عند دراستي للفلسفة الإسلامية، كنت عاقدة العزم على البحث عن مدرسة فقهية تناسب أفكاري. ودراسة الفلسفة ومصالحتها مع الفقه ليس بالأمر الهين في ظل التطرف الذي نعيش فيه. وليس هذا بالأمر الجديد، فهو جزء من تاريخ التطور الفكري والذي لم يكن الإسلام حالة خاصة في هذا.

وبين المعتزلة والمتكلمة والأشاعرة والصوفية والسلفية، وغيرهم من أصحاب الطرق الفقهية الكثر، كان لي وقفات نقدية سرعان ما جعلتي أعكف عن الاستمرار. ولا بد من الإشارة هنا ان عزوفنا او اقترابنا من مذاهب بعينها، مرتبط بلا شك بالتأثير النقدي على هذه المذاهب. ففي مكان ما، ممكن ان أكون معتزلة التوجه، ولكن الدخول في عالم المعتزلة وما جرى معهم وبحقهم يجعلك تريد عزل نفسك عنهم وهكذا. فقصة محنة ابن حنبل والشكوك حول كونه معتزلا تشكل ما يشبه الأرق بعد حلم مزعج، وكأن ما رأيته بالحلم سيطبق عليك.

كنت اتكلم مع أستاذتي في المذهب الذي أنتمي اليه، وكعادتي بعدم التركيز ورمي افكاري المتبعثرة، فسرت انني اتبع القرآن كمسلمة، وما يقبله عقلي من منطق السنة اطبقه. فمبدأي في هذا بسيط، ان القرآن لم ينزل ليكون طلاسم، والدين يسر لا عسر، والاجتهاد حق للعاقل البالغ، وكنت لا أزال معتقدة بأن عقلي عاقل على أمره.

نظرت الي استاذتي مبتسمة وقالت، تبدين ظاهرية في كلامك، وقد يعجبك ابن حزم. وسرعان ما قررت الهرولة لابن حزم الى أن عرفت أن ابن حزم هو ملهم ابن تيمية. او لنقل بما ان ابن حزم محسوب على تطوير المدرسة الظاهرية، او لربما ينسب له تأسيسها، وابن تيمية اعتبر نفسه ظاهريا، وكذلك المدرسة السلفية بنت نفسها على الظاهرية، فسرعان ما تركت التفكير في أمره.

باختصار، فان ابن حزم يوجز بالتالي “الأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد، اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال.”

فالمذهب الظاهري يرفض القياس الفقهي التقليدي وينادي بوجوب وجود دليل شرعي واضح من القرآن او من السنة لتثبيت حكم ما. بالنسبة لابن حزم ان التمسك بالكتاب والسنة واجماع الصحابة ورفض ما عدا ذلك في دين الله، لا يقبل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة التي يعتبرها محض الظن.

وهنا يبدو الشرك لأمثالي، فما ظهر لا يحتمل التأويل، فيجب أن نأخذه كما هو، وهنا يحتاج المرء للتخصص، وعند هذه النقطة أعود أدراجي.

بقي كتاب طوق الحمامة على سطح الملفات عندي لسنوات. في كل مرة ابدأ القراءة اغير رأيي. كيف لظاهري ملهم للسلفية أن يكلمني عن الحب؟

واعترف انني تعاملت مع ابن حزم معاملة الجاهل. واجحفت في حقه، وحملته ما لم يفكر به ورميت عليه وزر جهل امة تتربص لأصحاب الفكر وتهاجم من يأتي بالتغيير، فتركته…

ولكني لم أنس أبدا قول

محمد عابد الجابري، الذي شكل ابن حزم ركنا أساسيا في رؤيته لمشروع النهضة العربية الذي لم يتم. فتبدأ النهضة عنده من ابن حزم وابن باحة فابن طفيل الى ابن رشد وابن خلدون.

وقعت يدي على طوق الحمامة وبدأت قراءته….

 وصف طوق الحمامة بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره واسبابه. بينما كنت أقلب الكلمات في رأسي، مر عني كتب الحب والعلاقات التي طبعت في ذهن التاريخ، تذكرت كتاب الأسيوطي الذي يتفوق مرارا على كل ما يمكن قراءته في الكاما سوترا.

قد يكون الكثيرون توقفوا في السنوات الأخيرة على كتاب قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركية اليف شافاك الذي تناول محاكاة متخيلة لعلاقة جلال الدين الرومي بشمس التبريزي.

كثيرا ما نهرول للكتب التي تحاكي قصص العشق وتدلنا على أهواله فترمينا وتحملنا اليه. بين كتب في فقه الحب وفقه العشق وطرق الحب والتعامل، يطوق ابن حزم الحب في روعة دقيقة، إنسانية لا يمكن وصفها بسهولة.

الحقيقة التي توقفني في هذه قراءات هي مدى وسع أفق المفكرين في ذلك الزمن. أكاد أتحدى واجزم انه لا يمكن أن نرى عملا ببضع ما بهذا العمل من ابداع وصدق في التوصيف والتحليل والتبرير وفهم النفس الإنسانية في يومنا هذا.

ولا أزال اسأل نفسي، ان كان المسلمين قبل ألف سنة هكذا، ما الذي جرى لنكون في هذا الحضيض اليوم؟

الكلام في ماهية الحب:”

الحب اعزك الله أوله غزل واخره جد. دكت معانيه لجلالتها عن ان توصف، فلا تدرك حقيقتها الا بالمعاناة. وليس بمنكر بالديانة ولا بالشريعة، اذ القلوب بيد الله “download


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s