إقالة مدير مستشفى النجاح الوطني الجامعي وعقدة “تربية المقهورين”

إقالة مدير مستشفى النجاح الوطني الجامعي وعقدة ” تربية المقهورين”

 

منذ يومين وتتداول المواقع الاجتماعية المختلفة خبر إقالة الدكتور سليم الحاج يحي، مدير عام مستشفى النجاح الوطني الجامعي المفاجئ من منصبه، وإعلان الأخير أسفه ورغبته بالعودة الى بريطانيا.

ذاع صيت مستشفى النجاح الوطني الجامعي قبل عدة أعوام عندما قام فريق طبي برئاسة الدكتور سليم الحاج يحي بأول عملية زراعة قلب صناعي في فلسطين.

والدكتور الشاب، جاء من خلفية علمية واعدة بعد تخرجه من الجامعات البريطانية ونجاحاته الملفتة، وقراره تقديم خدماته لوطنه كان نموذجا لما نسميه بالحلم الفلسطيني بالجيل الجديد الذي سيعود متحصنا بالعلم ليبني وطنا سليما.

من الطبيعي، ومن الممكن ان تنتهي خدمات الرجل بعد خمس او ست سنوات من الخدمة،

فلا الموقع له ولا مخصص لاسمه ليورثه. ولكن كان لا بد من الوقوف امام الإقالة التي جاءت كالتالي وبعد أيام غير كثيرة من انتهاء صلاحيات الدكتور رامي الحمدلله كرئيس وزراء، والأرجح عودته العلنية والمباشرة لرئاسة جامعة النجاح، وما يتبعها من مرافق- حسب ما يبدو-

تسلم الدكتور سليم الحاج يحي الرسالة كما يلي:

” التاريخ ١٩-٣-٢٠١٩

الدكتور سليم حاج يحي المحترم

تحية وبعد،

الموضوع: إنهاء عمل

بالإشارة للموضوع أعلاه فقد تقرر الاستغناء عن خدماتكم كمدير عام مستشفى النجاح الوطني الجامعي ابتداء من يوم الاثنين الموافق ١-٤-٢٠١٩. وعليه يكون يوم الاحد الموافق ٣١-٣-٢٠١٩هو اخر يوم عمل لكم في المستشفى.

يرجى مراجعة الدائرة المالية في مستشفى النجاح الوطني الجامعي بخصوص أي مستحقات لكم إن وجدت.

كما يرجى تسليم العهدة للمدير الإداري في المستشفى بآخر يوم عمل

مع الاحترام

رئيس مجلس أمناء المستشفى

رامي الحمدلله”

الحقيقة، أنني آثرت عدم التكلم بالموضوع قبل قراءتي لكتاب الإقالة، الذي بدا لي كمن يتخلص من عامل سخرة في معمل. إذا ما كانت هذه طريقة الإقالة في جامعة يديرها رجل كان حتى قبل أيام يمثل أعلى مناصب صنع القرار في “الدولة”، فما الذي يمكن توقعه من المعامل والمصانع والجمعيات والمؤسسات عند إقالة الموظفين؟

إقالة تمنينا لو رأيناها في كل مرة شهدنا فيها الأخطاء الطبية المميتة وقضايا الفساد المتفشية بين الموظفين الكبار في مختلف المراكز.

هذه الطريقة من الإقالة التي تفتقد لكل واي نوع من الشكر والتقدير، وهكذا بلا “احم ولا دستور” ولا فترة زمنية تتيح للمقال الرد او الفرصة، يمكن تبريرها في مكان واحد فقط، وهو ان من اقاله قد تمت اقالته بنفس الطريقة.

فرامي الحمدلله رئيس الوزراء، تم الاستغناء عن خدماته هكذا وبنفس الطريقة. الرجل كان يمارس مهامه كرئيس وزراء بيوم وربما حتى قبل ان يعلم تم تداول خبر اقالته للعموم، وعليه، قد تكون اقالة الدكتور الحاج كردة فعل بديهية بثقافة “تربية المقهورين”

يقول باولو فريري، عالم الاجتماع البرازيلي الشهير في كتابه “تربية المقهورين” التي يعتبرها فريري الأداة النقدية التي تكشف للمقهورين حقيقة أنفسهم وحقيقة قاهريهم. فعلاقة المقهور تتسم بالتناقض والتواطؤ في آن واحد.

فلقد تم “قهر” الحمدلله من قبل قاهره، الذي يمعن- مثله- في الامتلاك والسيطرة على حسب فريري، وهنا “يشعر المقهور بشيء من التوافق مع قاهره، فيقلده كلما سنحت له الفرصة. وهنا يقوم المقهور بممارسة اضطهاده على من هم ادني.”

يؤكد فريري ان “المقهور يثق فيمن يفوقه قدرة وعلما، ومن ثم فهو ينجذب عاطفيا لقاهره بوصفه تجسيدا لرجولته الضائعة.. ومن ثم تصبح صورة الانسان في مخيلته هي صورة القاهر، وليس صورة أناه، وهنا تكمن الازمة المأساوية للمقهورين.” والخطر يكمن عندما يلجأ هؤلاء الى قضايا المقهورين، وهم منشغلون بأدوات طبقاتهم القديمة ولا يثقون الا بأنفسهم. وبكرم زائف يسلبون المقهورين حق الدفاع عن أنفسهم ”

يعني باختصار وبلا دواع أكثر للخوض في التحليل والتمحيص، فان ما قام به رامي الحمد لله طبيعي في وقت نشهد فيه التعيينات والإقالات على حسب صانع القرار، او ماسك القرار، وعليه، فان ما يترتب عليه من أفعال لكل صاحب مركز او قرار يبدو بديهيا.

المصيبة هنا، تتجسد في الشكل المباشر للمأساة. فنحن هنا نتكلم عن مؤسسة تشكل ماكينة تشغيلية لكل ما يترتب على المستقبل. فإذا ما كان هذا نهج رئيس جامعة اكاديمية تحمل مسؤولية تخريج جيل يحمل بالمجتمع الى الأفضل. فها هو الأفضل البديهي، ان يتم تصنيع العقول لتكون عبدة للقهر، متجاوبة معه، شاكرة، مستلبة، تنتظر القرارات العليا التي تمنح او تأخذ على حسب ما تقرره. لا مكان للكفاءات ولا القوانين ولا اللوائح ولا التعليمات.

شهدنا قرارات اقالات لمعلمين وموظفين.

شهدنا إيقاف رواتب تعسفية.

وشهدنا اقالة رئيس وزراء وتعيين اخر.

وسنشهد طالما نذوت ثقافة القهر المزيد من القهر، وسنعلق أحيانا، ونمر مرار الكرام من المقهورين أحيانا، ونقهر ما استطعنا اليه من مقهورين قادمين كلما سنحت لنا الفرصة.

 

 

“المغلوب” كما يقول ابن خلدون ” مولع دائما بتقليد الغالب” …. وهكذا هو المقهور….كما في موضوعنا أعلاه، فلا غرابة بما جرى.55576622_10161618068985048_6459091348111753216_n

Leave a Reply