الخوذ البيضاء وتلطيخ المعارضة بالسواد

 

الظلم السوري بدأ بالانجلاء عن سورية العظيمة بشعبها وقيادتها. وقد يكون الجزء الأخير من فرق الخوذ البيضاء التي وصل صيتها إلى أواخر العالم وحازت على الجوائز في مشاهد أقرب إلى الهوليوودية بإنجازاتها بإنقاذ المدنيين من النظام الفاشي. منذ الوهلة الأولى كل ما تعلق بهذه الفرق بدا مشكوك فيه. ولكن ربما صدق البعض أن الحروب تخلق الابتكارات في الإنقاذ. ملائكة الرحمة وسط ركام التفجيرات والدمار والبراميل التي كان النظام المستبد القامع القاتل يرميها ويسقطها على شعبه. وكانوا هؤلاء في كل مرة يخرجون بمعداتهم التصويرية ويهبون للإنقاذ…حتى وصل استحقاقهم للترشح لجائزة نوبل للسلام!

لم نصدق النظام السوري المستبد عندما حاول القول إن هؤلاء لم يكونوا أكثر من مرتزقة خونة. عندما شاهدنا الأفلام السينمائية الصنع للإنقاذ وفبركت التفجيرات ووجوه الأطفال الملطخة بالدماء أحيانا وبالغبار الكثيفة من براميل الفوسفور أحيانا.

لم نصدق عندما بدأت فضائح القائمين على هذه الفرق من التنازع على الأموال والاختلاس وفضح كل منهم للآخر على صفحات الجائد الأوروبية.

نحن العرب لا نصدق الا ما يقوله لنا الغرب. والغرب الذي صنعهم لم يستطع تحمل كم الفساد الذي كان متفشيا ففضحهم…مؤقتا.

فالعالم الذي لا يرى من النظام الا مستبد وقاتل، يرفض أن يرى أنه وبالرغم من حقيقة استبداد النظام (ربما وبلا شك) إلا ان المعارضة لا تعني بالضرورة وطنية. فهناك من يركبون على مآسي الناس ويجعلون منها أبراجا عاجية ينادون بأبواق الخديعة ما تطرب له الآذان زو ترعبهم وتخلخل أمنهم. فمن يصدق أن هناك من يبيعون أوطانهم وشعوبهم من أجل حفنات الأموال الملطخة بدمار البلاد والعباد؟

تصادف موت الفناة لسورية المعارضة مي سكاف بجلطة دماغية في فرنسا، بينما كان يتم إخراج المئات من أعضاء الخوذ البيضاء من سورية بعملية إنقاذ قامت بها إسرائيل، بما سمي عملية إنقاذ إنسانية لملوك الرحمة! إسرائيل التي قتلت رزان بينما كانت تسعف مصابي المظاهرات على حدود غزة. إسرائيل التي لم ترحم أركان ابن الثالثة عشر من قنص جنودها صباحا في مخيم الدهيشة. إسرائيل التي تتفن في قتل الفلسطينيين خلف جدران عنصريتها وتقمعهم وتستبد بهم بلا رحمة وتوجت دولتها بالعنصرية على مرأى العالم. تنقذ الخوذ البيضاء من استبداد الأسد!

لماذا لم تنقذ إسرائيل الأبرياء في سورية الذين يقتلون ويشردون ويدمرون مع كل قصف تساهم إسرائيل فيه بالعلن والخفاء؟

قد يكون دماغ مي سكاف الذي فكر بالفعل أن نظام بلادها كان المشكلة الوحيدة في أزمة بلادها من تهجير وقتل وتدمير وتشتيت، استوعب بما لا يترك الشك أن المعارضة لم تكن بنزاهة محبي الوطن.

لم تستوعب أن الأوطان لا يتم تحريرها من الخارج ولا عبر الخارج.

لم تستوعب الا متأخرا أن هناك خونة أشد ضررا على البلاد من أظلم الرؤساء.

وكزن التاريخ يعيد نفسه في سيناريو تمثيلي جديد… الخوذ البيضاء أشبه باللحديين الذين حضنتهم إسرائيل بعد بيعهم لولائهم الوطني ليجدوا أنفسهم اليوم مثل الكلاب الضالة بلا حقوق ولا وجود. اندثروا وهم أحياء إلى مزابل الحاضر ولن يكون لهم في التاريخ الا بقعا سوداء تشير إليهم. كما الخوذ البيضاء الذين شوهوا حب الوطن والإنقاذ وباعوه ببخس لمن خربوا ودمروا وانتهكوا وسفكوا بوطن كان يتحدى طغيان الغرب وخيانة العربان من أجل استحكام لإسرائيل واستغلال لخيرات المنطقة.

الخوذ البيضاء أسقطت ورقة التوت الأخيرة عن عورات المعارضة. وأخذت معها الصالح بالطالح. أولئك السوريون الشرفاء من المعارضين الذين حلموا بديمقراطية ربما، وتعبوا من استبداد كان فسحة بما آلت اليه الأمور لاحقا.

الا ان العناد كفر…

فمن اجل التمسك بمعارضة عميت القلوب وانساقت نحو من يتاجرون بكل شيء من أجل مصالحهم. تم الانجرار وراء المرتزقة في حلة الذقون أحيانا وفي حلة الخوذ البيضاء أحيانا وفيما بينهما الكثير الكثير من المنتفعين المسترزقين على دماء الشعب وحضارته.

أثبت النظام السوري بأن الأوطان أكبر من صراع قوى، وأهم من حجر وحتى ولد، فالسيادة لا يمكن المساومة عليها. والامتداد الصهيوني الأمريكي العربي ليس الا سرطانا قاتلا لا يمهل الا القليل من الوقت قبل الفتك.

الفرق بين الخائن وصاحب الضمير الحي بحب الوطن، أن الخائن يفضح مهما طال زمنه. ويرمى لحظة الانتهاء من خدماته. تنتهي صلاحيته ويرمى في أحسن الأحوال ليكون طعاما للكلاب.

أما من يختار الوطن علما لطريقه، فحتى عند الموت يكون مرفوع الرأس نحو وطن يرفرف علمه عاليا حتى لو أسقطه الخائنون ولو شوهه التائهون عن طريق الأوطان التي تسقى من الدماء لتكون حياة لمن يستحق الحياة.

أصحاب الخوذ البيضاء رحلوا ولقد اسودت وجوههم، وفي ظلمات خروجهم كشفوا ما كان مستورا من تواطؤ الدول الشقيقة والعدوة على سورية كانت وبقيت رغما عن كل من ساءت له نفسه وسولت له هواجسه بأن خير الأوطان يأتي من أعدائها.

ولن يكون غريبا في زمن النذالة هذا، تدخل إسرائيل كوسيط قادم لغير هؤلاء، لمن ارتدى عمائم الإسلام من نصرة وجيوش إسلام…..


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s