تستقبلك جنوب افريقيا بمطار عاصمتها كيب تاون الكبير. يعيد الى الذهن مطار دبي الدولي لمن انتظر ساعات طويلة عند طابور فحص الجوازات اللامتناهي ليستقبلهم في حالة دبي رجل اماراتي بارد الأعصاب لا يكترث، وفي حالة جنوب افريقيا زنجي مبتسم. من اللحظة الاولى تبدأ المفارقة بين ما هو ابيض واسود هناك. تكاد لا ترى من اللون الأبيض الا القليل والكثير من المسافرين.

تظهر أمامك المدينة وكأنك في اَي مكان اخر من العالم الحديث، لافتات عظيمة لماركات تجارية، دعايات لهواتف نقالة وعمارات تبدو شاهقة. لا تكاد تكر عن كيلومترات معدودة حتى تبدأ العشوائيات بالظهور على الأطراف الجانبية من وراء الشوارع الكبيرة. بهذه اللحظة يتغير المشهد ليصبح حقيقة يتعايش معها الجميع بتناغم.

اسياد وعبيد

بيض وسود

العنصرية تأخذ شكلا واضحا تحدده الألوان، لا يمكن التغاضي عنها ولا يمكن عدم رؤيتها.

فضاء شاسع مكون من طبيعة خلابة. مساحات واسعة تتسع الكون …. وتحشر ابناء المكان في عشوائيات قذرة. على امتداد البصر يأخذ مشهد البيوت بالتحسن. تتضارب في مخيلتي أشكالا لأشخاص يشكل مانديلا أيقونة لهم. بين مظهره الغربي الملبس وذلك الأفريقي. كيف نصبح عبيدا طواعية للغزو الغربي لكل مكنونات ومكونات الاخر.

لا يختلف المشهد عن كل ما عرفناه ورأيناه وعشناه من استعمار يتأصل في بلاد الشرق. ولكن هنا تشعر بتناغم غريب. هدوء محدق يشعرك بغم يغلف على قلبك منذ اللحظة الاولى التي تعي فيها ان هناك ما هو ليس بطبيعي.

يأخذ الزنجي دوره بحرفية وهدوء وقبول. وكأن عقودا من الاستعباد تأصلت في عروقه وصارت التبعية والخنوع تجري بعروقه مع الدم.

حالة تشبه بكل تفاصيلها حالنا الا من وضوح الألوان. هنا الأبيض والأسود واضح.

خير البلاد في معظمه يملكه البيض. ويكاد المشهد يتكرر ومأتم تشاهد فيلما من الخمسينات. رجل ابيض يملك مزرعة يديرها جيش من الزنوج. في هذه الحالة ترى المزرعة يتخللها غابة وشلال مياه يتدفق من جبل لا يحتاج المالك ان يشتريه، وان يستطيع ان أراد.

السائق ابيض، الحارس ابيض، الطباخ والحرفي وعامل التنظيف والبستاني زنجي. سكوت مرعب في ألوانهم ووجوههم المتدفقة بالحياة. حرص بالغ تكاد تخشى ان تكسر كأسا لكيلا يتم تحميل العامل الزنجي مسؤولية إهمالك.  ابتسامة لا تفترق وجوههم. الإنجليزية هي لغة البلاد ولا تكاد تفهم كيف تخرج الكلمات. كل ما تراه في هذا المكان دخيل عليه. الا من أهله الذين لا يعرفون عن وجودهم الام ا تشكل في وعيهم على مدار العقود الطويلة … العبودية.

لا أستطيع الا ان اتساءل ما الذي تك تحريره في جنوب افريقيا؟ تبدو حياتهم شبيهة بحياتنا. يبدو الموديل الذي يتم تطبيقه متناسقا مع ما حصل معنا من سلطة وطنية تخفف عبء الاحتلال.

هل بالفعل ينقسم الوجود في تكوينه الأصيل الى اسياد وعبيد؟

الى ماذا انتهى نظام ابارتهايد في جنوب افريقيا؟ هل بجلوس زنجي على كرسي الحكم يتم تبييض سواد الظلم الحالك؟

في بلادنا ترى الفقر، في مصر مثلا تزعجك الفوضى والعشوائيات وقلة حيلة الشعب، ولكن لا ترى عبودية. لا ترى طمس ومسخ للإنسانية. يستطيع الانسان عندنا التعبير عن غضبه عن إحباطه عن خوفه. هنا يخرس وجدانك الصمت.

لم يكن على ما يبدو صدفة مقارنتي لكيبتاون ودبي في اللحظات الاولى، فالمول في كيب تاون بعد ذلك المرور الطويل بين الأحياء الفقيرة، يحتل مكانا رائعا على الميناء وسط المدينة المجددة. شعرت انني بدبي مرة اخرى، هذه المرة لم يكن عبثا، بيربيري، لوي فيتون، فيرزاشي، مونت بلون، مايكل كورس، لونشومب، وغيرها من المحلات الباهظة تتزين في المول … أسعار باهظة بطريقة خيالية، او طبيعية لمحلات كتلك، فتقف مجددا امام الإمبريالية بحلتها الجديدة … اختلاط للألوان، يصبح فيها الأسود المقتدر اقل سوادا ويزداد بؤس الفقير

وكما في جنوب افريقيا، اعطى انتهاء النظام العنصري الكولونيالي الشرعية للنظام المحلي، يمكن الاقتراب من المشهد بالنظر الى الحالة الفلسطينية، فجلوس جسم فلسطيني في هيئة سلطة اختارها الشعب، لا يعني بالضرورة مصلحة هذا الشعب. وكما الشرعية لها وجوه يتحمل نتائجها الشعب الذي اختار، يتوقف التشبيه هنا مع الحالة الفلسطينية لأن اختيار الشعب الفلسطيني جرى لمرة واحدة لم تتكرر، ولا يبدو انها ستتكرر. فنظام الشرعية الفلسطينية أوجد جسما تشريعيا أصدر ما يقل عن مئة تشريع، ورئيس شرعي على حسب الشرعية الدولية من جهة ولكنه استفرد بإصدار ما يزيد يضاعف هذا العدد من القرار في خلال فترة تعدت شرعيته من ناحية اختيار الشعب.

من ناحية نرى انتهاء الأنظمة المستبدة سواء كانت استعمارية او مجرد عنصرية، ولكن تحرر الشعوب يبقى محصورا بفئة تزداد غنى على حساب الانسان المسحوق، وفئة استعمارية مهما غيرنا او بدلنا من تعريفها، رأسمالية الطابع تتحكم وتحكم كل شيء.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s