“الجالية” المسيحية….سقطة لفظية لحماس.. أصلها عنصرية متأصلة بشعب

يقول الاستاذ العراقي علي الوردي في كتابه “مهزلة العقل البشري”: “ولو درسنا أي مجتمع يتحرك لوجدنا فيه جماعتين تتنازعان على السيطرة فيه. فهناك جماعة المحافظين الذين يريدون إبقاء كل قديم على قدمه وهم يؤمنون أن ليس في الامكان أبدع ممّا كان. ونجد إزاء هذه الجماعة جماعة أخرى معاكسة لها هي تلك التي تدعو إلى التغيير والتجديد وتؤمن أنها تستطيع أن تأتي بما لم يأت به الأوائل.

من الضروري وجود هاتين الجماعتين في كل مجتمع، فالمجددون يسبقون الزمن ويهيئون المجتمع له. وخلوّ المجتمع منهم قد يؤدي إلى انهياره تحت وطأة الظروف المستجدة. أما المحافظون فدأبهم تجميد المجتمع، وهم بذلك يؤدّون للمجتمع خدمة كبرى من حيث لا يشعرون، إنّهم حماة الأمن والنظام العام، ولولاهم لانهار المجتمع تحت وطأة الضربات التي يكيلها له المجددون الثائرون.

قدم تثبت المجتمع وأخرى تدفعه، والسير لا يتم إلاّ إذا تفاعلت فيه قوى السكون والحركة معاً.

والمجتمع الذي تسوده قوى المحافظين يتعفن كالماء الراكد. أما المجتمع الذي تسوده قوى المجددين فيتمرّد كالطوفان حيث يجتاز الحدود والسدود ويهلك الحرث والنسل.

والمجتمع الصالح ذلك الذي يتحرك بهدوء فلا يتعفن ولا يطغى، إذ تتوازن فيه قوى المحافظة والتجديد فلا تطغى إحداهما على الأخرى”

في المجتمع الفلسطيني، هناك مجموعتان متعاركتان تتنازعان على السيطرة بعقل يزداد محافظة، ليس من أجل الحفاظ على موروث ولكن من اجل الحفاظ على تاريخ نضالي فائت مبني على جثث من فنوا من اجل حرية شعب، لا يرى منها كلا الطرفين الان الا حرية الفرد منهم في حدود ما يتيح الاحتلال.

ـ OCHAتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية –

لهذا العام يقول ان هناك ٢٩٥ شهيدا و٢٩ ألف مصابا محصلة ضحايا ٢٠١٨ من قبل الاحتلال الإسرائيلي. بينما الخبر الأساسي الذي قد امن الفلسطينيين منذ الامس هو استخدام مذيع قناة الأقصى للفظ “الجالية” عن المسيحيين.

هنا تجلى الفرق بين الحزبين في محافظة أحدهم وتخلف الاخر. فكانت السقطة اللفظة للمذيع خطيئة احتاجها الآخرون من اجل اثبات همجية حماس عنصريتها.

حماس تداركت الخطأ مما جعلها لا تكتفي فقط بالاعتذار عن تسمية المسيحيين بأنهم “جالية” ولكن ذهب إسماعيل هنية للكنيسة بغزة من اجل تأكيد لحمة الشعب الفلسطيني.

في المقابل، لم يترك منهز الفرصة من كل كاره لحماس تداول الخبر وترديده.

بطبيعة الحال، الانسان المسيحي لم يكن في هذا “العلاك” الا ضحية جديدة للعنصرية التي بدو تأصلها في مجتمعنا. فشد كل فصيل للدفاع او الهجوم على الفصيل الاخر من اجل الدفاع عن حق المسيحي في ارضه.

للحق، كان هذا العام عاما مرحا في أجواء الميلاد لم يسبق له مثيل، لم يعد المرء يعرف هل عيد الميلاد عيدا وطنيا ام مسيحيا من حجم الاحتفالات والسباقات على انارة الشجرات. متناسين ما قامت به السلطة من منع للاحتفالات في العام الماضي وإلغاء يوم العيد (عيد الفصح) بمرسوم سلطوي. وكأن هذا العام كان خاليا من الشهداء ومن المآسي ومن وجع الاهل المكلومين.

افهم حاجة الناس لفرحة ما وبهجة تضفي على قلوبهم المتوجعة دوما في ظل هكذا حياة، ولكن يجب الا نتغاضى عن أفعال الحكومة باستغلال حاجة الناس لبعض البهجة. فهناك حالة من “الفسخ” المجتمعي السلطوي، لم يعد يفهم المرء فيه أين تكون هذه السلطة عصرية وأين تكون محافظة.

مع الأسف الشديد، ان حالة البهجة العارمة بأجواء العيد لم تصفي قلوب البشر المبنية على العنصرية واقصاء الاخر. كان هناك بالفعل اشبه ما يمكن ان يكون “اجتياح” مسلم علي الأعياد المسيحية، فلا يمكن عدم ملاحظة الحجاب امام زحام الوقوف امام الشجرة. فلم تتوقف الفتاوي بتحريم الوقوف والمشاركة باحتفالات الشجرة في كل مكان. اشعر أحيانا ان هناك ما سرق منا كمجتمع. في الأيام الخوالي لنا كشعب، كنا بالفعل نتسابق شبابا وبنات من اجل التواجد والمشاركة بالأعياد. اليوم المشاركة تخلو من معنى المشاركة. فما يجري كالبازار، موسم احتفائي جديد، لا يمس للمؤاخاة بين أبناء الوطن من الديانات المختلفة بصلة. نفاق اجتماعي وسلطوي.

لم توقف السلطة خلال الأيام الأخيرة الفتاوي التي تصدر من كل صوب داخل رحاب حكمها، تركت المجتمع يستمر في حالة النفاق الظاهر، نحن مجتمع نحتفل بالأعياد المجيدة مسلمين ومسيحيين. ولكننا لسنا مجتمعا متسامحا، محبا عندما نتغاضى عن مآسي ما يجري في طبقات المجتمع اليومية من قتل واقتتال، وما كان من سقطة مذيع حماس اللفظية الا ان تكون فرصة ذهبية بالتصيد للفصيل الاخر.

فرصة لكل من أراد اللعب في المياه العكرة لهذا المجتمع، فلم يقتصر الامر على الاقتتال الفصائلي، فكانت فرصة للبكاء على العنصرية وفرصة لاقتناص المناكفات الحزبية والدينية.

في الحقيقة ان هناك ما هو مؤلم بالفعل، اننا شعب عنصري. لا يحب أحدنا الاخر. إذا ا كانت العلاقة بين فتح وحماس بهكذا كراهية، فكيف للمسلم ان يحب المسيحي والعكس.

أحزن على المسيحيين في بلادي، لأنهم كالمرأة، يتم استخدامهم على حسب اهواء الحاجة الدعائية والاستهلاكية لما يمكن ان يكون انتخابات.

هناك حقيقة، أتساءل كثيرا متى بدأت، العنصرية المتأصلة في مكان ما، عندما يبدأ الطفل بالسؤال عن احقية الدخول الى الجنة او النار، ان كنت غير مسلم، وان كنت امرأة غير محجبة. أسئلة تدور في رحى المدارس ويتم الإجابة عنها في البيوت، بصمت وسرية. والنتيجة فيما نراه من نفاق على كل الأصعدة. الكل يدعي المحبة والتآخي بين الأديان، فيما يكفر هذا ذاك في سره.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s