ماذا يعني عزوف سكان القدس عن المشاركة في انتخابات بلدية الاحتلال؟

 

حمى الانتخابات انتهت بإحباطات لمعسكرات مختلفة. وفي طبيعة الحال بشعور بالنشوة للمعسكرات المقابلة.

في القدس بقي الأمر مختلفا. وكعادة المدينة أو بالأحرى سكانها، لا تعرف كيف يفاجئونك. لازلت على قناعة أن الدم الفلسطيني به ما هو عنيد ومؤمن بقوة بهويته. هوية لن يتمكن الاحتلال من طمسها ولا دفنها، حتى ولو اشتغل كثيرا على تشويهها.

قبل أن أبدأ أو أنتهي الى أي خلاصة، هناك ما هو أكيد ويجب أن يتم وضعه تحت سطر واضح: إسرائيل لن تكون بنظر المقدسيين الا دولة احتلال.

موضوع المشاركة بالانتخابات البلدية، كان، وما يزال موضوعا يشكل نقاشا مفتوحا بلا حراك حقيقي. سواء على صعيد فهمه او التعامل معه، وبالتالي حسم الامر من المشاركة او عدمها.

ما يجري من تهويد وأسرلة ممنهجة للقدس، بين ما يمكن ان يحصل عليه المواطن الفلسطيني من حقوق في ظل انتهاكات ممنهجة، أو التمسك بالتعامل مع هذا الكيان على انه احتلال.

ما جرى بالانتخابات الأخيرة يشكل صفعة حقيقية لكل من يتلاعب بموضوع القدس. قد تكون هذه الصفعة أولا للسلطة الفلسطينية التي تركت القدس وسكانها بين فكي الاحتلال والمرتزقة ليعيثوا فيها فسادا، ولربما أرادت ان تكون النتيجة لصالح إسرائيل من حيث انتماء اهل المدينة، يعني ما الفرق بين اهل القدس واهل الناصرة بمحصلة الحديث للرئيس الفلسطيني، الذي يرى بالتمسك بالجنسية الإسرائيلية عمل وطني بالنسبة للإنسان الفلسطيني.  والصفعة الأخرى هي للكيان الإسرائيلي الذي يراهن على ابتلاع سكان المدينة في بطنه بلا عناء، واستنساخ نموذجا مكررا من أسرلة نهج على تطبيقها خلال سبعين عام من الاحتلال.

في السنوات الأخيرة، نسمع يوميا عن دراسات واحصاءات عن مستقبل أهل القدس، بين نسبة تتزايد بشكل مريب في اقبال السكان نحو الجنسية الإسرائيلية، وبين تفضيل الغالبية على السيادة الإسرائيلية على المدينة مقابل سيادة السلطة الفلسطينية عليها.

كان هذا العنوان هو البطاقة الرابحة لمن نزل سباق الانتخابات من العرب، سواء الذين أكملوا السباق كما حصل مع “دبش”، أو الذين تنحوا كما حصل مع “أبو سارة”.

موضوع النظر الى انتخابات البلدية على انه مسألة خدماتية وليس سياسية، يمكن فعلا البحث فيه، ومن وجهة نظري يجب ان يتم نقاشه من خلال ورشات وحلقات مختلفة ومستمرة، ولكن لا يمكن ان يكون عملا ممكنا بهذه السهولة، لأن الموضوع السياسي له الغلبة. والعمل مع الرأي العام ليس أمرا يمكن الحصول خلال بضعة أشهر من الوعود الانتخابية، وكأن المترشح يعتبر نفسه في سويسرا.

في حسبة بسيطة، إذا ما كان هناك ما يقارب ال ٢٠٠ ألف فلسطيني له حق الانتخاب في القدس، وهناك من هؤلاء ال ٢٠٠ عشرين ألف قد حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، ولنقل ان هناك عشرة الاف في طوابير الانتظار للجنسية او العكس. وفي المحصلة لم يتعد من شارك بالانتخابات الالفين شخص، او للدقة: ١١٣٩ بصور باهر وبين ٥٠ و٧٠ في جبل المكبر وبيت صفافا وبيت حنينا. فإن نسبة التصويت لم تتعد الواحد بالمئة.

في وقت تتعالى فيه أصوات الأسرلة، وبإحكام مطبق يتم السيطرة فيها على العقول الفلسطينية من حيث مزايا الحياة في ظل الاحتلال الإسرائيلي مقابل الحياة في وسط الفساد الفلسطيني المتمثل في السلطة، كان من المتوقع أن يهرول الفلسطينيون في القدس، وعلى اقل تقدير، أولئك الذين حصلوا على جنسيات إسرائيلية، باعتبار ان هؤلاء قد حسموا امرهم نحو توجهاتهم، نحو صناديق الاقتراع. لا اعرف ان كان من السهل الاقناع، ان كان حدث في الانتخابات هذه، يمكن تشبيهه بما حدث عند هبة البوابات الالكترونية عند المسجد الأقصى.

لا يزال المشهد المهيب للناس من كل درب يهرولون نحو الأقصى، عشرات الالاف ان لم يكن المئات، بروح واحدة وفرحة واحدة بالانتصار لما هو حق. ان كان هناك عشرات الالاف من الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية او المنتظرين لدورهم في الحصول عليها، وان كان هناك عشرات الالاف من الساخطين على السلطة ينتظرون سقوطها وحسم امرهم نحو إسرائيل، فلقد ذابوا نحو الروح الواحدة لهوية واحدة، وهي الفلسطينية. كانت تلك لحظة انهيار محقق لأي مخطط إسرائيلي للتهويد او الأسرلة.

وهذا ما جرى بالأمس. فالطبيعي ان يهرول أولئك للتصويت. كان الرهان معقود عليهم. لم يذهب حتى نسبة عشرة بالمئة من حاملي الجنسية الإسرائيلية لتلك الانتخابات.

لقد قال المقدسيون كلمتهم وبقوة، كما فعل أهل مجدل شمس والجولان في هذه الانتخابات. لن تمر الأسرلة للإنسان بهذه السهولة، كان لسان الحال.

هذا لا يعني اننا بخير وامن من خطر الأسرلة والصهينة. فتسريب الأراضي طعنة في قلب القدس، وأسرلة المناهج والمدارس سيكون تأثيرها مستقبلا أكثر مأساوية، فما نراه اليوم من تفتيت وتشويه في بعض قرى القدس ليس الا نتيجة انهيار المنظومة التعليمية التي سلمت بالكامل لإسرائيل.

انهيار الاخلاق من قتل وعربدة وتعدي مرتبط كذلك بما يحصل بالمدارس التابعة للسيطرة الإسرائيلية بالكامل. فلا مبادئ ولا تربية ولا هوية.

ربما نستطيع ان نثق حتى هذه اللحظة بأن الانسان الفلسطيني لا يزال حاضرا وبقرة في تركيبتنا المجتمعية والفردية، فيتصرف هذا الانسان كما يجب وفق السليقة او الشعور الداخلي المتأصل به، وهنا تكمن المعضلة في عروبة هذه المدينة. وعليه يبقى الأمل في خير قادم، إذا ما نهضنا بأنفسنا من أجل فلسطين التي تعيش بوجداننا.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s