هل ننتقم لهواننا من الموتى؟

 

نزل علينا خبر حادث الطرق الذي أودى بحياة ستة أشخاص وإصابة العديد على طريق البحر الميت، كالصاعقة. فالقلوب لا تحتمل المزيد من الفواجع.

حادث طرق أليم قبيل الفجر، يبكي العيون ويدمي القلوب. شهداء لقمة العيش كما أطلق عليهم. مجموعة من المقدسيين في طريقهم إلى مصنع دجاج مع بزوغ ساعات الصباح الأولى.

من بينهم كان علاء قرش، الذي رفض دفنه لأنه متهم ببيع عقار في البلدة القديمة.

علاء قرش يبدو شابا قد يكون تعدى الثلاثين من عمره. يقال ان البيع تم تسريبه قبل عدة سنوات.

كعادتنا في الكثير من القيل والقال والنطق بالأحكام والمشي وراء الرجم بلا تردد. قررنا ان الشاب الفقيد قد سرب وعليه تقع عقوبة الاقصاء وبالتالي يحرم دفنه بمقابر المسلمين والصلاة عليه.

توقفت عند نقطتين في شأن الشاب الفقيد، الأولى تتعلق بكونه رجل كان يسعى الى قوت يومه للعمل في مصنع من فجر اليوم. كيف يكون باع ولم يغتن؟ فكرة بيع عقار ونوع العمل هذا لا يندمجان في هذه القصة. فكلنا نسمع عن المبالغ الطائلة التي تدفع من أجل هذه الصفقات.

النقطة الثانية هنا هو محاسبته وهو ميت بدلا من حسابه اثناء حياته، فإذا ما كان هذا الشخص معروف للعائلة وللمجتمع القريب منه، فلم لم يتم التبرئة منه في حياته.

لماذا قررت العائلة (ان صح البيان) التبرؤ منه الان؟ هل ظهر تورطه وهو في طريقه للمصنع؟

فكرة احتساب الضحايا شهداء من جهة، ومن ثم اعتبار موت أحدهم انتقام من الله، يؤكد ان الخلل بتعاطي الأمور عندنا بالعموم.

فكيف نشمت في موت أحدهم ونعتبره انتقام رباني، ونرفع موت اخر في نفس الحادث لمرتبة الشهداء؟

كيف قرر الجميع ان هذا الرجل مسرب عقار وقرر محاكمته؟

لماذا لا يتم التبرئة من المتورطين بالتسريبات أثناء حياتهم ان صحت التهمة؟

نعيش في هذه الأيام ظروف جد عصيبة في القدس تحت وطء استعار الحملات الاستعمارية من قبل الاحتلال، وسط ما يحاك من صفقات دولية وإقليمية لما سيصبح صفقة قرن. فما نحتاجه أكثر من أي وقت هو التكاتف امام الحملات غير المنقطعة من اجل ترحيل وتشويه وتهديد من تبقى في القدس.

أعتقد جازمة، بل أطالب بمحاسبة كل من تسول نفسه على تسريب عقار سواء كان مالكا للعقار او سمسارا او محاميا. فهذه جريمة لا تختلف عن جرائم العرض في مجتمعنا. فمن يبيع أرضه للاحتلال لا يختلف عمن يبيع عرضه. وفي موضوع البيع هنا، ان الموضوع ليس بموضوع متعلق بأحدهم فمن يبيع ارضه للاحتلال كمن باع الوطن كله.

واناشد واطالب كذلك بملاحقة المتورطين ومساءلتهم القانونية واقصائهم المجتمعي بكل ما يمكن ليكونوا عبرة لمن يعتبر.

وقد يكون مشهد عدم الدفن مشهدا قويا للغاية، إذا ما كان الميت متهما بالفعل وثبت تورطه. يعني كنت سأكون أول المؤيدين لو كان الميت العطاري الذي باع البيت للمستوطنين ولقد رأينا المستوطنين ورأينا العقود. وكنت ربما كذلك سأتفهم لو مات أي ممن تورط اسمه في هذه الصفقة (أتكلم عن هذا الامر لأنه حديث وليس من اجل التخصيص)

في موضوع علاء قرش، تباينت البيانات التي صدرت تحت اسم عائلته حيث كان البيان الأول حاكما عليه، وكان البيان الثاني مدافعا عنه.

وهنا اكرر، لماذا ظهر موقف العائلة منه عند موته فقط؟

المشكلة ترجع الى مكانها الأول، وهي تأثر الرأي العام بما يتم تداوله. فالتقط الرأي العام فكرة تجريمه وانتصر لموقف اهل المدينة من البائع لأرضه ليكون عبرة لغيره. وخرجت أصوات أخرى تدافع عن الرجل، فكيف يكون بائع لعقار وعامل في مصنع لقي حتفه في طريقه للسعي وراء لقمة العيش.

بين تورط للرجل في اخذ خلو مقابل مسكنه الذي تم تسريبه للمستوطنين وبين تبرئته من عائلته المباشرة، يبقى الرأي العام اشد ظلما في تحليله ووقوفه. فهناك حالة من الإصرار على تلبيس الرجل التهمة، على الرغم من اعلان عائلته بتبرئته.

فكيف عرف من عرف بتفاصيل البيع والخلو والصمود او الخنوع، إذا ما أعلنت العائلة ان ابنها لم يتورط، وان اخلاء العائلة جاء لان البائع الأصلي قد باع بالفعل. فالمجرم الحقيقي في هذه الصفقة هو صاحب البيت الذي باع للمستوطنين. وسواء كان الفقيد قد اذعن وقبل بالخلو ام لم يقبل، يبقى نفي عائلته لهذا الامر هو الفيصل. ولكن يبدو الرأي العام مرة أخرى مستمتعا بالصحافة الصفراء التي تروج لأخبار يراد لها ان تكون هي اللامعة. فمبلغ ٥٠ او ١٠٠ ألف دولار يبدو مبلغا بخسا لبيع عقار، وهو المبلغ الذي من المفترض ان يكون الفقيد قد تلقاه، وعليه فانه مات وهو في طريقه الى مصنع الدجاج في ساعات الفجر.

لا اعرف كيف يبدو هذا المبلغ قليلا، وكأن الملايين تنزل على هذا الشعب من السماء، ولكن اظن ان المبلغ لو كان مع هذا الرجل، لرأيناه قد فتح محلا او اشترى سيارة.

لست بصدد الدفاع عنه، او تبرير ما فعله او لم يفعله. ولكن هناك نقطة يجب التوقف امامها كثيرا، اننا نحاسب ميتا. والكثير يقوم بالتبرع بالإفضاء بمعلومات لن يستطيع الرجل الدفاع عن نفسه بها.

لو كان مذنبا فلقد مات، ولو كان بريئا فلقد مات أيضا، ولكننا فضحناه وفضحنا عائلته وحملناهم وزر ما لم يقترفونه.

في السيناريوهات العديدة المطروحة، ان المرحوم لم يتنازل للمستوطنين، والعائلة نفسها لم تكن متورطة بهذا الفعل المزعوم.

أأكد مرة أخرى على كلمة مزعوم. لأننا لا نعرف ولن نعرف الحقيقة لان صاحبها مات.

لا اعرف كيف تركنا الاحياء من المتورطين، من العطاري، لصبيح، لعقل، لأسماء أخرى كثيرة وعائلات، وتجمعنا كلنا باتفاق على من مات ولا نعرف من القصة هذه الا الشبهات.

أثمن دور ال جودة، على سبيل المثال،  الذين قرروا اخذ مفتاح القيامة من اديب جودة الذي تحوم حوله شبهات التورط في تسريب عقاره، حتى يتبين الامر.

رحم الله علاء قرش ان كان مذنبا او بريئا، لأننا اخذنا أنفسنا في مغبة ذنبه ان أذنب فرجمناه في موته بدل الترحم عليه، واكلنا لحمه ميتا لو كان بريئا، فذنبه في موته برقابنا، كما ذنب أبنائه وعائلته.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s