أزمة مقابر القدس: أين تبدأ مسؤولية الأوقاف وأين تنتهي؟

أزمة مقابر القدس: أين تبدأ مسؤولية الأوقاف وأين تنتهي؟

 

أثار مقالي الثاني بشأن موضوع المقابر بالقدس، ردة فعل تحولت إلى إثارة لم أكن اتوقعها.

أعرف ان هناك مشكلة، ومن اجل هذا تطرقت الى الامر اكثر من مرة على امل ان يقوم اصحاب الشأن في الحكومة والاوقاف بالتدخل.

أعرف جيدا، ان المقالات من هذا النوع ستسبب الازعاج والاستياء من اصحاب الشأن. وبالعادة قد تطالني الاستياءات من بعض ردود الافعال، ولكن ، بالمحصلة، فإن الهدف من المقال ليس التأكد من فرحتي او عكسها، ولكن “دق الخزان” على مسألة تهم الشأن العام تستحق التوقف عندها والتحرك من اجل ايجاد حلول ووضع اصحاب الشأن امام المسؤولية.

لم تكن الطريقة المثلى من قبل اصحاب الشأن من جهة الاوقاف، التوجه الى عائلتي “لتصويبي” ، بالنهاية فلقد قارب عمري الخمسين سنة، ولم اعد في عمر ينفع فيه كثيرا تصويب امرأة ليست بالقاصر. الا انني وجدت بالامر فرصة بعد الحديث مع الاخ مصطفى ابو زهرة مسؤول لجنة المقابر بالقدس، من اجل فهم الموضوع من وجهة نظره. فلقد اصر على فكرة وكررها بأنه من واجبي التحري ، وهو طبعا صادق، وكان من الاجدر ان ارى كم الامور الايجابية التي تقوم بها الاوقاف في المقابر. عند زيارتي السابقة للمقبرة، لم ار ما يجعلني انظر للامور بأي ايجابية، فالقذورات تستقبلك على طول الطريق والاشواك في كل مكان، والكثير من شواهد القبور مكسرة. ولكني ،وبينما كنت استمع للاخ مصطفى تيقنت انه هناك بالفعل حاجة لأرى الامور من عيونه لافهم بالفعل ما يحاول ان يوصله لي. واتفقنا على موعد قريب، وكان.

انتظرني الاخ مصطفى ابو زهرة بعد صلاة الظهر ،وقام بجولة مهمة للغاية من مدخل مقبرة باب الرحمة. أراني ما لا تلاحظه عيني بالضرورة من اعمال كثيرة جدا من الترميمات على مستوى فتح الطرقات بين القبور وفي المعابر العامة، وهذا بلا شك مهم جدا ، خصوصا لمن يعرف المقبرة قبل عقدين، فكان من الصعب الدخول الى ابعد من بعض الامتار قبل سنوات. المظلات على مدخل المقبرة كما في وسطها مع مقاعد للاستراحة ايضا مهمة وتدل على وجود جهد متواصل.

كان هناك الكثير من المعلومات المستفيضة التي اخبرنا بها الاخ ابو الامين (مصطفى) عن المقبرة وتاريخها، فنحن نتكلم هنا عن اول واقدم مقبرة في فلسطين.تستطيع ان تفهم تاريخ فلسطين من خلال هذه القبور منذ الفتوحات الاسلامية حتى نكسة ال ١٩٦٧.  رأينا قبورا للصحابة مع بداية الفتوحات الاسلامية. مقابر فهمت منها ما هو للباشوات وما هو لحامل رتب مهمة. مقابر يمتد البعض منها من العقد الثالث الهجري حتى نهاية الحكم العثماني. اشارات وعلامات. رخام وحجر بمختلف خاماته على مر العصور التي مرت على المقبرة. شخصيات تاريخية ورمزية . صحابة واولياء. شهداء وابطال. اسماء لاناس مروا بتاريخ هذه المدينة وطبعوا في ذاكرتنا الجمعية والخاصة لنحمل من خلالهم ارثا نتحدى به ونواجه احتلال يريد ان يأخذ من التاريخ القريب ويشوه اصلنا بادعاءات جديدة لاجناس بعيدة عن المكان. في وقت حتى الحجارة في هذه المقبرة تشهد معنا ضد محاولات الاحتلال للنيل من هويتنا وذاكرتنا.

في المقابل، تكلم ابو الامين باستفاضة عن خطر لا يتوقف، يترصد بالمقبرة كما يترصد بالمدينة. فالمقبرة بتهديد دائم من قبل سلطة الاثار والبيئة التابعة للاحتلال. بالاضافة الى انتهاكات الشرطة وقوات الامن من اجهزة الاحتلال التي من الممكن ان تظهر مع اي حركة. الاوقاف من جهتها تحارب، ومنذ سنوات محاولات دائرة البيئة في سلطات الاحتلال التي حددت من مساحة المقبرة ومنعتها من الامتداد الى نهاية الارض. ناهيك عن مشروع التليفريك الذي كانت احدى قاعداته على تلة في المقبرة ، ولقد اجتهدت الاوقاف من اجل ايقاف سلطات الاحتلال.

اراد الاخ ابو الامين من خلال جولته هذه ، ان يثبت لي بأن القبور القديمة محافظ عليها. وان ما تم تداوله من سرقات خالي من اي صحة. اما بالنسبة لموضوع استخدام الاماكن ما بين القبور، فهو يرى بأن هذا العمل عملا عاديا في وقت تعاني به المدينة من ازمة قبور. فتعداد الناس في القدس يتزايد، وهناك مقابر لعائلات كبيرة شاسعة ممكن استخدام الفراغات لتلبية احتياجات الناس.

الحقيقة انه لا يمكن عدم فهم وجود مشكلة. هناك بالفعل مشكلة حقيقية. فقبل ثلاثين سنة كان عدد السكان لا يتجاوز المئة الف، وكان هناك ثلاث مقابر واسعة. اليوم هناك اموات لتعداد سكاني اكثر من  ثلاث مئة الف شخص بنفس المقابر الثلاثة. فما الحل ؟

هل من الطبيعي اخذ المساحات الفارغة بين القبور واستخدامها لميتين جدد؟

لم استطع ان اتقبل المنطق من هذا ، فالامر بالنسبة لي كمن يأتي الى بيتي ويقرر ان يأخذ البلكونة او الممر لأنني لا استخدمه.

نعم، ان القبور ليست ملكا للاشخاص، ولكن للاوقاف. ونعم من الطبيعي ان يكون هناك وفاق من قبل اصحاب القبور مع الاوقاف بالتعاون في هذا الامر. فلربما لو استشارت الاوقاف اصحاب القبور بالامر لتفهموا. ولكن اتفهم موقف عائلة لا تقبل ان يتم خلق قبر بين قبورها بالعموم.

من جهة لا استطيع الا اثمن المجهود العظيم الذي يقوم به رئيس لجنة القبور .-ـ فالاخ مصطفى ابو زهرة رجل تعدى السبعين سنة من عمره ، وفي كل مرة اتذكر من جديد جهده ومشيه بين القبور محاولا بكل اخلاص ايضاح ما يقومون به من جهد، اشعر بالحزن. لأنه في المحصلة هذه ليست مسؤولية يجب ان تقع على عاتق رجل بعينه. هناك حاجة لتدخل مؤسساتي بأعلى المستويات للدعم ـ  ولا يمكن عدم رؤية كم الحاجة للاستثمار في ترميم وتصليح وتأهيل المقابر . ولا يمكن عدم فهم كم الضغط الذي تمارسه سلطات الاحتلال من اجل الاستيلاء تدريجيا ومنهجيا على المقبرة . ولا يمكن عدم فهم الضغوطات التي يضعها الناس من اجل ايجاد قبور لموتاهم.

ولكن هل معنى هذا السكوت عما تسميه الاوقاف بعض التجاوزات؟

المشكلة فيما يمكن تسميته تجاوزات اكبر من خلل وتعدي على قبر يمكن اختلاف وجهات النظر على احقية استخدامه او عدمه. لأن هذه التجاوزات تتسبب في خلق ازمة اجتماعية، جعلت اصحاب القبور القدامى امام حالة حنق من الجيران الجدد من الاموات الذي حصلوا على هذه الاماكن من خلال الشراء ، اي اصبح المكان من حقهم الشرعي.وحالة حنق من قبل اصحاب القبور الجدد الذين يرون في وجودهم في تلك الاماكن حقا مكتسبا عن طريق الشراء. وبالحالتين يتوجه الحنق صوب جهة الاوقاف المسؤولة عن العمل. كل هذا امام عدو يترصد لكل خطوة من اجل ايجاد فرصة للاستيلاء على المكان.

انكر الاخ ابو الامين (مصطفى) والعاملين معه بالمقابر جملة وتفصيلا ما سمعوه وما تناولته بمقالي عن موضوع السرقة والتعدي وتغيير معالم المقبرة. وعندما ذكرت لهم الاسماء التي اعرفها ووصلتني بتفاصيل محددة، اكدوا ان ما حصلت عليه من معلومات كان غير صحيح.

في ردي امامهم، قلت انه من الواضح ان الناس يخافون. وسألني احد الاخوة العاملين مازحا، والذي كان بالفعل مرافقا طيبا مع الاخرين طيلة الثلاثة ساعات الماضية ان كان قد استقبلني بالذخيرة والموليتوف. توقفت كثيرا امام ما هو اسوأ من الذخيرة على حسب اعتقادي بما جرى معي بعد العشر دقائق الاولىمن دخول المقبرة بصحبة الاخ ابو الامين، عندما ظهر رجلا يلبس زيا برتقاليا ببنطال قصير وقبعة بينما كان الاخ ابو الامين يشرح لنا عن تفاصيل متعلقة ببعض القبور ليقترب الرجل مني مناديا : حرحش. ظننت انه قد يكون مدمن مخدرات عابر بالبدء. واستغربت ان أنه يسأل عني بالاسم. اثار الرجل في الثلاث دقائق القادمة موجة من الرعب جعلتني افهم تماما ما يجري مع الناس عندما تختار عدم المواجهة. بدا الرجل غاضبا وصار يتكلم بتهديد ويسأل اسئلة فارغة متهما لي بتهم لم افهمها، بمسبات، بينما حاول ابو الامين والاصدقاء المرافقين معي بابعاده عني. كان الرجل هائجا وكأني قتلت له قتيلا. ولم يتوقف عن السب ،  وكان هناك حاجة لثلاثة رجال ليبعدوه ، وهدد بأنه سيقوم باستدعاء شباب البلدة كلهم في لحظات. والاهم انه كان يصورني بينما كنت اصور ما يحدث مهددا بنشر ما يصوره لي وفضحي امام الجميع!

دقائق من البلبلة والرعب بكل معنى الكلمة، لم تبق شتيمة لم يقلها . وطبعا ما اسهل الشتائم عندما يكون الهدف فيها امرأة.

لم افهم لما، ولكن عرفت انه احد العاملين بالمقبرة. هذا الرجل لم يتوان عن الاعتداء علي بينما كنت بصحبة المسؤول عنه. ما الذي كان من الممكن ان يفعله هذا الرجل لو كنت لوحدي.

هل من الصعب فهم لم يختار الناس ان يسكتوا؟

حاولت نقل ما رأيته وما حدثني عنه الكثيرين من المتضررين من موضوع القبور. بينما كنت احاول التشديد على فكرة اهم من التراب والجثة التي تتوارى تحته ، بأن هناك ذاكرة شخصية وعامة تتعلق بأمر القبور. هناك موضوع هوية وطنية قد تكون المقابر احدى محاورها الاساسية في المستقبل. فنحن نرى ونعيش كيف يحاول الاحتلال على مدار العقود بالتنبيش بما هو تحت الارض وفوقها ، ولم يترك حجرا الا حاول اقتناس فرصة نسبه لتاريخه. فالقبور هذه بماضيها ومستقبلها تشكل بطاقاتنا الوطنية في شكل هذه المدينة . علينا ان نكون اكثر وعيا بينما وصل العدو الى نبشه بالدي ان اي الخاص بنا ، فالقبور ليست مجرد مكان نأوي فيه ميتا.

وعلى الرغم من وضعي المسؤولية المباشرة على الاوقاف، الا ان الاوقاف لا يمكن ان تجد الحلول لوحدها. هناك واجب شعبي علينا بالمحافظة على نظافة المكان والمساعدة بتأهيله. فلو قام كل مقتدر وصاحب قبر بتخصيص مبلغ من المال للتنظيف والرعاية والزيارة . لو قامت المؤسسات المجتمعية بعمل نشاطات للشبان والاطفال بتنظيف المكان. نستطيع بهذا ان نساهم ونساعد الاوقاف بمهمتها الصعبة. ولكن هناك ما هو اشد اهمية ، وهو وجوب ايجاد حل حقيقي لمشكلة القبور. فلو افترضنا انه امكن استخدام كل المناطق الفارغة بين القبور، فهل تحل المشكلة؟ الجواب قطعا لا. هناك حاجة لتوفير مقبرة جديدة لان اعداد الناس تتزايد. فمن المؤسف ان نصل الى مرحلة نقاتل فيها من اجل ايجاد مكان لاخرتنا.

وهنا يخرج سؤالي من الاوقاف الى السلطة الفلسطينية. ما المطلوب من الاوقاف فعله في ظل تزاحم المقابر وعدم سعتها للمزيد من الموتى؟

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Join the Conversation

2 Comments

  1. لمحاسن الصدف انني كنت متواجد في المقبرة عند تهجم هذه الحثالة على احدى النساء ولقد أخبرت من قبل الزوار بان اسمه فادي الرشق وهو ممن يقومون باستباحة القبور وبيعها وايضا بيع جثث الأموات للمستشفيات الاسرائيلية ويقبض الأموال الباهظة … ولقد المني ما سمعت من شتيمة بحق ال حرحش الكرام ويجب عليه الاعتذار عن فعلته هذه وطرده من هذه المقبرة لكي يعيش الأحياء والأموات بسلام من دون هكذا حثالة.

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: