من “جن” حتى “وطن ع وتر”: هل الدراما الهابطة بمعزل عن واقع المجتمع؟

من “جن” حتى “وطن ع وتر”: هل الدراما الهابطة بمعزل عن واقع المجتمع؟

 

Unknown-2

أتساءل لم تغضبنا هكذا مسلسلات؟ لماذا تثير الرأي العام بهذا الحجم، على الرغم من انها بالنهاية عمل درامي قد يعجبنا او لا، ولا أحد يجبرنا على المشاهدة. فللمشاهد الحق دائما بتغيير المحطة، وعدم الاشتراك بنيتفليكس.

قد يكون كل من مسلسل “جن”، كما مسلسل “وطن ع وتر”، وجهان لعملة واحدة.  يعكس كل منهما فيما يعرضه، ويقدمه، مشكلة نعيشها، ونرفض التعامل معها، او بالأحرى نتنكر لها.

نحن مجتمعات محافظة، محترمة، متدينة. هذا ما نريد ان نعرفه عن أنفسنا ونقره ونعيشه. نريد مسلسلا او كتابا يعكس لنا كم نحن عظماء. كم نعيش في فضيلة. كم هي اخلاقنا عالية ومجيدة. نريد مسلسلات تؤكد لنا تمسكنا بعاداتنا الحنيفة، وديننا العظيم، واخلاقنا الحميدة.

ولكن كيف لنا ان نفعل هذا؟

المسلسلات على الأقل، تجسد لنا رؤية درامية نستطيع ان نختبئ من خلالها، وراء فكرة انها ليست حقيقية. مجرد طفح خيال لكاتب ما، وجنون مخرج. نستطيع ان نهرب وراء المسلسل ونلوم المخرج والمنتج والممثلين. نستطيع ان نتنكر لما هو في المسلسل من أفعال لا نريد لها ان تشبهنا، ومن قيم تغيب عن ادعاءاتنا للقيم، ومن اخلاق منحلة لا نريد ان نكون موصومين بخللها.

ولكن ردة فعلنا تفضحنا. نجسد بها مبدأ “اللي ببطنه عظام بتقرقع”!

قبل مدة قصيرة اثير الرأي العام على مسلسل “وطن ع وتر”، لما فيه من مصطلحات نابية والفاظ خارجة، وسلوكيات سيئة الطابع. صياح وعنف وقلة احترام.

وفي اليومين الأخيرين، نسينا كل همومنا ومشاكلنا والمصائب التي تتهاوى علينا. نسينا فساد الحكومة والتسريبات التي كانت تشفي حس نميمتنا. نسينا صفقة القرن التي لا نعرف منها الا اسمها. نسينا المستعمرات والشوارع التي تشق من تحت ارجلنا وهدم البيوت والأسرى والشهداء. لم نتوقف حتى لبرهة امام محصلة خسائر مسيرات غزة يوم الجمعة. لم نهزأ من تصريح وزير ولم نتهكم من تسريب لفساد جديد. مررنا مرور الكرام من تصفية جديدة من قبل وزير المالية بمساواة ضريبة الدخل وتخفيضها الى ١٠ بالمئة بدل ٢٥، وذلك ليسهل حياة الأغنياء أكثر ويجعلهم أقرب واقعية ليربوا أبناء كما في مسلسل “جن”.

انشغلنا بمسلسل “جن” والقبلات التي رأيناها والكلمات النابية التي تم استخدامها، وانشغال مراهقي المسلسل بالجن.

كيف لكاتب عاقل ومنتج ومخرج وغيره ان ينشغل بهكذا تفاهات؟

كلنا هجمنا على مصدر المسلسل وشككنا بالنوايا وشجبنا بسخط الاقتراب من تاريخنا وعاداتنا وتراثنا واخلاقنا.

فنحن شعب لا نقوم بهكذا أفعال.

ابناؤنا بلور لا يخدش.

مدارسنا منابر للعلم.

بيوتنا مهد الاخلاق.

العالم كله يسير من تحت ارجلنا ويمر عنا ونحن لا نزال نرفض ان نتماهى مع الواقع.

ننبذ المدارس الخاصة\الاجنبية ونجوع أنفسنا من اجل ان يحصل أبنائنا على فرصة للتعليم بهكذا مدارس، لأننا نصبو الى حياة تشبه هذه التي رأيناها بالمسلسل. فالمدارس هذه لا توفر فقط لغة انجليزية تجعل الطالب يلوي لسانه بلكنة أمريكية وتعوج لغته العربية وترخيها لدرجة تشعر بأن لسان المتحدث وصل الى الأرض. ولكنها تقدم ما بين اللكنة الإنجليزية واعوجاج العربية طريقا اخر لا يمكن الا يمر به الطالب. طريق حافل بتجارب يخوضها الأبناء بلا رقيب ولا رفيق، الا ثلة الزملاء الذين يعيشون في فقاعة النخب التي ركزت على المال وما ينتج عنه من بيوت وسيارات ورفاهية حياة، تركت التربية للخدم في البيوت والمعلمين في المدارس.

هل تفاجأنا بأن الطلاب يتبادلون القبل؟ بأنهم يمارسون الجنس في عمر المراهقة؟ بأنهم يسكرون ويحششون؟

ماذا نعتقد عندما نترك ابناءنا في الحلقات الليلية من النوم خارج المنزل عند فلان وعلان. عندما نترك الأبناء لحفلات البيجاما والبونفاير واعياد الميلاد التي تبدأ عند منتصف الليل؟ مادا نتوقع؟

كم حالة حمل واجهاض عرفنا عنها في المدارس؟

كم نعرف كم تداول المخدرات بين طلاب المدارس؟

وهذا لا يقتصر على المدارس هذه التي خرج منها أبناء “الجن”. المدارس العامة لا تختلف اطلاقا، الا بالشكل الخارجي. فكم مرة نمر من طالب لا يتجاوز عمره ال ١٣ سنة (وفي حالات كثيرة أصغر بكثير) وهو يدخن امام باب المدرسة صباحا.

هلا سمعتم عن البقالات التي تبيع أنواع المخدرات الرخيصة بجانب بعض المدارس بين جود لاك وغيرها من مسميات؟ بيع السجائر فردية للطلاب؟

نعم هناك عالمان ينتمي لهم المجتمع بين نخب غنية وبين طبقة عاملة كادحة.

الكل ملهي بتوفير الأفضل لابنه ناسيا ان الأبناء يحتاجون الي تربية في البيوت.

لم يعد هناك حوار بين الاهل والابناء. الاهل مجرد صراف الي للابن الذي يريد ان يشتري ما رآه بالأمس مع زميله. والاهل يريدون توفير كل ما يستطيعون للابن لكيلا يعيش بحرمان او يشعر به.

والابن فعليا يعيش بحرمان أكبر من حرمان شح الأموال والمقتنيات بكثير، وعليه يعيش بوحدة مطلقة تجعله تدريجيا غريبا عن بيته.

هل تفاجأنا من استخدام الالفاظ النابية من قبل البنات والشبان في المسلسل؟ لندع التفاؤل لان معايير اللا والنعم التي نقدمها لأبنائنا حتى عمر الخمس سنوات تتغير. هؤلاء مراهقون يكبرون بلا رعاية حقيقية الا من المال.

احداث المسلسل بالرغم من كل ما يمكن ان يقال عن رداءة نص او حبكة درامية او تمثيل او غيره، واقعية للغاية، تحدث يوميا في مدارسنا الخاصة منها تحديدا. تلك المدارس التي تجعل الطلاب يعيشون في فقاعة استثنائية خاصة لهم، والامثلة نراها امام اعيننا.

في المقابل، باقي الشعب لا يختلف عما يبثه مسلسل وطن ع وتر، بلطجة وانعدام للذوق العام وقلة احترام للكبير والصغير.

صباح هذا اليوم تم حرق ٣ منازل في مدينة يطا بسبب شجار بدأ مع أطفال وانتهى لتبادل اطلاق نار من قبل العائلة المتشاجرة، أدى الى مقتل رجل خمسيني. ونستغرب قلة الاحترام التي يعكسها لنا عماد فراجين بأعماله؟

تزعجنا الكلمات النابية…. لنصحو قليلا وننظر حولنا. لنتطرق السمع قليلا لأبنائنا بينما يجلسون مع اقرانهم.

لنستمع قليلا لأبنائنا عن يومهم في المدرسة.

هل نعرف شئيا عن أبنائنا؟

هل نعرف مع من يتكلمون ومن يصاحبون ومع من يخرجون؟

هل نتحكم بأن نلمس اجهزتهم الخلوية؟

المشكلة ليست بهذه المسلسلات، المشكلة بنا نحن الآباء. نترك ابناءنا ونمسك بتربيتنا من خلال مقتنيات وتوفير فرص أفضل للمستقبل، ونترك تربيتهم للمدرسة والشارع.

فما الذي نتوقعه؟

نستغرب؟ نتفاجأ؟ نغضب؟ ونرمي جمام غضبنا على عمل درامي، ونلومه على افساد المجتمع؟

هذه المسلسلات تعكس واقع حقيقي معاش. ليس استثناء (مع الأسف)، ولكنه واقع يمر من تحت ارجلنا ونتغاضى عنه. نعرف جيدا اننا نعيش بمبدأ “ستر الله” بينما لا نعرف عن أبنائنا شيئا. لا نسمع، لا نتكلم، ولا نرى. نتغاضى طالما لم تقتحم مصيبة امان بيتنا.

هذه المسلسلات لم تفتش عمدا عن السلبيات وخرجت لنا بها. لم تفض علينا بما لا نعرفه، ولكنها اخافتنا. ضجت سباتنا. ارعبتنا. جعلتنا نفكر ماذا لو تسللنا الى سكون ابننا المراهق؟ ماذا لو فتحنا هاتفه، وماذا لو دخلنا المواقع التي يتابعها؟ ماذا لو حاولنا التكلم معه مساء؟ نحن اوصلنا أنفسنا لنكون اغرابا بالنسبة لهؤلاء المراهقين. يقفون ويقعون ولا ندري عنه الا إذا لم يسلم الله بستره.

المصيبة ليست ب “الجن” ولكنها بالإنس الذين يلبسون عباءات الفضيلة وهم عراة بداخلهم.

هل لنا ان ننظر الى أبنائنا ونتعلم من هذه المسلسلات الرديئة ونحسن من حياة أبنائنا؟

Leave a Reply