http://www.wattan.tv/ar/news/259595.html

 

 

 

الاستغاثة لا تزال مستمرة

 

 

من أصعب ما يمكن أن يصيب المرء هو العيش مع ضياع الحق، ورؤيته يستباح أمام عينيه.

من المؤكد أن هذا من مكونات العيش الفلسطيني البديهية. فلقد سرقت أرضنا واستبيح وطننا وشوهت هويتنا وحرفت ثقافتنا ونحن ننظر ونبتهل نحو يوم ترجع الحقوق الى أصحابها … فالحق كما تعلمنا لا يضيع طالما كان له مطالب.

والحق الذي لم يستطع أهلنا تحصيله بسبب بؤس الحياة وسطوة الاحتلال وخيانة الأشقاء وضعف الأرباب، لا يزال حقنا في كل مرة تقترب استباحة هذا الحق إلينا أكثر.

كما صاحب الأرض يحارب حتى الرمق الأخير بالوصول إلى أرضه المقيدة بالمستعمرات والمفصولة بالشوارع والمعزولة بالجدار، من أجل حرثها، كل صاحب حق يخوض حربه من أجل العدالة. العدالة تلك التي لا يمكن أن ننتظرها من محتل ولا نتوقعها من صاحب أمر لا حيلة بيده الا شجب واستنكار إذا ما سنحت المصالح لذلك.

موضوع حيوانات متحف الطبيعة في كلية شميدت للبنات وسرقته في وضح النهار ونقله والتبرع به لمتحف جامعة تل أبيب، يجعلني أشعر أكثر بقهر المزارع الذي يعرض حياته للموت أحيانا من أجل الوصول إلى أرضه. أشعر أكثر بأطفال يصرون على الذهاب للمدارس بالرغم من إغلاق الطرق وتعرضهم لكلاب المستعمرين وجنودهم. يشعرني أكثر بالدفاع المستميت لأهلنا في غزة عن حقهم في التظاهر على أسلاك العزل عن أراضيهم من أجل عودة. الحق لا يضيع طالما من يطالب به مؤمن بأن الحق لا يمكن المساومة عليه.

شعوري بالإحباط من ردود الأفعال التي تتراوح من قبل عائلات الطالبات الحاليات في المدرسة بالدفاع عن المدرسة عن طريق إخراجها من الموضوع وكأن المدرسة جسم منفصل تماما عن الجمعية المسؤولة عن المدرسة، كمن يرش الرمل في العيون. لن يغير من الحقيقة شيء. ما يعنينا بالجمعية هو المدرسة، وما يخصنا بالمدرسة الآن هو متحف الحيوانات التي تم اختلاسها في وضح النهار، في استباحة لثقة المجتمع المحلي والسلطات المختلفة وكل من اعتبر كلية شميدت للبنات جزء من هويته الثقافية والاجتماعية والعلمية.

بينما يسكت المجتمع لفلسطيني في كافة أطيافه عن هذه الجريمة، بين من يستهزئ قائلا بأن البلاد سرقت فلماذا التعويل على حيوانات مهملة؟ وبين من يحمل السلطة الفلسطينية والدول العربية مسؤولية السرقة الكبيرة لهذه الأرض، فما يحصل الآن ليس سرقة، بل تحصيل حاصل لما هو طبيعي. وهناك من يدعي أن هذه الحيوانات بمتحفها السابق ملك للجمعية المالكة للمدرسة، ومن حكم في ماله ما ظلم.

مع الأسف، كل ردود الأفعال تذكرني بالمثل القائل: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

ولكني لا أزال لا أفهم، موقف المجتمع المدني من مؤسسات كالحق، وحملة المقاطعة التي تنقض على من يطبع مع الكيان الإسرائيلي كانقضاض الأسد السبعاوي قبل انقراضه.  أين وحدة المفاوضات المسؤولة عن ملف القدس؟ أين مؤسسات القدس المختلفة التي تنادي يوميا ضد الانتهاكات وترفض التطبيع؟ أين المجالس الدينية المسؤولة عن القدس؟ هذه المدرسة تتبع للكنائس؟

أين خريجات المدرسة اللاتي يتصدرن مواقع مهمة ومؤثرة كثيرة؟ هل يخاف كل واحد وواحدة على مصلحته المباشرة؟

لا يريد الأهل تعريض بناتهم للضغوطات؟ لا يريد الموظف أو مدير الجمعية او المؤسسة او المسؤول التعرض لضغط قد يكلفه وظيفة او تأشيرة دخول أو دعم مالي أو منحة جامعية من ألمانيا؟

لنقل إنه من الطبيعي في زمن تتآكل فيه البلاد ليصبح الوطن محصور في بيت وعائلة ومصالح مباشرة، أمام ضياع وفساد وانشغال بأمور أكبر، ما الذي سيؤثر علينا مجموعة أخرى من تراث وكنوز هذا الوطن أمام الضياع الكبير الحاصل؟

هل لي أن أبرر لم لم يعبر الرئيس ندائي بالتدخل أمام حرب الرئيس الأكبر على البقاء بين صحته وبين من ينتظرون خلافته وبين احتلال متربص وضغوطات دولية يستصدرها ترام؟

هل لي أن أبرر حرص وزارة التربية والتعليم على عدم الزج بالمدرسة بهذا الصراع للمحافظة على المدرسة من سرقة أكبر ينتظر مدارس القدس جميعها في الأسرلة والتبعية؟

أحاول التبرير للجميع، ولكن عندما أرى أن الجانب الإسرائيلي مهتم بهذا الموضوع أكثر من اهتمام أصحاب الشأن فيه، يسقط فكي الى رجلي. عندما يتقدم الي النشطاء الإسرائيليين من أجل حملة ضد جامعة تل أبيب تحت مبررات كثيرة، أهمها انتهاك الخصوصية وعدم التحقق من قيمة هذه الحيوانات كموروث اجتماعي وعن تزييف الحقيقة في اعتبار الحيوانات إسرائيلية وبين انتهاك لوضع القدس السياسي تحديدا … وارى ان الفلسطيني في طرفي يخاف التعبير وان عبر يعبر بصمت وان تحرك، تحرك ببطء ليتوقف.

الدكتور مازن قمصية يحاول ويتهد منذ عقود لتجميع التراث البيئي لفلسطين. كتب الكتب والأبحاث وفي نهاية المطاف توج جهده بإنشاء متحف البيئة الفلسطيني. فلمن يريد أن يدافع عن “خراب” او ” عدم المحافظة” على الحيوانات من ناحية الحفظ العلمي لها ، فليقرأ فقط كتاب قمصية “ثديات الأراضي المقدسة” ، فما قام به قمصية وما يقوم به لا يقل شأنا أو جهدا او مثابرة عن أي باحث إسرائيلي تحتضنه دولته وجامعاته.

لا أريد أن أنقرض لأصبح محنوط في متحف إسرائيلي في يوم من الأيام. قد تكون المواجهة هذه عقيمة وسقيمة، ولكني أفضل أن يكون رفاتي في أرض سيزورها أبنائي كتب عليها اسمي بهويتي الفلسطينية.

هل هناك من مغيث؟


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s