غياب القانون وسيادة “القيادات”

 

 

منذ أيام والشعب مشغول ما بين رام الله والقدس بقضيتين: تشحيط واغلاق الشوارع بسبب فرح ابن قاضي قضاة فلسطين ،مستشار الرئيس الفلسطيني، محمود الهباش، وتسريب بيوت جديدة من الصوانة الى سلوان.

بين القضيتين تفاصيل بها قضايا مرتبطة كثيرة، ينتهي تحليلها وفهمها في عبارة واحد : السيادة لقيادة تغيب (مع تشديد الياء) القانون وتكرسه لمصالح عوائلها واعوانها .

الحقيقة انه لا يمكن تجاوز ما تم تداوله من مقاطع لموكب فرح ابن الهباش، لأن المشهد كان بالفعل مرعب، لم يعبر المشهد عن فرحة بقدر ما عبر عن “عربدة” وكأننا في ثمانينات الافلام الهوليوودية بتصوير في مانهاتين. ما كان ينقص بالمشهد هو مغني راب يلبس المجوهرات المرصعة يقفز فوق السيارات ، ولكن لم يكن هناك داعي ففي سهرة العريس التي كانت بالفضاء العام كذلك، قدم المغني عرضا مشوقا في “التسحيج” للعائلة السلطوية العظيمة من الاب الى الابناء.

بين قصص عائلة الهباش، خرجت قصة تم التعتيم عليها بشده بشأن مداهمة شرطة مكافحة المخدرات، لمنزل ابن اخر للهباش بقضية مخدرات تم التعتيم عليها على الفور، وتدخل ابنه الاخر (العريس) الذي يشغل منصب وكيل نيابة باغلاق الموضوع وتكتيمه فورا. عائلة الهباش تملأ الساحة الشرعية والقانونية ، فبيد الاب زمام الفتاوى، وهناك ابنة قاضية تشرعن اذا ما تمت الحاجة لها وابن في النيابة. الحقيقة، لا اعرف كيف تصور عقل شرطي ان يداهم منزل ابن العائلة السيادية… المكسين يظن انه يعيش في مسلسل تركي.

لا أظن أن هناك حتى داعي لإثارة الموضوع، فلن يجري تحقيق ولن يتغير أي شيء. سيعاقب من تجرأ على المساس بالسيادة العليا. واشكاليات الهباش منذ مواكبه الشخصية التي تغلق الشوارع صباحا ومساء اثناء عبوره وقضية العفش الذي اشتراه قبل سنوات لبيته بدلا من وزارته وبدلاته الفاخرة وساعته المرصعة وتسريبات الحوالات البنكية لم تؤد الا تقربه اكثر من السيادة الاعلى. فالفاسد في هذا البلد يعلى شأنه اذا ما تم كشف امره، وتتم ترقيته اذا ما فضح. وليست قصة الهباش الا قصة واحدة ضمن قصص كثيرة تعيد نفسها وتتكرر بأسماء جدد لوزراء واصحاب مناصب وتعيد نفسها تحت مسميات التنظيم والولاءات والتسحيجات التي تسمح للمواطن العادي ان يقرر اغلاق شارع من اجل فرح او حفل لشخص يرى نفسه بحجم الوطن.

وفي القدس بالمقابل، معارك اخرى تنهي معالم المدينة المعهودة، نحو واقع جديد مؤسرل ومهود، بأيدي فلسطينية بالخفاء وتنديد شعبي بالعلن. وشعب يردد بانفعال مع او ضد على حسب الحالة.

بينما كان موكب ابن الهباش يشحط، وانشغلت الشرطة وقوى الامن واستنفذ الحكومة باخراج بيان، كانت قوات الشرطة الاسرائيلية تقتحم بيوتا في القدس بصحبة مستوطنين يحملون اوراق ملكية لعقارات جديدة.

وكما انشغلنا في رام الله بتشحيط السيارة، وغبطنا لاصدار رئيس الوزراء منعا للتشحيط المستقبلي، انشغلنا بالقدس بصاحب العقار المسرب الذي قطعناه اتهامات وخونناه وبدأنا بإطلاق خناجرنا عليه من كل الاتجاهات. وثبتنا عيوننا امام مشهد واحد: عقار تم تسريبه،وصاحبه المجرم والمستوطن الدخيل.

لا يمكن الدفاع عن صاحب عقار تم تسريب بيته بدء، ولكن الامور لا تبدو بهذه السهولة من التفسير. فتعقيداتها تسهل علينا التمسك بهدف نجعله قربانا لاستيائنا.

المنزل الذي تم اقتحامه في حي الصوانه في القدس، ذكرني بتفاصيله التي طفت الى العموم بتفاصيل تسريب بيت عائلة جودة وشتية في القدس قبل سنة. مسكنا بأصحاب البيوت وتركنا المتهمين الحقيقيين.

تسريب البيوت في القدس لا تكمن معادلته ب: صاحب عقار  + مستوطن -= تسريب. المعادلة اعقد من ذلك بكثير ، فهناك : صاحب عقار (مأزوم يحتاج الى مال ليتخلص من عبء دين او مسؤولية تقصم ظهره يعيش في عقار  قد يفك عنه ازمته اذا ما عرضه للبيع ) + سمسار ( قد يكون قريبا من صاحب العقار يمثل منصبا او مركزا يجعله واسع الاتصالات ويده ممتدة بكل الاتجاهات وله اتصالات مع “جمعيات بالخارج”) + مستوطن ( جمعية استيطان ناشطة في شراء العقارات)= تسريب عقار.

المشكلة اننا نكتفي بظاهر الامر ولا نعبأ للتفاصيل التي صارت جلية.

قبل سنوات ، كان السمسار موجودا على شكل مستثمر عربي مع وكيل فلسطيني موجود في دولة عربية ما او قبرص او اليونان. يختفي تماما من الصورة بعد انهاء عملية البيع ليكتشف صاحب العقار انه وقع في شرك لن يخرج منه.

هنا، ومرة أخرى، لن اقول ان صاحب العقار بريء ، فعندما يقدم له عرضا بالملايين لعقار لا يثمن الا ببضعة مئات من الالاف في اعلى تقدير ، فلا بد من وضوح ان الموضوع ليس بموضوع سليم. يعني ان صاحب العقار يعرف من اللحظة الاولى ان العرض المغري لا يأتي من يد نظيفة. ويمكن القول في محاولة “استبراء” اصحاب العقارات ، ان السماسرة تطوروا في حيلهم وتخفوا في اشكال كثيره على مر السنوات، فالفضيحة الاكبر في سلوان كانت عندما تم الكشف ان السمسار هو احد الوجهاء الملتحين لجمعية اسلامية مرموقة في الداخل الفلسطيني ممولة من الامارات. فاصحاب العقارات غبنوا ببيع “اسلامي” يحارب التسريبات عن طريق تبرعات من اصحاب “الايادي البيضاء الخليجية” ، لنرى كيف تم وضع اليد بعد سنوات قليلة على اعداد كبيره من البيوت التي سربت تباعا عن طريق تلك الجمعية وهؤلاء “الشيوخ”.

هؤلاء لا يزالون شيوخا ووجهاء في مكان ما خارج سلوان. لم يحاسبهم احد ولم تطلهم اي تبعات وطنية في المحاسبة والمساءلة. استمروا من مواقعهم بتقديم “الخير” باسم الدين وتحرير القدس والاقصى بأماكن ولاناس سمعوا وعرفوا وتأكدوا ولكن لا يأبهوا … فمبدأ “طعمي الثم بتستحي العين” هو السائد.

نعاني من ذاكرة جمعية بحجم ذاكرة سمكة ، قد يكون تراكم الامور وتسارعها هو سبب. الانشغال بالامور الخاصة في محاولات عقيمة للبقاء صار هو الحال الغالب على الشعب. صرنا افرادا لا شعبا.

العربدة هي السائدة، وتهديد مباشر على الحياة، اذا ما نطقت بموضوع يمس مصلحة لمسؤول يتفشى غناه وجبروته بالبلد.

نريد حربا وهجوما لاذعا على ضحية نختارها قربانا، لتسكت ما يقض مضاجع ضمائرنا المتسترة على الواقع المعاش.

كما في تسريب حي الصوانة الاخير، هناك رجل تم انتقائه كبش فداء الجريمة ، بينما هناك سمسار اشرف وخطط وساهم وقبض هو المجرم الحقيقي يقف مع الجموع بطقوس الرجم على “البائع صاحب العقار”.

قصة بيت جودة وشتية لا تزال عالقة بالاذهان. سمساران واضحان معرفان لا لبس في جرمهما في تسريب البيوت. الا ان المجتمع اختار كبش فداه من اصحاب العقار المسرب.

العطاري يجول ويتحرك ويعطي تصريحات وكأنه رجل اصلاح ، لم نعرف ابدا ما الذي جرى بملف التحقيق الذي سمعنا انه فتح. لا نتائج تحقيق ترى نور. الا عندما تبدأ التسريبات بالظهور، ليتم تكذيبها والهاء الشعب بقضية تصبح هي الاهم مرة اخرى.

تسريب البيوت بالقدس ازمته ليست بصاحب عقار يبيع. ومرة اخرى لا اريد من كلامي ان يفهم بأن صاحب العقار بريء. فالطمع وعدم التحري والاستدلال هو سبب. ولا انكر ان العوز والفقر وسوء الحال والفساد المستشري بالمؤسسات هو سبب كذلك يجعل الانسان البسيط في زاوية خانقة لا يعرف كيف يتصرف والى اين يتجه. وموضوع “حاميها حراميها” هو سبب موجع اخر.

تبقى الشائعات هي السائدة في معظم الحالات، وعندما تظهر الحقيقة عن طريق تسريب يختبيء اصحابها وراءها خوفا على حياتهم. فالموضوع ليس مجرد اتفاقية بيع وشراء قذرة. فمن يستطيع ان يقوم بهذه الاعمال لا اخلاق ولا مبادىء تردعه. وثابت وراء اجهزة سلطوية تحميه.

الم يحن الوقت لنفتش عن السماسرة والذين يقفون وراءهم؟

هؤلاء هم المجرمون الحقيقيون.

هؤلاء هم المستمرون في بيع الوطن عقارات واراضي ومصالح. صاروا اسيادا علينا عن طريق مناصب تحميهم تزيد من نفوذهم واموال معطرة برائحة الدم ومغمسة بخيانات لن يغفرها التاريخ.

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: