أنظر إلى كلمات العنوان لهذا المقال وأفكر ، هذه من المرات النادرة التي أرى فيها معنى حقيقي لما تمثله الكلمات ، الحرية بملك. ملك فتاة تدخل عالم النضوج لتصبح امرأة فلسطينية نملك من خلالها جيل من أمثالها تملك لما نصبو له من حرية.

الشعوب تتحرر فقط من خلال أناسها. من خلال بناء أفراد يحملون الوطن على ظهورهم للارتقاء به لا يركبونه ليعلون عليه.

ملك إبنة السبعة عشر ربيعا ،لم تستشهد، فالموضوع ليس حلم لفتاة كان من الممكن أن تكون قد رحلت ، كما رحلت رزان ” كمثال”

ملك لم تؤسر ، فتحول نضالها لشعارات تتمثل من خلالها فيه الفصائل والأحزاب، بعهد كأيقونة.

ملك لم تقف على مسرح في مسابقة لأداء صوتي ،ولم تشارك في مسابقة للمواهب فتسلطت نحوها الأضواء ودعت من أجلها التصويتات.

ملك فتاة تشق طريق حياتها،سعيا لمرحلة جديدة بعد المدرسة نحو الجامعة ،بحلم كباقي أقران جيلها من شباب وشابات. درست واجتهدت وتفوقت وراسلت جامعات وبعثت بطلبات، وتم قبولها بأحد أهم جامعات العالم، جورج تاون الأمريكية. جامعة يقبل فيها النخبة فقط، ويستحق الدخول إلى حرمها من نافس واجتهد وحارب من أجل أن يصل إلى حلم يحقق فيه ذاته وطموحه وأهدافه.

حتى هذه اللحظة تبدو ملك إنسانة عادية. توفرت لها بعض الظروف التي يمكن ان تكون جيدة فاستخدمتها ونالت ما تستحق.

المئات بل الآلاف مثلها …

استقبلت رام الله بالأمس الأمير البريطاني وليام. وكانت المشاهد مبتذلة ، والإحباط فيما يجري من استعراض لفقاعة رام الله التي تمثلت أمام الأمير الشاب خيم على مزاجي.

فلافل ودبكة ومراكز شعبية وثقافية ومقابلة ممثلين عن هذا الشعب القابع داخل الفقاعة.

كنت أفكر بسخرية ، أتخيل الأمير كمن يخرج من قصة أطفال عتيقة ، كأنه يشبه الأمير الباحث عن صاحبة الحذاء الغامضة سندريلا. بينما كان بعض الفلسطينيين يتساءلون لم الترحيب بمن قدمت دولته فلسطين على طبق من ذهب للصهيونية؟ كان رعاة البلاط يقدمون له ما طاب من طيب هذه المستعمرة اللطيفة. وبدل رميه بالحذاء قدمت له أحذية يرتديها من يهرولون وراءه لإمتاع ناظريه.

حتى مر أمامي خبر به صورة ملك. ” الفلسطينية التي تم قبولها بجامعة جورج تاون تلتقي بالأمير وليام”.

لحظة فكرت ، ما الذي يتم زج الفتاة فيه؟ قرأت الخبر ورأيت ملك التي أرتقي لها. لم يرتب لملك لقاءها بالأمير أحد. ليس لملك واسطة من خلال نفوذ أب أو أم أو قريب. لا تذهب ملك لمدرسة دولية تفتح أمامها فرص النخبة البريطانية. كما فعلت من أجل قبولها بجامعة عريقة كجورج تاون ، قامت بالأمر نفسه عند رغبتها بلقاء الأمير.

ملك تكتب في مدونتها الشخصية مدونات رائعة عن نفسها كفلسطينية من القدس. تكتب عن حياتها ، عن تجربتها ، وتابعت كيف كبرت لتكون أكثر من مراهقة تتجول في أرجاء ذاتها بحثا عن هوية تستقر إليها . في الأشهر الاخيرة تحولت مدونات ملك الى نقاشات عميقة وذكية وناضجة للحديث والتساؤل عن مواقف وأوضاع وأشخاص في زوايا الحياة الفلسطينية . تكلمت عن العلاقة مع إسرائيل ، عن الحياة تحت الإحتلال، عن مصاعب العيش بين ملذات معلنة ومعيقات تعرقل الوجود. لم يكن مصادفة هذا النضوج في التحليل والتفكير العميق. بالنهاية، فإن المقال التحفيزي الذي كتبته وكان سبب قبولها للجامعة (بالإضافة إلى تحصيلها العلمي المتفوق) كان عن كونها فلسطينية من القدس. الوعي الذي تتمكن منه ملك في صياغة نفسها نحو هوية تشكلها بيديها ملفت ومؤثر.

قامت ملك بكل بساطة بمراسلة القنصلية البريطانية وتقديم نفسها والتعبير عن رغبتها بلقاء الأمير…. وكان لها ذلك….

بكل بساطة….

ملك تقضي يومها بين دراسة وواجبات بيتية ومناكفة بين أخ مراهق وأم عاملة وأصدقاء والكثير الكثير من القراءة.

القراءة فتحت على هذه الفتاة آفاقا عالمية بكل ما تحملة الكلمات من بساطة. بينما يقضي أبناء جيلها أوقاتهم بين تشات ونميمج ومسلسلات تركية وأفلام على نتفليكس ومتابعة لكارديشيان وجاستين بيبر ولوبيز وجسيكا وهيفاء كليك …. بينما تقوم ملك بالقراءة.

الإستثمار بالفرد لا يتطلب أكثر من إرادة وسعي حقيقي لبناء الإنسان الذي يسكن جسدنا.

ما نحتاجه لأن نكون أحرار هو بناءُنا لأبناء يسيروا على درب ملك.

البناء لا يحتاج استثمار مال ولا لدورات وبناء قدرات ولا إعدادات لإعادة التأهيل. البناء يحتاج منا أن نعد أبناء يفكروا لأنفسهم ، ليبنوا طموحاتهم ، ليحددوا مساراتهم بوعي وعمق وإرادة وايمان بأنفسهم. بأنهم يستطيعوا أن يحققوا ما لم نستطع أن نحققه نحن. بأنهم يستطيعوا أن ييبنوا ما لم نستطع بناءه. بأنهم يستطيعوا أن يعمروا ما فنى بين أيدينا.

ملك مثال لقدرة الإنسان على أن يكون ما يريد. في زمن تتيح فيه التكنولوجيا الوصول الى العالم بأقطابه الواسعة. استخدام هذه التكنولوجيا لتكون بوابتنا للعالم الشاسع بطريقة ملك هو الأمل لنا لمستقبل به حرية.

بملك نستطيع أن نعد لمستقبل نرفع فيه صوتنا عاليا ونقول بفخر : فلتسلم الأرحام التي حملت وربت ووصلت بنا لجيل ملك. المجد والمستقبل لشبابنا.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s