم ، التي تحولت ممارساتها الى إجراءات عجيبة منذ عرض “انجاز” الى نوع المسابقات التي تبدأ باسم الوزير رتنتهي بصورته على العملة النقدية.

المشلة في تعاطينا لهكذا ممارسات انتهاكية والتعامل معها على انها خاصة لمكان بعينه أو شخص بذاته .

ضحية اليوم من ممارسات القمع والترهيب كان معلما. ولكن هذا لا يعني ان ما جرى لهذا المعلم يؤثر علينا كمجتمع من كل الاتجاهات . لا استطيع الا ان اتساءل ، اذا ما كانت نتيجة وقوف معلم بالاضرابات قد أدى الى فصله او احالته الى التقاعد المبكر. تخيلوا ان هذا الشاب يتقاعد في هذا العمر؟ كم من المعلمين بانتظار إحالتهم الى الاستقالة او التقاعد ؟ ما الذي نتوقعه من الدوائر التعليمية > من المعلمين الاخرين ، من الطلاب ، من الاهل ؟

في بلاد العالم الطبيعي ، أعرف مبدئيا ، انه لن تكون هكذا حوادث لأنه من المستحيل التفكير زن هناك وزارة تقوم بهكذا فعل لمدرس ، ولكن ، هذا لا يأتي فقط لأن النقابات فاعلة. لا اعرف ما الذي يقال في هذه الاثناء عن نقاباتنا المختلفة . اين دور النقابة ؟ حالة تطويع النقابات ليس ايضا فرضيا او غريبا ، لأن المشكلة ليست مصادفة. فحالة التطويع هذه تبدو جماعية. لقد تحولنا الى مجتمع متكامل في حالة تقويضه وتطويعه.

غدا يصادف يوم المرأة … كم حالة تشبه حالة قمع هذا المعلم الشاب عند النساء؟ من الواجب ان تكرس النساء يومها غدا من اجل قضية معلم المدرسة. لأن الموضوع لم يعد يقتصر على تمييز وتنكيل بجنس محدد . ولكن التنكيل صار مؤسساتيا يطال كل من يخالف رغبات الامر او صاحب السلطة.

قضيانا تتضاعف وتتشابك ، ولا زلنا نردد نفس الشعارات والمطالبات من اجل قضية على حساب اي قضية اخرى . فتحولت قضاياتا الى ايام احتفال ، نقف فيها على المنصات ونندد ونطالب ونتذمر.

يجب ان يكون يوم المرأة هذا العام يوم نصرة للمعلمين المهددين بانهاء مسيراتهم التعليمية قبل ان تبدأ بالتشكل. يوم المرأة هذا العام ، يجب ان تكون صرخاته ونداءاته ضد الاضطهاد والقمع الممنهج من قبل السلطات المختلفة ، وفي هذه الحالة وزارة التربية والتعليم ، التي تكسر كل قواعد الريادة في كل مرة ، وتؤكد ان التعليم اذا ما استمر في هكذا مسار كمؤسسة ، فلا عتب على الاجيال القادمة .

التقاعد المبكر القسري للمعلمين… لقد بلغ السيل الزبى

 

كتبت بالأمس عن موضوع إحالة المعلم إبن الثلاثين ربيعا للتقاعد المبكر، فكرت للحظات أنني أبالغ. بالنهاية هناك أمور إدارية داخلية تحدث. ومعلم أو معلمان أو ثلاثة لن يغيروا من منظومة البطالة المستفحلة. ولكنني تمنيت لوهلة بيني وبين نفسي أن نستغل يوم المرأة على الأقل للدفاع عن حق المعلم في هذه الحالة.

تساءلت عن دور النقابة التي تم تطويعها لدرجة لم نسمع حتى أصداء لردة فعل لم تحدث.

أعترف بأنني لم أعول على حراك نسائي أو شعبي استغلالا ليوم المرأة. فهناك الكثير من القضايا النسائية التي لا يتغير التنكيل والظلم فيها .

لم تترك لي الحكومة ولا وزارتها مجالا لإعادة التفكير في تساؤلي. وكانت صدمة أن يكون خبر اليوم وتزامنا مع يوم المرأة، أن يتم إحالة ١٢٠ معلم ومعلمة إلى التقاعد المبكر قسريا.

يوم المرأة ، وفيديو لإحدى المعلمات المفصولات يتم انتشاره كالورد في يوم العيد.

يوم تحتفل فيه وزارة التعليم وغيرها من الوزارات بالمرأة بعطلة رسمية، ليبدأ الأسبوع القادم للطلاب والطالبات بمعلم ومعلمة مفصولين .

لا يهم ما هو التعليم الذي نروج له في المدارس، فيما يخص الحريات والفرص والمقاومة (السلمية) والمطالبة والتغيير والديمقراطية وحقوق الانسان …. كل ما يتم طبعه في المناهج يبدو وأنه مرتبط كما بالمشاريع والمنظمات المختلفة بمتطلبات الجهة المانحة.

نقول بصوت عال أمام الطلاب ونحفظهم: قم للمعلم …. ونرفس هذا المعلم بالواقع .

 

وزارة التعليم لا تستطيع منع اختطاف الطلاب من حرم جامعاتها من قبل الاحتلال الاسرائيلي ، وتمارس خطف وسائل الحياة من قبل المعلمين.

أسباب التقاعد المبكر فني ، ويتجرأون على فعله بهذه الطريقة المجحفة الظالمة القاتمة ، ولا يفكرون بشجب حتى ولو شعاري من أجل الطلاب العزل في الجامعات .

وطلاب المدارس ، ما هو مصيرهم ؟ إلى اين المصير ؟

كيف يمكن ان نعلم الجيل على السعي للحرية ، المحافظة على الحقوق ، ورفع الظلم ، اذا ما تم تهديد المعلم وضربه في عقر رزقه. نزع سبل الأمان المبدئي من حياة عوائل كاملة وتشتيتها وهز أمنها ؟ هذه رسالة التربية والتعليم لأبنائنا؟

هذا هو “الإنجاز” الذي خططت له وزارة التربية والتعليم في فترتها “الانتقالية، المؤقتة” (لمدة ستة شهور- قبل سنتين) ؟ إحالة ١٢٠ معلم ومعلمة للتقاعد المبكر؟

هل لنا أن نتكلم ولو خلسة عن “قانونية” هذه الاجراءات؟

نعلم الأجيال أن القانون لم يوضع من أجل إقامة العدل .

نؤكد لهم أن السلطة مفسدة ، وأن صاحب الكلمة الفصل هو صاحب المقام لا القانون. وأن الشرعية هي بالقوة لا بالتشريع.

وأن هذا القانون إن وجد ، يمكن العبث به وتجييره لمصلحة صاحب المقام.

ولأن الضرورة والمصلحة الوطنية العليا تتطلب التخلص من أعداد جديدة من الموظفين ، فلم يكن هناك ضرر من التخلص من مئة وعشرين معلم ومعلمة.

يعني وكأن معاشات المعلمين هي من تزيد عجز ميزانية الحكومة الفاضلة .

ولأننا شعب لا نتعظ ولا نتعلم ولا نأخذ العبر الا عندما يطالنا الخراب ولا نشعر بالخسارة الجماعية ونظن اننا نحتفظ بأمننا فرديا . لا أشك بأن ما جرى بوزارة التربية والتعليم سيلحق بوزارات أخرى.

والنقابات في سبات ….

نعرف لماذا …

فما العمل ؟ كيف نتحول الى شعب لن يؤكل كما أكل الثور الأبيض؟

هل نقرر نحن الأهل عن الاضرا ب وعدم إرسال أبنائنا الى المدارس؟

هل تستطيع المدارس بمديرياتها ومديريها الاعتراض والاضراب؟

أعرف الجواب مسبقا ، فالفصل هو المصير اذا ما اعترض معلم على القرار.

يجب ان نصل الى مرحلة نعترض بها على الظلم الواقع على غيرنا بلا التفكير بمصالحنا المباشرة.

وموضوع التعليم والمعلمين لا يمكن الا ان يكون موضوعا شخصيا . لأن المعلم هو الانسان الذي يقضي ابننا حياته معه ل١٢ سنة. المعلم هو المصدر الأولي للاعتناء بعقول أبنائنا. المدارس هي من يصنع الفكل للأجيال القادمة . كيف يمكن ان نأمن مستقبل لا يأمن فيه المعلم على وظيفته .

كفاكم ظلما لهذا الشعب ….

فلقد بلغ السيل الزبى ! لم ننس بأن هذه الحكومة لا تمثل الا وضعية “المؤقت” و “الانتقالي” . فقرارات الإقالة يجب أن يسبقها قرار تعيين حكومة شرعية تمثل الشعب من خلال انتخابات شرعية.

كيف تحولت الحكومة ووزاراتها الى حكومة دائمج ، على الرغم من تحديد ميقاتها بستة أشهر قبل أكثر من سنتين ؟