التطبيع بين الواجب الوطني والعمالة

 

وصلتني بالأمس رسالة بعنوان ” بيان موقف” من قبل مؤسسة الرؤيا الفلسطينية. لم أفهم تفاصيلها، إلا أنه إستوقفنتي بعض النقاط. أصابتني بعض السلبية في محاولة الدفاع عن النفس أو المؤسسة في رد كان أشبه بالتهديدي لا التوضيحي.

المهم، فتشت عن المسألة، لأن البيان لم يكشفها ولكنه لمح إليها، فلم يكن من الصعب التبحر في عالم جوجل للتبين. هناك تحقيق صحفي في موقع وجريدة لبنانية ،عن موضع رحلات تطبيعيه إلى ألمانيا، يتوسط وينتهي بإتهام لرئيس مؤسسة الرؤيا بشخصه. التحقيق يتكلم عن رحلة حدث قريبا، ويتحدث كذلك بأن مدير مؤسسة  الرؤيا الذي يطاله التحقيق أكثر من موضوع الرحلة المشار إليها وتأثيرها. بكل بساطة فإن الرجل ترك هذا المشروع وعلى حسب ما جاء في التحقيق سراً وعلنا عام ٢٠١٦.

هنا يبدأ موضوع التساؤل عما يراد من التحقيق، وبالتالي يقتل التحقيق القصة الحقيقية، وهي قصة التطبيع في هذا السياق.

شخصنة القضية وتحويلها لموضوع شخص بعينه، قتلت الموضوع، وبالتالي ظهرت وكأنها مستهدفة لشخص الرجل، وقد يكون محقا بدوره بالرد بهذا الشكل في بيان مؤسسته.

في الحاتين هناك خطأ فادح، بين مسألة التطبيع والمقاطعة من جهة، وبين توجيه الإتهامات لشخص بطريقة تكاد تكون مؤذية وتدميرية من جهة أخرى.

ولكن لأن موضوع الحديث عن التطبيع والمقاطعة بات موضوعا مائعا في ظل تهويد علني وأسرلة لم يعد هناك حتى إمكانية لتجنبها، في وقت ساهم كل صاحب أمر في القدس تحديدا ومن ثم السلطة ويتلوها المسؤولية العربية في هذا الأمر.

الإنسان الفلسطيني المتمسك بالمقاطعة في القدس غير موجود. ليس للرضوخ ولا حبا في الإحتلال، ولكن لإن الإمكانيات أصبحت معدومة، فكل شيء مرتبط بإسرائيل، من التعليم، للصحة ،للتأمين وللقانون. وهذا لم يحدث عبثا وفي فترة ما يقرب من ثلاثة عقود على ترك القدس تحت فكي الإحتلال يعصر به.

في إستخدام المنطق والشعارات كذلك، أكاد أجزم أان أكثرية السكان في القدس ضد التطبيع، فإسرائيل تنكل فينا على مدار اللحظة، قيود وضغوطات وتهجيج وهدم كل ما يترك فرصة للإنسان الفلسطيني في الوجود. ولكن هذا الوجود في التصدي لمحاولات التخلص من الانسان الفلسطيني في المدينة لا يمكن إلا من خلال التعامل مع النظام الإسرائيلي في تعدد مؤسساته.

تبقى المسألة اليوم في سؤال مهم لنا نحن الفلسطينيون أمام ما يجري، ونحن جميعا بين فكي احتلال يحكم الاغلاق علينا. وهو محاولة بناء مجتمع أكثر وعيا، تتأصل فيه هويته الوطنية حتى يأتي يوم يتم فيه حل هذه القضية.

في نهاية الأمر، إن القضية الفلسطينية شأن يتعدى مقدرة الفرد الواحد أو القرية الواحدة أو المدينة الواحدة على التصدي لما يجري. يحتاج تكاتفا مدعوما من السلطات الفلسطينية بجدية وبإخلاص.

في وقت تملأ الرحلات والبرامج التطبيعية السوق والمجتمع، هل المقاطعة هي الحل أم إيجاد البدائل هو الحل؟

لا يمكننا التغاضي عن الإغراءات المتاحة في هذه المخيمات والبرامج. فنحن أمام بلدية وحكومة تخلق فرص من الإمكانيات يوميا على صفحة رئيس البلدية باللغة العربية، تجعل الإنسان البسيط يفكر بأن مصلحته أهم من وطن لا يكترث له قواده. فالكل يبيع ويشتري بالمدينة والسكان يزدادون فقرا وتنكيلا.

فتبقى المؤسسات الفلسطينية المختلفة، وقد تكون  مؤسسة الرؤيا إحدها، ما يعطي بعض الأمل في العمل على الأجيال القادمة من قيادات شابة وتعزيز للهوية الوطنية. ولكن هنا علينا مراعاة الأمانة في تلك المؤسسات والثقة من طرف المجتمع.

الأمانة عند أصحاب هذه المؤسسات الذين تفتح أمامهم فرص التمويل في إختيار ما هو مهم ونافع ،ومجدي وبناء ،لبناء مجتمع قد يأتي إليه قيادات أفضل. والثقة في اللحظة التي نبعث فيها ،أبناءنا بأن ما يبني الوطن هي مجموع من العوامل تبدأ من البيت.

قد نجزم بأن الجهات الأجنبية والإسرائيلية القائمة على مشاريع التطبيع هدفها مختلف عما يقال ويعلن، ولكن لماذا لا يمكننا الجزم كذلك بأن هناك فرصة من قبل تلك المشاريع إذا ما تمت قيادتها جيدا، خصوصا في ظل تزايد العرب العاملين فيها من قبل التنسيق، للاستفادة من هذه المشاريع على أصعدة عدة.

العلاقة في التعامل مع المشاريع المشتركة يجب أن تأخذ نقاشا مختلفا.

فنحن نعيش تحت سيادة سلطة تبني وجودها على التطبيع مع إسرائيل، فكيف يطلب من المواطن أن يقاطع ما هو ممارس في كل يوم بالسر والعلن من قبل القيادات؟

لا أشك بأن هناك مؤسسات وقيادات شابة وغير شابة في القدس تمتلك الوعي وحب المدينة والوطن، إذا ما تركت لتفكر وتعمل بلا قيود تستطيع أن تبني شراكات إيجابية وبناءة ومفيدة. وهنا لا أقول هذا لأفتح الباب على مشاريع التطبيع. ولكني أصرأن موضوع القدس يجب أن يتم التعامل معه بحذر وبأولوية تخص أصحاب المكان نفسه.

قد نخطئ أحيانا في توجهاتنا وقراراتنا بشأن التعامل مع هذه الأمور، ولكن من غير المقبول والمرفوض قطعا ،وإتهامنا لبعضنا بالعمالة والخيانة. فهذا الخط الأحمر الذي يمسنا جميعا.

فنعت الناس بأنها عميلة جريمة. وتخوين الناس جريمة أكبر.

نحن نعيش في بلد نخلص لها. وسواء الرؤيا كمؤسسة وغيرها العديد، يحرصون على بناء هوية وطنية بشتى السبل.

علينا ان نناقش ربما بالعلن فائدة ومشاكل هذه المشاريع، لا ان نعلن على الملأ رفضنا ونمارس كل طقوس التطبيع في بيوتنا بالخفاء.

فما من بيت فلسطيني يخلو من منتج إسرائيلي. إذا ما أردنا المقاطعة نحن ندعم الجمارك الإسرائيلية أكثر في شرائنا للبضائع البديلة. إذا ما أردنا السفر فالمستفيد الأول والاكبر هي إسرائيل. إذا ما أردنا التبضع من أي سوق فهم المستفيدون بالدرجات المتفاوتة. ما يبقى امامنا هو الوعي. هو العمل على المواطن الفلسطيني في التمييز بين ما هو صح وخطأ، بين مآل التطبيع وكيف يمكن تجنبه ليس من خلال رفض اعمى لما هو مستحيل. لقد حان الوقت للنظر امام مرآتنا ومناقشة هذه الأمور لنحمي ما تبقى من هويات وطنية. كل ما تبقى لنا في هذا الوطن هو هذه الهوية الوطنية.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s