Monthly Archives: October 2019

وزارة الثقافة تحت شعار الحفاظ على الموروث ترعى حفل الهالوين وتلغي عرض الرقص المعاصر برام الله …ونساء فلسطين “طالعات” بمسيرات من اجل المعتقلات

حراك “طالعات” أعلن مسيرات اليوم (٣١ تشرين الأول) من اجل المعتقلات في سجون الاحتلال. والحقيقة يجب ان ينتفض الشعب امام الاعتقالات المتزايدة لنساء ورجال وأطفال هذا الوطن يوميا، ليس فقط ضمن حملة ننتظر تنظيمها. الشابة هبة اللبدي مضربة عن الطعام منذ ما يقترب من الأربعين يوما، سامر العرابيد يصارع الموت من التعذيب، ميس أبو غوش وأسماء كثيرة تعتمها زنازين المعتقلات. وانتهاكات لحقوق المعتقلين لم نعد نهتم حتى لصراخهم، ولا نسمع نداءاتهم. المعتقلون يحاربون معركتهم بالسجون وكأنها شأنهم الخاص لا شأننا.

اليوم تحديدا، استقبلنا الصباح بالإعلان عن اعتقال الناشطة خالدة جرار من جديد. شأن المداهمات الإسرائيلية بين اعتقالات واغتيالات صار عاديا. العالم المستكينة على نفسها في بيوتها بمناطق السلطة “المحررة” تنهض من سباتها على صوت إطلاق نار وجيب عسكري ومداهمة أخرى لشخص ما.

أتساءل اين وزارة الثقافة من الفعاليات الخاصة بدعم هكذا حراك يعزز من خلاله ثقافة إعلاء صوت المرأة وثقافة المقاومة، بالتزامن مع ما يسمى باليوم الوطني للمرأة الفلسطينية. فلم تمر أيام عن احتفالات المقاطعة باليوم الوطني للمرأة، وها هي أحد رموز الحراك النسوي الوطني يتم اعتقالها من بيتها، واقتصرت التنديدات طبعا لتردد من قبل شخصيات اعتبارية بأحسن الأحوال على اعتقالها، وما من موقف رسمي يشجب حتى.

قد يتساءل البعض لم ازج بوزارة الثقافة في حراك شعبوي سياسي. الحقيقة انه كان قد استوقفني تصريح لوزير الثقافة قبل مدة يتناول الثقافة كفعل مقاومة، وتكلم فيها عن ادب المقاومة واهميته، كما قدم وزير الثقافة تصريح بشأن اليوم الوطني للمرأة، واصراره على استخدام مصطلح الموروث الثقافي الفلسطيني.  واليوم تحديدا، وبينما يستعد حراك “طالعات” للخروج في مسيرات، ترعى وزارة الثقافة “حفلة هالوين”.

يعني قد تكون مصادفات التاريخ السيئة هي سبب توقفي وتساؤلي عن دور وزارة الثقافة بهذا الصدد.

بالعادة انا لست ضد الفعاليات بكافة اشكالها، ومن المهم ان ترعى وزارة الثقافة مختلف النشاطات المرتبطة بالثقافة. ولكن ان نربط الهالوين بثقافة شعبنا فهذا امر عجيب. فما هو الموروث الثقافي الذي سيضيفه الهالوين لشعبا؟

قبل أسبوع وبالتزامن مع افتتاح مهرجان فلسطين الوطني للمسرح في رام الله، قرر وزير الثقافة إلغاء عرض لفرقة الامل للرقص المعاصر، بالحفل الافتتاحي، بحجة ان الوزير يفضل فرقة تراث بملابس لائقة!! هنا، يمكن ان يلقى منع الوزير للعرض ترحيبا في ظل التعصب السائد، فكلمة رقص تضع في مخيلة العقل الحالي خلاعة لا فن. وكلمة “ملابس لائقة” تستدعي التساؤلات الغامضة والمغرضة بالنفوس العفنة.  لم يلق الامر استياء عالي الصوت ولا تنديدا واسع الانتشار، لأن حرية التعبير في الأمور المرتبطة بالانفتاح على الفنون والثقافات غير التقليدية تضمحل وسط عنف فكري واجتماعي سائد.  ولا بد من التوقف هنا والقول ان اقدام وزير الثقافة بهكذا فعل يبدأ من الغاء عرض قبل ساعات محدودة من العرض ولسبب ما يراه هو لباسا غير لائق، غير لائق ابدا ان يكون تصرفا من وزير ثقافة. فثقافة المنع مرتبطة بوزير داخلية، وإقرار ما هو لائق من لباس يترك لفتاوي الشيوخ الكثيرة.

ولكن، ما هو الأخطر، إذا ما قررنا اننا لا نريد ان ندس ثقافات غريبة عنا؟ الرقص المعاصر، ام رعاية الهالوين؟

الهالوين هو عيد الأموات الذي تحتفل به أمريكا ودول اوروبية في مثل هذا اليوم من كل عام. لا يعرف المعظم عنه سوى الأزياء التنكرية والقرعة البرتقالية الكبيرة على شكل وجه يخرج منها ضوء.  وتختلف لمن يريد ان يفهم أصل هذا الاحتفال في تعريف نشأته، هناك اعتقاد شائع بأن الاحتفالات تعود إلى تقاليد كلتيه (مجموعة الشعوب التي تنتمي الى الشعوب الهندو- أوروبية) قديمة حسب بعض النظريات التاريخية. ارتبطت الاحتفالات قديما بمواسم الحصاد وجني المحاصيل، وما يتبعها من علاقة بين المواسم الزراعية والطقوس المرتبطة بالمجهول والقوى الخارقة. ويرتبط الاحتفال كذلك بمعتقد تجوال أرواح الأموات في هذه الليلة في محاولة للعودة الى عالم الاحياء.

يعني فكرة الاحتفال لا ترتبط بموروثنا الثقافي ولا الديني ولا الاجتماعي بشيء، على العكس فهي تعزز الخرافات والعادات الدخيلة. ناهيك عن الابتذال والابتعاد عن القضايا الأكثر أهمية لمجتمع لا يزال يعيش تحت احتلال.

في وقت تخرج فيه ناشطات ونشطاء طالعات بشعار اكيد ضد العنف الممنهجة والمباشر ضد النساء في مجتمع تسوده الذكورية وتحتكم فيه الابوية، وتنادي بالإضافة الى الحقوق الاجتماعية التي يترتب على خسارتها ظلم وقتل للمرأة، رفع الصوت من اجل المعتقلات في سجون الاحتلال ليكون صوت “طالعات” صوت وطني متكامل.  تمنع وزارة الثقافة فرقة رقص معاصر من الأداء على المسرح، وترعى حفل هالوين.

عمار يا وطن

الحملة المليونية للتبرع لمستشفى المطلع تؤكد ان القدس بخير بأهلها

في ظل ما يجري من إحباطات لا تكاد تنتهي حتى تبدأ أخرى، وسط انهيارات متراكمة في النظام البنيوي لل

سلطة، بات قطاع الصحة أحد مؤشراته الرئيسية، خرجت القدس بأبنائها لتسطر مرة جديدة الامل في النفوس، وللمرضى المحتاجين لعلاج لا ينتظر رحمة سلطة لا ترحم.

مرة أخرى قدم اهل القدس درسا مليئا بالعبر التي يتوجب الاتعاظ منها والافتخار بها. رسائل تؤكد ان القدس بأهلها تستحق ان تكون جوهرة هذا الوطن.

قبل سنوات قليلة، شكل أبناء القدس تحدي لكل ما يمكن ان يكون تحديا، في تشكيلهم لجدار بشري مانع للبوابات الالكترونية التي كان مزمع تركيبها على مداخل مسجد الأقصى على مدار أسابيع ثلاثة. في وقت تصدى أبناء المدينة من كافة الاختلافات الدينية والمجتمعية كوحدة واحدة أمام آليات الاحتلال المدججة بكل وسائل الاضطهاد والعنف والإرهاب. تجمع لصلاة واحدة. بموعد واحد، بوقفة واحدة، على الرغم من الاغلاق المحكم على البلدة القديمة، الا ان أبناء المدينة الابرار الاوفياء استطاعوا تجاوز الحواجز والصعاب للتواجد في لحظات احتاجت لهم فيها درة مدينتهم.  بينما انتظر الخانعون والمتواطئون من أصحاب السيادة على كافة المستويات والاعراق لحظة ينتصر فيها الاضطهاد بقوته العسكرية، ويكسر فيها صمود اهل المدينة البواسل. انتصرت القدس بأهلها حينها امام كل التحديات المعلنة والغير مدركة، لتؤكد ان الحق قوة ولا يضيع حق متمسك به مطالب.

قبل أيام وقفت القدس امام تحدي جديد، مس وجدان أهلها، وكسر القلوب، في مشاهد محزنة لمستشفى لم يعد يقوى على دفع ثمن الادوية لمرضى السرطان من أبناء وبنات الضفة الغربية وغزة، وسط تنصل علني ومخزي للسلطة من مسؤولياتها، وكأن القدس رميت لتنهش بين فكي الاحتلال والعوز.

القدس المدينة الأكثر فقرا من حيث الاحصائيات، والواقعة تحت شد الخناق من كل الاتجاهات وسط الانتهاكات والتشديدات والتضييقات ضد سكانها من فرض ضرائب ليس لها من سلطان، وهدم بيوت واشعارات غير منتهية من المخالفات وتنكيل لا يتوقف من سلطات الاحتلال، جعلت الانسان بالكاد يعيش من اجل تأمين قوت يومه ودرء الشر وسط اسرلة ممنهجة وتفكك للنسيج المجتمعي بينما تترك المدينة لمواجهة الاحتلال منفردة.

لم يتوقع المبادرون بإطلاق حملة التبرع لشراء الادوية لمرضى السرطان، من مجموعة محدودة من المتطوعات والمتطوعين، بأن ما يقرب على مليوني شيكل سيتم جمعهم خلال يوم واحد. عشرات الالاف من الشواكل جمعت حرفيا بالشواكل النقدية بين وحدات الشيكل والخمسة والعشرة. صناديق الادخار ـ الحواشات – الخاصة بالأطفال قدمت من أصحابها لتكون تبرعا لدواء مريض. مدخرات أمهات وأبناء وهبت من اجل شراء ادوية مرضى السرطان.

أطفال وشابات قدمن شعرهن بجدائل للمرضى.

فئات مختلفة من المجتمع هبت للتبرع لتقول في صوت واحد: لن نترك المرضى بلا ادوية، فالقدس أصل الخير.

قصص يفتخر المرء بسماعها لأطفال هرولوا لتقديم المساعدة. لشابات وشبان شكلوا لجان خدمات متنوعة لتسهيل عمليات التبرع وتنظيمها.

المتطوعات والمتطوعون تزايدوا على كافة المستويات بين تنظيم وتقديم خدمات وشراء ادوية وتوصيلات وغيرها.. مؤسسات مجتمع محلي مختلفة دأبت على مدار الأيام من اجل الضغط على أصحاب الحكومة في حملات توعوية مختلفة.

لا يمكن الا التوقف امام ما جرى بمستشفى المطلع على مدار الايام الاخيرة والانحناء احتراما لكل من تكاتف لينقذ الأطفال مرضى السرطان، بدء من مدير المستشفى الذي يشكل ما يمكن وصفه بالظاهرة وسط كم الفساد المستفحل في مؤسسات هذا الوطن (والذي لم ينج من اتهامات من يكرس نفسه “شبيحا” لنظام السلطة، فتدفقت البيانات المشبوهة التي تم تداولها على الصفحات الرسمية للجهات المسؤولية، لتشوه من الحقيقة متناسين ان ما يتم الخوض فيه هنا حياة مرضى سرطان ومحاولة الهاء الرأي العام بمعلومات مضللة). فلقد صار استثناء ان نجد مسؤولا يقف امام مسؤولياته بهذا التفاني، في وقت نشهد يوميا انعدام الإنسانية بالمستشفيات الفلسطينية تحت حجج عدم وجود موارد واموال توفر اسرة وخدمات. في نفس الوقت، بينما تتحجج السلطة بشح الموارد المالية، نرى ارباب السلطة من رئيس، ورئيس وزراء، ووزيرة صحة في افتتاحات لمرافق صحية “خاصة” جديدة.

لا يمكن كذلك عدم التوقف امام ثقة المجتمع الفلسطيني المتمثل بأهل القدس، بإدارة المستشفى، مما جعل عملية التبرع تزداد وتتوسع بلا تردد.  فالمتبرع يعرف جيدا ان الأموال ستبذل في صرفها من اجل خير المرضى واحتياجاتهم. والاهم مشهد الشفافية ما بين القائمين على الحملة وإدارة المستشفى، حيث تم تفعيل تشاركية في صنع القرار وكيفية استخدام الأموال لشراء الادوية، كما الشفافية في عمليات التبرع وتوثيقها.

من المهم ذكره في هذا الصدد، ان ما حصل من تبرع كان بذلا حقيقيا فيما نسميه “لله”، لأن اهل القدس لا يحتاجوا ولا يستخدموا بالضرورة خدمات المستشفى للعلاج لأنهم يتبعون في تغطية الخدمات الصحية للنظام الصحي الإسرائيلي. هرولة المتبرعين والمهتمين الى المستشفى ومحاولات الضغط على الحكومة الفلسطينية على كافة المستويات المجتمعية، أدى بالنهاية الى تجاوب السلطة مع مطالب المستشفى والاتفاق على تسوية مرضية للمستشفى، بعد ان كانت الوزارة المسؤولة قد أعلنت نيتها تحويل ٢٠ مليون شيكل من أصل ٢٠٠ مليون.

بين عمل دؤوب على صعيد الإدارة والتعامل مع الازمات من قبل إدارة المستشفى متمثلا بمديرها الدكتور وليد نمور وزملائه، وبين حملة مجتمعية صادقة هادفة للتبرع، متمثلة بقيادة السيدة فادية فتيحة وزملائها من المتطوعين والمتطوعات، استطاعت القدس ان ترفع مكانتها مرة أخرى بناسها. بأهلها الحريصين على هذا الوطن، الغيورين، المنتفضين على الانسان الفلسطيني، متى استطاعوا.

الوطن بخير ما دامت القدس قبلته، وما دام أهلها ينتفضون للخير.

 

حل أزمة مستشفى المطلع ليست لدى وزارة الصحة ولكن لدى وزارة المالية ورئيس الحكومة

 

59376170_814495855600042_6574310391357112320_nلا تحتاج وزيرة الصحة بأن تضيف عبئا على أحمال وزارتها التي يتحول يوميا وضعها إلى الأسوأ. المشكلة طبعا ليست بالوزارة الحالية ولا بمن يترأسها، فالمشكلة متفاقمة تعيد تكرار نفسها على مدار العقود، بين غياب للكفاءات والاستثمارات البناءة، ومبدأ وضع الانسان المناسب في المكان غير المناسب في كل مرافق السلطة وتفشيه، ولكن تتجلى مأساويته عندما يتعلق الامر بالصحة، لأن الاستهتار واحتقار حياة الانسان الفلسطيني تصبح على المحك.

أزمة مستشفى المطلع تتعلق بعدم التزام وزارة المالية وبالتالي رئاسة الوزراء بدفع ديونهم المتراكمة لصالح مستشفى المطلع على مدار سنوات، وصلت الى مئات الملايين.

تراكم الديون هنا، هو تنصل السلطة من دفع ديونها لمستحقيها وهو مستشفى المطلع. هذا طبعا بالإضافة الى تنصل السلطة بما عليها الالتزام به بشأن المستشفيات في القدس في هذا الصدد.

قامت وزارة الصحة بنشر بيان توضيحي بشأن مستشفى المطلع تقترح من خلاله ان ” أي مريض لا يستقبله مستشفى المطلع في القدس، بسبب الازمة الحالية، عليه مراجعة دائرة التحويلات للحصول على تحويلة الى مكان آخر في مشافينا الحكومية او الخاصة.”

هناك استكمال للبيان يمكن الرد عليه بصفحات، ولكن لهول المصاب اكتفي بالفقرة الأولى من البيان.

والرد على الفقرة الثانية  المتعلقة بالديون:” أن ديون مستشفى المطلع متراكمة منذ السنوات الماضية، وتعمل الحكومة على جدولتها وفق الموارد المالية المتاحة، مشيرة إلى أنه ورغم الأزمة المالية الصعبة التي نمر بها، إلا أن الحكومة تعطي الأولوية الأولى لمشافي القدس فتقوم بتحويل مبلغ مقطوع بشكل شهري من فاتورة التحويلات الطبية للمستشفيات المقدسية ومن بينها مستشفى المطلع، لنحافظ على هذه المؤسسات الوطنية” بعبارة واحدة: جدولة الديون وفق الموارد المتاحة لا يجب ان تكون لغة وزارة صحة، ربما ما يجب عمله هو جدولة ماهية عمل ودور وزارة الصحة. .

 

 

في سياق سابق عن تدهور الوضع في مرافق الصحة الفلسطينية، ردت وزيرة الصحة دفاعا عن المستشفيات والنظام الصحي ( اثر المطالبة بإغلاق المستشفى الذي تورط بجريمة قتل الشابة اسراء غريب) أوردت في حينها ما يلي : ” تطالب الكاتبة بإغلاق المستشفى بدل مثلا أصلاح المستشفى وهي لا تعلم بان فلسطين ينقصها ٥٠٪؜ من أسره مستشفيات بما يتطابق مع المواصفات العالمية نسبه الى عدد السكان واكيد انها لا تعلم بان نسبه اشغال الأسرة بالمستشفى ١٥٠٪؜ واكيد لا تعلم بان قوائم الانتظار للمرضى تبلغ الى عام ٢٠٢١ ونحن بصدد تقييم ذلك واكيد لا تعلم بانه المشفى الحكومي الوحيد في منطقه بيت لحم وان من يرتاد المشافي الحكومية هم الطبقة الفقيرة والمحتاجة من ابناء شعبنا.”

قبل يومين انتشر فيديو بصوت وصورة والدة الشابة حنين هاني ادعيس التي توفيت في رحلة العذاب في المستشفيات الفلسطينية حتى حصولها على تحويله لمستشفى بالأردن. رحلة الشابة حنين ادعيس الى الموت بوصف أمها الدامي للقلوب والحارق للعروق إذا ما بتقى في هذه العروق دم جاري، يشبه وصف عذاب القبر وما يتبعه من عذاب جهنم لما نقرأه من تصورات بهذا الخصوص. حنين ادعيس عاشت عذاب ما بعد الموت إذا ما كان للعذاب وصف يمكن رؤيته وتشخيصه ولكن بينما كانت تنبض بالحياة. وصف الام المكلومة لما جرى بالمستشفيات الفلسطينية هو أكبر شاهد على ما يجري من انتهاك واستهتار لحياة الانسان تجعل موته وحياته سيان. لا بل تجعل من حياته طريق للموت المفجع من خلال المرافق الصحية الفلسطينية. حنين ادعيس لم يتم وضعها بالمستشفى بسبب عدم وجود الاسرة، وتم تعيين عملية لها بلا معرفة لما تعاني منه، استكشاف بفتح البطن، عودة الى البيت بانتظار عملية برابيج وإبر ملتصقة بجسمها. حمامات قذرة بل أدنى احترام لإنسان. جراثيم يمكن رؤيتها بالعين المجردة. ارجاع الشابة الى البيت بعد العملية وبرابيج في بطنها يسحب ماء او يرجعها!!! التهابات تتفاقم في جسد الشابة. رحلة الام الشاقة في استجداء طبيب الى اخر، من تشخيص الى اخر، من استهتار الى اخر، من استخفاف واحتقار للحياة الى اخر. أسابيع من المعاناة التي يمكن وصفها بانها رحلة بداخل جهنم. وكأن النظام الصحي الفلسطيني متعاقد مع ملائكة العذاب في الاخرة. وكأن الرحمة هي نقيض ما يقوم عليه عمل موظفي الصحة.

مرفق الفيديو: https://www.facebook.com/malkurd2/videos/10218662115641772/UzpfSTQ5NDg2ODU3NzI4MDQ4MToyMDc5MjU5NDkyMTc0NzA3/

 

قضية الشابة مرح العيساوي واصابتها بفيروس انتهت من بعده حياتها بعد التبرع بالدم. لم ترفق الوزارة حتى اللحظة حتى بيان توضيح بشأن بيانها السابق المتضارب المعلومات مقابل بينا عائلة المرحومة مرح العيساوي. قضية مرح العيساوي ليست قضية عائلة مرح فقط. هذه قضية رأي عام. التبرع بالدم موضوع عام. ما الذي جرى مع مرح؟ ما هي ظروف التبرع بالدم؟ اين الخلل وكيف يمكن علاجه؟ نحن نتكلم عن موضوع قومي. الشعب كله يمكن ان يتبرع بالدم، كما الشعب كله يمكن ان يأخذ الدم المتبرع به. ما هي الإجراءات المتبعة؟ كيف تصاب شابة في عمر الورود وفي مستهل عطاء حياتها بينما تتبرع بدمها؟

عشرات القضايا ان لم يكن المئات، تتراوح كما الأرواح المعذبة والمظلومة في سمائنا متوسلة إرساء الحق وتحقيق عدالة تحترم بها الانسان.

عن أي تحويل لمستشفيات فلسطينية في ربوع السلطة تتحدث وزيرة الصحة؟

عودة الى تصريح وزيرة الصحة. كيف تعرف الوزيرة مستشفى المطلع؟

نبرة اللغة المستخدمة تفيد بأن مستشفى المطلع ومستشفى هداسا في نفس الميزان من التبعية. وكأن المطلع تابع لمنظومة أخرى تقع في عالم اخر. علواااااه صار لسان الحال، لو تضم وزارة الصحة الإسرائيلية المستشفيات بالقدس الى مرافقها الصحية. ام هو بالأصل ما يتم التعامل من قبل السلطة الفلسطينية بشأن المرافق الصحية وغيرها في القدس.

بينما يحارب ويصارع وينازع ارباب هذه المرافق من اجل الهوية الوطنية، وهنا المرافق الصحية كمستشفى المطلع هو مثال ضمن عشرات الأمثلة. فما يجري بالمدارس والمعاهد، الجمعيات والدكاكين حتى، من استصراخ من اجل عدم ” اسرلة وصهاينة” المرافق المختلفة بالقدس، بينما تترك السلطة القدس ومرافقها وأهلها لتداس وتمضغ بين فكي السلطات الإسرائيلية، لتكون هي جزء من عملية صهر المرافق الفلسطينية ضمن إسرائيل.

“علواااااه” تبدو سلطوية وليست أهلية التمني. فلو ارادت مستشفى المطلع التبعية للمرافق الإسرائيلية لكان الوضع ممكنا وجيدا منذ سنوات. ان تأتي الوزيرة وتصرح بهكذا تصريح يؤكد ان السلطة الفلسطينية لا تريد ان يكون لها علاقة أصلا بالقدس. وكل ما نراه ونسمعه ليس الا إعلانات تعبويه فارغة، وهدر للأموال في توزيع المناصب. فوجود محافظ ووزير وما يتبعه من دوائر ومدراء وغيرهم بالقدس لا يختلف عن وجود شرطة جوية في السلطة.

ازمة مستشفى المطلع ليست كأزمة شركة الكهرباء ولا كأزمة الرواتب ولا غيرها من أزمات. آزمة مستشفى المطلع أقرب بأن تشبه بأزمة اموال المقاصة المستحقة للسلطة التي رفضت إسرائيل دفعها. أزمة مستشفى المطلع تتعلق بعدم دفع السلطة لديونها المستحقة للمستشفى مقابل التحويلات الطبية.

لا يمكن الوقوف عند مستشفى المطلع بدون الإشارة الى أهمية ما تقوم به المستشفى من اعمال وخدمات يمكن وصفها بالإنسانية أكثر من مجرد كونها طبية لمرضى الضفة الغربية وغزة. استطاعت مستشفى المطلع ان ترقى بخدماتها الطبية بما يحترم الانسان ويقدر حياته على مدار السنوات الأخيرة، بتجربة تستحق التقدير والدراسة من اجل التعميم.

انقطاع الدواء الخاص بمرضى السرطان بمستشفى المطلع ، سيؤدي الى ما يجب ان نسميه “مذبحة” بحق اكثر من ٣٠٠ مريض سرطان يخضعون للعلاج بالمستشفى.

أزمة مستشفى المطلع هي ازمة وطنية وإنسانية تحارب من خلالها المستشفى بطريقة غير مقصودة فساد منظومة السلطة وانحيازها الواضح ضد القدس من اجل تسليمها التدريجي والطوعي، بمرافقها لسلطات الاحتلال.

ازمة مستشفى المطلع هي أزمة القدس في مواجهتها للأسرلة والصهينة الممنهجة على مدار سنوات أوسلو.

أزمة مستشفى المطلع هي ازمة الكينونة الفلسطينية التي تحاول لملمة نفسها في نسيج واحد تبدده السلطة الفلسطينية كما يبدد بها الاحتلال.

 

 

محمد شتية: سنمنع جيش الاحتلال من اقتحام مناطق أ بأجسادنا.

حسين الشيخ: لن تكسرنا جرافات الاحتلال.

صائب عريقات متحدثا في مؤتمر جي ستريت الداعم لإسرائيل

ام ناصر حميد بعد هدم بيتها للمرة الخامسة: بإذن الله بهدهم وما بنهد

“اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح يوم الخميس، ضابط في أمن سلطة رام الله بمدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة “

“ام ناصر أبو حميد، ام الشهيد وام المعتقلين، يهدم الاحتلال منزلها في مخيم الامعري برام الله صباح الخميس للمرة الخامسة”

هدم البيوت في قلنديا يجري بهدوء وعيون أصحاب البيوت تنظر على مدار الأيام الاخيرة، وما من شجب او تنديد او حتى بيان يصف فيه الحال.

وام ناصر تقف نفس الوقفة التي لم يعد للألم في وجهها ملامح، ولم يعد للحسرة بعيونها تعبير. تقف وقفة ام الشهيد وام المعتقلين الشامخة الحاسمة لأمرها. فهدهم ابدا لن يهدهم.

اعتقالات صارت جزء من الاخبار اليومية. اجتياحات اعتيادية. جرف للأراضي الزراعية واعتداءات على المزارعين.

هل غريب او مؤلم او محزن هدم بيت اخر، او اعتقال اخر؟

هل يختلف الامر إذا ما كان البيت المهدوم هو بيت مناضلة كأم ناصر ام مواطن عادي يناضل من اجل لقمة العيش؟

هل يختلف الاعتقال إذا ما كان لفتى رمى حجرا او ضابط في شرطة السلطة؟

هل يختلف جرف شجر الزيتون او الاستيلاء على الأراضي؟

نعم يختلف، عندما نكون تحت حماية سلطة تعتش على وجودنا.

نعم تختلف، لأننا انقسمنا كذلك منذ مدة على أنفسنا وعلى معاييرنا وعلى ما يجمعنا ويوحدنا. ومع ذلك يبقى الخطاب الرسمي التعبوي امامنا، بينما التصرفات الرسمية على الأرض مغايرة.

نعم يختلف عندما تردد السلطة الشعارات الرنانة من اجل التحرر وتعبئ الشعب من اجل نضال او مقاومة كلامية وترك قوات الاحتلال تجول وتصول. تدمر وتقصف. تعتقل وتقتل. ثم يقولوا لنا بخطاباتهم الرنانة: لن نسمح لقوات الاحتلال المرور الا على اجسادنا. نقطف الزيتون ونأكل “القلاية” مع المزارعين وكأن الجد اعتيادي، وكأن قرار استيراد الزيتون من الاحتلال السارق لزيتوننا اعتيادي.

نعم … هم يمرون على اجسادنا نحن … لا أجسادهم هم… ولا أجساد أولادهم. بيوتنا وليس بيوتهم. صحتنا وليس صحتهم. انهيار ما تبقى منا …لبنائهم ولأبنائهم.

تحول مشهد الاجتياح والاعتقال والاغتيال لمشهد اعتيادي، كما تحول مشهد الهدم الى يومي. كما الاستيلاء على الأراضي الزراعية وجرفها وسرق محصولها. لا يأبه الاحتلال بقيادته او جيشه بأي ردة فعل. لأن ردة الفعل غير موجودة. المقاوم او الضحية واحد. وحيد في مقاومته كما هو وحيد في كونه ضحية. القضية قضيته هو، والمسألة مسألته، والهدم عليه، والقتل والاعتقال والاستيلاء على ارضه وضربه والاصابة تخصه هو فقط.

وان كان هناك حياة في الحارة او الحي او المخيم، فسيهب ابناءه ليثيروا بعض الاثارة ويدبوا بعض الفوضى في محيطهم وتستكمل الحياة دورتها بهم او من دونهم. بضوضائهم او بسكوتهم. باعتقالهم او اصابتهم او قتلهم او سرقة زيتونهم… ليكونوا مكسبا لهم على حساب شعب لم يعد يحتمل المزيد من الهم والغم والمصائب ما يمكنه من الاستمرار أكثر.

المصيبة تقع على أصحابها فقط، وتهرول الفصائل والشخوص العامة لأخذ صورة ولنشر بيان تعبوي اخر.

وام ناصر، ينصرها المخيم كما نصر المخيم ابناءه دائما. وسيخذلها الشارع وستخذلها السلطة التي ستستخدم مصابها لتروج لنفسها ولسلطتها الدوام.

السلطة تترك الشعب ليتم مضغه بين فكي الاحتلال من كافة الاتجاهات، بينما يقوم اربابها بشد الاغلال على الشعب من اجل المحافظة على الاحتلال. فدوام الاحتلال من دوامهم. الامن القومي الذي يحتاجه الاحتلال في شد الخناق على الحواجز بينما يمتد في مستعمراته ويشق وجوده من بين المدن والقرى الفلسطينية بشوارع عابرة للمدن. وسلطة تحافظ على امنها القومي من خلال حجب المواقع الالكترونية ومطاردة الشعب والزج بالمعتقلات وغرف التحقيق.

يتجولون ويوقعون ويتصورون ويلمعون في صورهم، لتعتد نرجسيتهم، ويزداد كذبهم وبطشهم، وبقائهم ما بقي الاحتلال.

اعلان للمقاطعة وتجويع للفقراء، بينما تمارس الصفقات فيما بينهم والاحتلال على قدم وساق.

صائب عريقات، يصدي صوته في مؤتمر جي ستريت الصهيوني القادم، مع “شخصيات فلسطينية اخرى، بينما تصدح صورته على صفحته الرسمية بشعار” وتعقدون الصفقات وتتآمرون على بيع فلسطين ثورة حتى النصر”، كما يتغنى المشاركون معه من “فلسطينيين” بالوطنية!

حسين الشيخ غرد قبل أسابيع قليلة ب: “تفعيل اللجان المشتركة لبحث كافة القضايا” مع الاحتلال، يغرد اليوم بأنه: “سيتم بناء بيت عائلة أبو حميد الذي هدمته قوات الاحتلال من جديد. لن تكسرنا جرافات الاحتلال ولن نحني امامه ولن نركع. إرادتنا أقوى من دباباتهم وجرافاتهم. والنصر لنا.”

لم تكسرنا جرافات الاحتلال ولم ننحن لها … ولكن انتم كسرتونا واحنيتم رؤوسنا.

لك الله يا فلسطين.

كيف صارت حياتنا كما تنبأ جورج اورويل برواية ١٩٨٤:

الحرب هي السلام

الحرية هي العبودية

الجهل هو القوة

من أم “مرح عيساوي” الى وزارة الصحة: بنتي الله يرحمها ولكن هل يمكن لموتها ان يكون سببا في اصلاح خللكم؟

 

” أكدت وزيرة الصحة التزام وزارة الصحة بتطوير تحسين صحة الأم والطفل في فلسطين من خلال تطبيق التغطية الصحية الشاملة معبرة عن فخر الوزارة بنجاح للسحل الالكتروني لصحة الام والطفل.”

يتابع الخبر: جاء ذلك خلال توقيع اتفاقية مواصلة الدعم لخدمات صحة الام والطفل في فلسطين بين الحكومة النرويجية ومنظمة الصحة العالمية.

صحة الام والطفل….

السيدة الوزيرة، قد يكون هذا مقالي الثالث على الأقل خلال فترة غير بعيدة، بدأ خطابي بمقتل الشابة اسراء غريب، وكنت قد وضعت تساؤلات بشأن تردي الخدمات الصحية التي أدت وتعاونت وتواطأت وكانت جزء من مقتل اسراء غريب. قضية اسراء لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، والقضايا منذ وفاة اسراء لم تتوقف. يمكن سردها بسهب ووجع وحرقة.

الحقيقة انني اعتبر وجود امرأة على رأس وزارة مهم لإيصال الخطاب، فبالنهاية يفترض ان المرأة قد تتفهم وجع المرأة الأخرى سواء كانت شابة ضحية قد تكون في عمر ابنة، وسواء كانت امرأة مكلومة فقدت ابنتها للتو.( بغض النظر عن الهفوات والاخطاء التعبيرية الذكورية التي سقطت فيها تعابير الوزيرة مؤخرا)

وارجو التنبه ان مخاطبة الوزيرة هنا يقع في خطاب الشخص العام وليس شخص الوزيرة الذاتي، فهنا الموضوع ليس موضوعا شخصيا ولن يكون، ولكن يترتب عليه بلا شك اعتبارات إنسانية لأنه إذا ما تجردنا من مشاعرنا الإنسانية في ادائنا لأدوارنا العامة فسيكون على هذه الدنيا السلام.

لم تتح لي الفرصة برؤية دموع الأمهات اللاتي فقدن فلذات اكبادهن من ضحايا الأخطاء الطبية والتستر على الاجرام الذكوري في قتل الانثى والأطفال والعنف، ولا ضحايا الإجراءات والانتهاكات الإنسانية بحق المرضى التي تنتهي بكل بساطة الى الموت.  ولكني بكيت بحرقة كل ام مكلومة وكل ابنة وكل صديقة وكل جارة لخسارة انسان كانت الحياة لا تزال مشرقة له وسحق وجودها خطأ او اهمال انساني طبي، وتواطأ على عدم حساب المسؤول وتستر على فقدان لم يكن قد حان وقته.

 

هناك ام فقدت ابنتها للتو.

ام مرح عيساوي. هل سمعت عن مرح؟

مرح شابة كانت في مقتبل العشرين من عمرها الذي انتهى بعد أن تبرعت بدمها في احدى محطات التبرع بالدم التابعة لوزارة الصحة- بجامعة بيرزيت-

مرح كانت شابة خدومة، نشيطة، صاحبة حس وطني عالي، تتدفق من عينيها الحياة، قبل ان يطفئها تبرع بالدم من اجل العمل الإنساني.

مرح فقدت حياتها وهي تحاول ان تقدم الحياة لانسان اخر.

إم مرح، كغيرها من الأمهات ارادت عمرا مديدا لابنتها، ارادت ان تفرح بتخرجها، وانتظرت ان يأتي نصيبها، قبل ان يخطفها الفايروس الملعون الى الموت. وكما ارادت البهجة لابنتها دائمة الهجة في حياتها، كل ما تريده اليوم الراحة لروح ابنتها الفقيدة.

الراحة في معرفة السبب. الراحة في توضيح حقيقة ما جرى. والراحة في انقاذ من يمكن إنقاذه نتيجة الاستهتار بحياة البشر. الراحة في تدارك الأخطاء وتلافيها لعل وعسى حياة انسان تنقذ.

ام مرح تريد ما ارادته مرح، الا تنطفيء شعلة حب الشباب للتبرع بالدم من اجل انقاذ حياة البشر.

 

لا أحد يعلم حتى اللحظة ما الذي جرى لمرح. ولكن هناك معلوم وحيد: مرح كانت سليمة للغاية حتى تبرعها بالدم.

ضحكاتها ومداعبتها بينما كانت تجلس على السرير من اجل التبرع بالدم تدوي بأذني بين طنين وترددات تسأل: بأي ذنب ذهبت من هذه الدنيا؟

تدهورت حالة مرح على مدار أيام متتالية وتم وضعها في غيبوبة لمدة أسابيع إثر هجوم الفايروس على دماغها، حتى أصيبت أخيرا بجرثومة بوحدة العناية الخاصة بالمستشفى (مستشفى هداسا).

سبب الوفاة علم،( وهو الفايروس الذي أصابها في اليوم الأخير بينما كانت بالعناية المشددة بالمستشفى)، ولكن سبب مرض مرح الذي أدى الى استفحال وضعها ودخولها في غيبوبة هو الاحجية التي بقيت تستدعي جوابا من قبل وزارة الصحة.

ردود وزارة الصحة منذ اعلان وفاة الشابة مرح العيساوي جعلت كل من يتابع الموضوع في حالة ريبة. وهنا انقل ريبة ام مرح، التي رفعت يديها الى السماء تسترحم ابنتها ولكن تسأل، ما الذي جرى وما الذي يجري عند التبرع بالدم؟

هل المشكلة بالإبرة؟

وهل المشكلة بالتعقيم؟

هل الامصال المستخدمة صالحة؟

وهل الاستمارات التي تعبأ من اجل التبرع بالدم تراعي حالات الناس الصحية؟

مرح كان دمها ١٢، ولقد اجري الفحص الخاص بالتبرع وسجل ان دمها ١٤. كيف لا تراعى الدقة بالفحص؟ كان جواب من قدم الفحص للام الثكلى: نحن لا ندقق، ممكن يكون زيادة واحد وممكن يكون ناقص واحد!

وكأي مواطن مخلص لوطنه، كانت عائلة مرح مخلصة في موضوع انقاذ حيوات أناس اخرون، كانت وحدة الدم ستنقل لهم. عندما عرفت العائلة بأن فايروسا أصاب مرح، حاول افرادها جاهدين الوصول الى بنك الدم لإعلامهم بضرورة التخلص من وحدة الدم التي تم التبرع بها.

عند وفاة مرح سارعت وزارة الصحة بنشر بيان تبرئ ساحتها من المسؤولية وتناولت عدة نقاط جعلت الرأي العام في ريبة وتساؤل: فكان هناك تناقض في فحوى البيان الذي ذكر ان اخ الفقيدة مرح اتصل بهم وأخبرهم ان مرح مصابة بفايروس، وتناقض في سلامة وحدة الدم بعد الفحص الاولي ثم إيجاد اجسام مضادة في وحدة الدم بعد الفحص الثاني.

في مقابلة مع المتحدث باسم الوزارة على تلفزيون وطن، قال ان الوحدة كانت غير صالحة من اليوم الأول وتم اتلافها.

التناقض بين ما جاء بالبيان المكتوب من جهة، والذي جعل من العائلة تصدر بيانا توضيحيا بما حصل بالضبط، والتناقض والمغالطات بين البيان المكتوب والمحكي يؤكد ان هناك ما تتستر عليه الوزارة.

في الأصل، لم يكن هناك اتهام للوزارة. كان هناك سؤال مشروع: ما هي الإجراءات المتبعة، ووجوب التحقيق وطلب تقرير التبرع والفحص الذي قيل انه اجري لوحدة الدم. بالنهاية هناك انسانة توفيت بعد ان تبرعت بالدم؟

كان من الواجب ان تقوم الوزارة بلحظة علمها بالأمر أولا، ووفاة مرح ثانيا، بالإعلان الفوري عن بدء التحقيق في هذا الشأن، ليس من باب تحميل الوزارة المسؤولية والتشكيك بها، ولكن من باب تحمل المسؤولية من الوزارة واخذ زمام الأمور لمعرفة ما جرى وتصويبه ان كان هناك خطأ ما.

ولكن، هب الوزارة الى موقف الدفاع عن النفس وابعاد الشبهات عن طريق وضع معلومات خاطئة ومغالطات يستدعي الشك والريبة والدعوة الى فتح تحقيق خارج نطاق الوزارة نفسها.

نحن نتكلم هنا عن أرواح ناس.

هناك أناس يموتون بسبب هكذا أخطاء او إجراءات.

ما هي الإجراءات المتبعة وكيف يتم التعامل مع المتبرعين؟

إذا ما صدقنا ان وحدة الدم المتبرع بها والتي تبين على حسب تصريح المتحدث باسم الوزارة الصوتي كانت غير صالحة وتم اتلافها، فلماذا لم يتم التواصل الفوري مع المتبرعة؟ يعني البديهي ان يفهم الانسان انه يذهب الى التبرع وهناك مواصفات أولية تستدعي اخذ الدم او عدم اخذه، وفي حالة الفحص الثانية إذا ما تبين خلل، يجب اعلام صاحب الدم، بالنهاية نحن نتكلم عن صحة انسان.

يعني، كان التصرف المسؤول هو تصرف عائلة مرح عندما حاولوا الوصول – وبعد جهد جهيد- الى الجهة المسؤولة عن التبرع لبنك الدم الفلسطيني واعلامهم بأن هناك خلل ما بوحدة الدم. الا يجب ان تتصرف الوزارة هكذا مع المتبرعين إذا ما تبين انهم يعانون من خلل ما؟

اين تقرير الوزارة بشأن وحدة الدم التي تبرعت بها مرح؟ تلك التي تم إتلافها ، وتلك التي تم إيجاد اجسام مضادة فيها؟

أسابيع مرت على وفاة الشابة مرح، ولم يصل العائلة رد من الوزارة بشأن التقرير المرتقب. لم نسمع كلمة من الوزارة عن الموضوع.

هل توقيع اتفاقيات باسم الام والطفل يعزز دور الوزارة وبالتالي يجردها من مسؤولياتها؟

باسم مرح التي تجول روحها حولنا باحثة عن جواب لخطف حياتها منها.

باسم ام مرح التي يعتصر الدمع في عينيها ويستعصي على النزول.

باسم كل انسان يتبرع بدمه وكله امل ان يداوي بدمه انسان ما.

باسم كل من يأتمنكم على حياته وصحته بانتظار دم نقي لإنقاذ حياته.

باسم كل ام تريد ان تفرح بابنها وابنتها

باسم كل اب لا يريد ان يثقل بهم يكسر الظهر ويحرق القلب

باسم الوطن الذي يستجدي الحياة

اتقوا الله بنا….

حياتنا وحياة أبنائنا يجب ان تكون أثمن ما بالوطن… فكفاكم هدرا لدمائنا.

نريد تقريرا وتحقيقا نزيها وصادقا وحقيقيا بقضية دم مرح.

 

لم نتحامل على وزارة الصحة؟ لأن النظام الصحي بمرفقاته هو المكان الذي يأمن اليه الانسان المحتاج حياته. المرافق الطبية هي الأماكن التي نذهب اليها من اجل الحصول على فرصة لحياة سليمة اذا ما توعكنا او اصابنا الم او مرض. فكيف تصبح المرافق الصحية كالمسالخ ( لا زلت اشعر بالاستياء وعدم التصديق لاستخدام متحدث وزارة الصحة مصطلح ” البعرة تدل على البعير” بمقابلته على تلفزيون وطن. هل هذا مصطلح يتم تداوله من متحدث بوزارة صحة؟).

 

 

حجب المواقع هل يحجب الواقع؟ سلطة تحجب نفسها عن الواقع

 

الحقيقة لا يمكن وصف ما يجري من تصرفات تخرج عن اركان السلطة المختلفة. كل يوم، ان لم يكن كل ساعة هناك مأساة تتفجر في وجوهنا. هل أصبنا بمناعة وعليه لم نعد نتأثر؟ لا اعرف.

في التجوال حول ما يجري من اخبار متلاحقة، استوقفني منشور يقول فيه كاتبه اننا في فلسطين لا نملك حس فكاهة، ويترتب هذا على فشل المنتج الفكاهي من البرامج المقدمة. فكرت بالبرامج الفكاهية الموجودة، ولكنني تأملت المشهد الذي نعيشه وقلت في نفسي، لماذا نصنع برامج فكاهية ونحن نعيش في قلب المسخرة. أي فكاهة ممكن ان تخرج من واقع صارت حقيقته مساخر.

لا أستطيع ان أقول ان قرار حجب المواقع الذي تعدى الخمسين موقعا فاجأني او اثار دهشتي. كنت للتو قد خرجت من هول حقيقة وجود شرطة جوية ووكالة فضاء فلسطينية، فهل استغرب حجب مواقع بقرار من نائب عام؟

الحقيقة ما استغربته وبجد هو سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه. نرى بالعادة كيف يسير الجسم القضائي والنظامي بإجراءات كمن يلعب كرة الطاولة، لا تكاد تعرف مصدر القانون وصاحب الصلاحية فيه حتى يرمي بك الى مشرع اخر صاحب صلاحية في امرك.

ومن جهته اعلن المتحدث باسم الحكومة بمطالبته للنائب العام بالتراجع عن قرار الحجب. يعني علينا ان نفهم ان النائب العام يتصرف من رأسه !!!!!

من جهة أخرى قرار مجلس الوزراء، لم يكن هذا الموضوع من أولوياته وتناول موضوع اكثر أهمية للمواطن بالإضافة الى مواضيع مهمة أخرى طبعا : “التنسيب إلى السيد الرئيس بتعديل المادة الخامسة من قانون الأحوال الشخصية لعام 76 القاضي بتحديد سنة الزواج ليصبح 18 سنة لكلا الجنسين، مع استثناءات يقررها قاضي القضاة.
التنسيب للسيد الرئيس بتعديل البند القانوني الخاص بحق الأم بفتح حسابات مصرفية لأبنائها القصر”..

 

مشروع تعديل قرار تحديد سن الزواج الذي لا افهم كيف وصلنا الى ان يتم الاستهانة بعقولنا الى هذا الحد، لا يزال يراوح بين توقيع رئيس الوزراء او الرئيس وبالعكس. الجماعة يتعزموا على مين يوقع القانون!

هل بالفعل لا يزال هناك أناس يزوجون بناتهم قبل ال ١٨؟ هل هناك حاجة أصلا لقانون؟ والاهم ان هذا القانون لا يزال يحتفظ بشق “الاستثناءات التي يقررها قاضي القضاة.”!!

نحن في هذا الزمن الذي تشكل فيه المرأة ما يقرب من نصف الايدي العاملة وبالتالي الدخل، ولا يحق للمرأة فتح حساب لابنها بعد؟

نحن نحتاج الى تفعيل قانون يجرم من يقتل النساء ويخرج بلا عقاب، ولا نحتاج لقانون يحدد سن الزواج. نحن بحاجة الى قانون يحاسب المجرمون ويحاسب المسؤولين عن دم الضحايا المهدور. إسراء غريب اين وصل التحقيق؟ مرح العيساوي كيف تدهورت صحتها بعد تبرعها بالدم وتوفت بعد ذلك؟ فادي المحتسب هل لا يزال مغتصبه طليق؟ ومع هذا، تبدو اعلى أسقف ما يمكن تقديمه للمرأة بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، والذي يتم الاحتفال به بالمقاطعة قريبا هو هذا القانون.

في لبنان، وبعد يومين على نزول الناس الى الشوارع قدم رئيس الوزراء ورقة بتخفيض رواتب الوزراء الى النصف وتعهد بإعادة الأموال المنهوبة.

في المغرب، وخوفا من ان تصل الشعب حمى الثورة في لبنان، أعلنت الحكومة عن مهلة لإرجاع الأموال المهربة الى الخارج.

في تونس يصرح الرئيس المنتخب بممتلكاته لهيئة الفساد.

في دولة الاحتلال الإسرائيلي يعلن نتانياهو عن عدم تمكنه تشكيل حكومة ( لا علاقة بهذا بثورة لبنان بالضرورة، ولكن له علاقة بنا اكيد).

وفي فلسطين تمر صور الاحتفالات اليهودية من رقص بالحرم الابراهيمي بالخليل مرور الاكارم. يعلن وزير الكيان الإسرائيلي عن قرب صلاة الصهاينة في المسجد الأقصى بعد النجاح الملفت بزيادة الزيارات الى الأقصى ولا تعليق حكومي بشجب او اعتراض او تنديد.

الخطة العنقودية الاقتصادية لرئيس الوزراء تلتف حول اعناق الشعب، فمع قرار استيراد العجول الأجنبية رفعت أسعار اللحوم.

الجرائم المتكررة بحق الشعب يوميا على كافة الأصعدة، سواء من قبل الاحتلال ضد المعتقلين، او من قبل السلطات الفلسطينية المختلفة بين مصائب ترتكب بالنظام الصحي والتعليمي والزراعة وغيرها بلا حساب ولا رقابة ولا قانون يردع، ومن ثم استسهال اتخاذ قرارات وتطبيقها ضد المواطنين وكأننا نعيش وسط مافيا لا وسط دولة قانون، هو المرعب.

في ظل ما نعيشه من عنف مستشري وبوادر ما يمكن ان يصبح حربا أهلية بين انقسام حزبي وفصائلي قد يتطور ليكون انقسام لكل شيء، ووسط حكومة تتصرف وكأنها عصابة تستطيع سن قوانينها وتبديد ما تراه من قوانين يبدو أكثر رعبا.

قد يكون الامر لا يحتمل الكثير من الجدية من قبل المواطنين بشكل عام، بالمحصلة، من يهتم اليوم لحجب موقع، فاذا ما حجبت موقعا انت بالفعل تقدم له خدمة بتوسيع رقعة انتشاره. وابجديات التكنولوجيا اليوم تستطيع ان تفك أي حجاب!

بعد قرار استيراد الزيتون من الاحتلال الإسرائيلي، هل هناك ما هو أكثر مأساوية؟

قد تبدو العبارة ساذجة، ولكن موضوع الزيتون هذا مفصلي. فلقد تعلمنا ان الأرض عرض. فالزيتون مكون لعرضنا كشعب. واستيراد ما نهب واستلب وسرق واغتصب من أراضينا ومن زيتوننا كمن يقبل بالمغتصب زوجا. ومن ثم علينا ان نهلل لصورة يقطف فيها رئيس الوزراء للزيتون! وكأن كل شيء تمام… استيراد الزيتون الإسرائيلي كما تسريب أراضي الدولة والخاصة امر لا داعي للكلام فيه!

حدث ولا حرج بالمصائب الكثيرة المتراكمة من فساد، لم نعد نحص اماكنه ومصادره ولكن نعرف فقط الى اين مورده.

ما يحزن – إذا ما كان للحزن مكان في وجود هكذا سلطة جعلتنا نكره حتى أنفسنا- ان ما يجري من قرارات وتصرفات سيادية على مختلف القطاعات من تنفيذية وقضائية وتشريعية – كلها غير شرعية طبعاــ تستهين وتسوق الهبل على المواطن وتتعامل معه وكأنه جموع اغبياء، مستمر ولا يتوقف. مما يجعل الانسان الذي بقي به بعض العقل يسأل: هل هؤلاء هم الاغبياء ام الشعب هو الغبي؟

لا اظن ان الشعب هو الغبي، لأن الشعب واعي جدا لما يجري. ما يوقفه أمرين: الأول وجود الاحتلال، والثاني تكبل معظم الناس بالقروض، والتعلق بطريقة ما بوظائف سلطة. يتابع الشعب الى  تجارب الشعوب الأخرى من ثورات ويتخوف من عقبى ربيع يتحول الى شتاء مغرق. يتخوف الشعب من قمع جديد مع قمع مستمر تحت الاحتلال. فكم من الضربات يستطيع المرء ان يتحمل؟

ولكن، أصحاب السلطة الذين يمارسون حياتهم على مبدأ البلاهة وكأنها عبقرية، والاستهبال كأنه مبدأ يشرعن فكرة رزق الهبل على المجانين.

الشعب لم يجن بعد…. ولكن احذروا غضب شعب قد يصاب بالفعل بالجنون كمحصلة …

 

الشرطة الجوية الفلسطينية ووكالة الفضاء الفلسطينية ونقابة النفط والمناجم: هل هناك فلسطين أخرى لا نعرف عنها؟

 

استثار فضولي خبر انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “مدير مهبط طو

باس يجتمع بمدير الدفاع المدني”، بعدما تنبهت ان الموضوع لم يكن مزحة. تبين ان هناك عميد طيران، وقائد شرطة جوية، ونقيب مدير مهبط. وفي بحث أكثر عمقا في صفحة الشرطة الجوية الفلسطينية تبين ان هناك مروحيات وصور لمهبط في جنين (لم ار طائرة ولا مهبط)، وهناك مناصب أخرى مثل مشرف المهابط، ونقيب الطيران، ملازم اول طيار، وملازم اول مراقبة جوية، وخريجين من الضباط وشهادات.

صفحة الشرطة الجوية الفلسطينية هي صفحة حقيقية ورسمية، بإشراف دائرة العلاقات العامة والاعلام بالجوية.

تذكرت انه وقبل فترة ليست ببعيدة انتشر خبر عن وكالة فضاء فلسطينية. وبينما كنت ابحث عن الخبر، تبين ان هناك نقابة النفط والمناجم الفلسطينية التي اندمجت مؤخرا مع نقابة البتروكيماويات في إطار اتحاد نقابات عمال فلسطين!

نعم، هناك هوة حملتني ورمتني ما بين الفضاء وقعر الأرض في لحظات.

 

بالنسبة لموضوع الفضاء، هناك بالفعل “وكالة الفضاء الفلسطينية”. كان من الصعب فهم مصدرها وحقيقة امرها. ولم يكن بالفعل تمييز ما هو مزاح بالأمر وما هو حقيقة. فمن جهة، هناك فعلا ما يسمى بوكالة الفضاء الفلسطينية ولها موقع على الانترنت، بالإضافة الى الصفحة على الفيسبوك والتي أعلنت من خلالها تهنئة لمهندسة الفضاء الامريكية من أصل فلسطيني نجود مرانسي ( يعني الصفحة فاعلة).

المعلومات عن الوكالة من خلال الصفحة تقول، بالإضافة لرؤية الوكالة التي تتمثل في “تحسين الحياة على الأرض، عبر اكتشاف الفضاء الخارجي، والعثور على حياة فيه”:


“وكالة الفضاء الفلسطينية” وكالة فضاء مدنية، مقرها في فلسطين، وقد تأسست في أكتوبر 2010، بهدف استكشاف الفضاء وتطوير مفاهيم جديدة له. تاريخ “وكالة الفضاء الفلسطينية” قصير بقدر ما هو رائع. بعد تأسيسها بدأت الوكالة أعمالها التجريبية. يُنتظر أن تظهر النتائج الأولى قبل نهاية العام 2011. وقد وجدت الوكالة بالفعل شركاء مهمين يدعمون رؤيتها وأعمالها. الربط الشبكي مع وكالات الفضاء الأخرى هي خطوة مهمة لمواصلة الجهد من أجل إيجاد واكتشاف المستقبل معاً.”

 

للحقيقة، الجماعة جديين!!! السؤال هنا، إذا لم تكن هذه الوكالة حكومية، كيف يسمح لهؤلاء بإقامة وكالة كهذه تحت اسم فلسطين؟

 

بينما كنت أفتش عن الموضوع، ظهر امامي موقع إسرائيلي يناقش الأمر ويستهزئ معلقا:

” يبدو ان الوكالة حقيقية ومنذ سنة ٢٠١١، تماما مثل متحفهم، إذا ما فكرت في الامر، فضاء، مليء بالا شيء.”

 

انتابتني عبارة ” يا شماتة العدو فينا” بينما كنت اقرأ التعليقات من ذلك الموقع.

كيف إذا ما عرفوا ان لدينا كذلك شرطة جوية ونقابة عمال مناجم؟

 

اعترف انه من السهل قلب الموضوع الى سخرية، بالنهاية الموضوع يستدعي الضحك والتهكم. فعن أي مهبط طائرات يجتمع هؤلاء وعن أي شرطة جوية يتكلمون؟

أي وكالة فضاء واي نقابة مناجم؟

هل هناك مناجم في فلسطين؟

 

في غمرة الفضول قرأت خبرا عن وكالة وفا للأنباء تتناول فيه موضوع المناجم، والذي يستحق التوقف عنده، وربما يفهم من خلاله جدية وجود نقابة عمال نفط ومناجم:

 

“تم تأسيس هيئـة البتـرول الفلسـطينية لتكون الهيئـة المشـرفة والمسؤولة عن إدارة قطاع المحروقات في الأراضي الفلسطينية، وممثل السلطة الوطنيـة فيمـا يتعلق بجميع الشؤون الخاصة بهذا القطاع، وقد أنشئت هذه الهيئة بقرار من مجلس الوزراء كهيئة عامة مستقلة تتبع مكتب رئيس السلطة بشكل مباشر. وتم تحويلها إلى وزارة المالية في حزيران٢٠٠٣”.

 

يضيف المقال:.

.”….وتم اكتشاف حقل بترول في رنتيس (غرب را م الله) ولكن إسرائيل تقوم باستغلال هذا الحقل وتضخ منه ٨٠٠ برميل يوميا، بعيدا عن السلطة الوطنية والحقوق الفلسطينية في ذلك البترول وقد سهل ذلك وقوع المنطقة قرب خط الهدنة لعام ١٩٤٨ وقد بدأت اسرائيل البيع من الحقل النفطي منذ العام ٢٠١٠

ووفق معطيات سابقة لسلطة البيئة الفلسطينية فإن شركة جفعوت عولام الإسرائيلية بدأت الحفر الاستكشافي في حوض “مجد” على أراضي رنتيس عام ١٩٩٤، وذلك من خلال الآبار “مجد٢” و”مجد٣” و”مجد٤”، فدلت المؤشرات على وجود نفط بكميات تجارية إلى الشرق من تلك المواقع.

ووفق المصدر ذاته فإن المناطق الغنية بالنفط في معظمها تقع شرق الخط الأخضر بعرض عشرة كيلومترات وامتداد عشرين كيلومترا، وهو ما يعني أن معظم الحقل النفطي يقع في أراضي الضفة الغربية.

والمعلومات المتوفرة لدى الجانب الفلسطيني عن ذلك الحقل النفطي الذي تسرقه إسرائيل هي ما تجمعه الجهات الفلسطينية الرسمية بالتعاون مع جهات دولية، وتعمل السلطة الفلسطينية على جمع البيانات للعمل على استرجاع الحق الفلسطيني في الثروة النفطية.

وتعكس نية السلطة طرح عطاءات للتنقيب عن النفط في الضفة الغربية، رغبة في التخلص من عبء الاحتلال المزود الوحيد للفلسطينيين بالمحروقات وتحكمه في الاسعار والكميات الواردة لأراضي السلطة الفلسطينية.”.

ويبلغ حجم الاحتياطي النفطي من بئر البترول المكتشف بمليار ونصف المليار برميل و١٨٢ مليار قدم مكعب من الغاز. والحقل البترولي معظمه يتواجد تحت الارض الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ لذلك كثف الجانب الاسرائيلي من نشاطه في البحث عن البترول على طول الخط الاخضر بين قلقيلية ورام الله منذ عام ١٩٩٢.”

)http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=9205 (وفا   

ما بين الجد والهزل، تبين ان موضوع البترول والمناجم حقيقي. ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، اين هذه الأموال وكيف يتم تحصيلها والى اين؟ وإذا ما كانت إسرائيل سارقة للمناجم إذا ما تم التنقيب عنها وايجادها، فلم العمل على كشف مناجم ستضع جهات الاحتلال الإسرائيلي اليد عليها بكل الأحوال؟

يبقى الموضوع الأهم في كل هذا، وسط سلطة تعاني من الفلس الحقيقي الذي يهدد انهيارها، الا تعتبر كل هذه الهيئات والوحدات والجهات هدرا للمال العام؟

 

ما نراه بالعين ونلمسه من مؤسسات السلطة ووزاراتها المعلنة امامنا يجعلنا نسأل عن جدوى وجود مؤسسات ترهق المال العام وتفرغه. وعلى ما يبدو من وجود هيئات جوية وفضائية ومناجم تنقيب ان هناك فلسطين أخرى لا نعرفها. يقيمها اولي السلطة على فضاء اخر سموه كذلك فلسطين. وكأن ما تم سلبه من كينونة فلسطين من ارض وشعب لا يكفي، فهناك استحواذ للجو والفضاء وما يمكن تنقيبه من تحت الأرض.

 

 

 

 

الياس خوري يسطع بنجمة البحر

Unknown

انتظرت الجزء الثاني من رواية الاديب المبدع الياس خوري بشغف حقيقي. فالجزء الأول من أولاد الغيتو -اسمي ادم- ترك القارئ مع فضول ما جرى بحياة آدم قبل أن يأخذ حياته بنيويورك. بين الحبكة التي تربط القارئ بحرفية ونهم، وبين الوقفات الفلسفية والربط الادبي الواسع المدارك بموضوع الموت والحياة. البطولات والرموز. الانتصارات والهزائم. تبقى القصة المركزية حاضرة بقوة “الغيتو”، وفعل الذاكرة بحياة الانسان وتأثير الأطلال وقوفا بتجليات “الست”..

في الجزء الأول كان أولاد الغيتو هم أبناء اللد. في الجزء الثاني يخرج ابن غيتو اللد ليناور او ليحتال بأن يكون نسبه الى الغيتو الاخر. بين كل هذه التشابكات، يدخلنا الاديب الرائع بمتاهة أخرى توصلنا احيانا نحو بطل الرواية ادم، وأحيانا أخرى نحو كاتب النص، فيلهينا بين ما يقوله ادم وما يريد ان يقوله لنا كاتب النص، الى ما يريد ان يقوله لنا الياس خوري.

وان كانت هذه الترابطات في متاهة الغيتو لا تكفي، يمسك النص الادبي بالقارئ ليفكر، ما الذي أراده الكاتب. لمن كتب هذه الرواية؟ في لحظات كثيرة، وبينما اصابني الإحباط بما يمكن ان يكون تعاطفا مع فكرة الضحية التي كانها اليهود قبل النكبة، وبين فكرة ما أراده الياس خوري للنص ان يكون. راودتني فكرة ان كاتب النص هنا كان يجب ان يكون عاموس عوز او أ.ب. يهوشع، فيما أراده للكاتب التائه ان يكون. “مناحيم هو الكاتب التائه الذي حل محل اليهودي التائه. هذه هي الصورة الأدبية الباهتة التي رسمتها شخصية مناحيم وهي تستعير بقايا الادب الوجودي الفرنسي، كي تجد عبره صلة وصل بالغالوت اليهودي الذي هو حالة وجودية لا يمكن لأي استعارة أدبية ان تملأ غيابها.”

التيه الذي يصفه الياس خوري بأعمال عوز ويهوشع، يؤكد ما يشعر به كل من قرأ لهذين الاديبين المتأثرين بالأدب الوجودي، ولكنه لم يفهم المغزى الوجودي الكامن خلف حجب الفلسطيني وتحويله الى ظل لرغبة الإسرائيلي. “انهما يبحثان عن المعنى في اللا معنى.” ولكن الكاتب يجد في نص اخر ما يستحق صفة الأدب في الكتابة “الإسرائيلية فيقول: ” ان النص الادبي الإسرائيلي الوحيد الذي يستحق ان نطلق عليه صفة الادب هونص يزهار (خربة خزعة)، لأنه يقترب من المراثي، ولأن ضحاياه كالأشباح، ولان صمتهم تلقائي ونابع من الألم. أن نقطع لسان أحدهم أو نقول أننا لا نفهم لغته، فهذا ليس صمتا. هذا إخراس للضحية وقتل متعمد داخل لعبة تقترب من الوجودية والتباساتها الأدبية.”

انتابني شعور وكأن الياس خوري أراد لكاتب النص ان يكون عوز او يهوشع باستحقاق للقب الادب الذي وصفه أستاذ الادب في الرواية. أراد ان يقوم كصمويل بيكيت بكتابة نص متخيل لأديب “إسرائيلي” يخرج من حرفية “تحلل اللغة ليحلل الجثث”. معضلة يفكفكها بالنصف الثاني من الرواية ، عندما يصبح الصمت هو سيد الكتابة، والأخرس هو الكاتب الاعظم ، وبفك لسان الضحايا العرب التي تم اخراسها من قبل الادب العبري المتجسد بعوز الذي التقط حقيقة ان الفلسطيني لا يحكي، ويهوشع الذي قص لسان الفلسطيني في رواياته.

من غيتو الى غيتو يحاصرنا الياس خوري كقراء، ويجعلنا نشهد استعارات للغيتو في أماكن كثيرة عاشها بطله ادم. فمن غيتو اللد الذي هرب منه الى غيتو وارسو الذي حاصره مع استعارات الأموات ، كان ملاذه في غيتو وادي النسناس الذي ” يعبق بروائح ذاكرة مكلومة ترفض ان تمضي دوائر من حياة الغيتوات تغلق أطرافها اكثر على أصحابها مع كل محاولة للانفكاك او الهروب.”

في وادي النسناس تستفيض حكايا ضحايا اقرانه من الفلسطينيين، لنكبة لم تكن احداث اللد فيها الا صورة واحدة في فيلم طويل من الصور الممتلئة بويلات الجرائم النكراء. ام الزينات وسبلان تستفيض دماء أبنائها بوصف موجع مليء بمحاولات غير متوقفة من الضحية بأن يكمل حياته في صمود على امل حلم لعودة للمكان الأول بلا كلل من تفكير ولا تعب من محاولات.

لا يمكن التوقف امام ادم وقصته الخاصة بدء من منال امه ، الى عبد الله الاشهل ، بدائرة تستحكم على القارىء لتشد وثاقها على رقابنا فجأة وبدون سابق انذار في ذروة للحبكة ، يكون القارىء قد نسي ضرورة وجودها ، فما يجري من سرد على كل الأصعدة يكفي ان تبقى ممسكا لدفات الكتاب بلا تعب ولا ملل. حكم، استعارات، شذرات فلسفية، لغة محكمة، أفكار وجودية، وتوقفات تخترق الأعماق لتنبش أسئلة صعبة في كل شيء. وتجد نفسك في ذروة عبقرية تشد انفاسك وتعيد الكرة بك من جديد الى رحلة مشوقة خاطفة للانفاس. عبقرية مطلقة لا كلمة أخرى تعبر عنها. تعود منال ،ام آدم للمقدمة، عبد الله الاشهل يتحول من الرجل القاسي الذي كان سبب اختباء ادم وراء استعارات لآدم اخر، تغلق دائرة وجوده بالرواية بدور بطولة غير متوقعة، تخطف من آدم ذكرياته التي أراد لها ان تكون ثابتة وتخضها من جديد.

علاقته بالمرأة من منال امه الى داليه، ووقوفا عند ناديه التي لم ينته دورها بالجزء الحالي للرواية، وارجاع القاريئ الى شذرات تاريخية في الادب العربي تضفي الشجون الى القراءة، يخرج مرة أخرى وضاح اليمن، ولكنه يبقى في صندوقه.

تنتهي الرواية ، في ما يبدو انه سيكون مجرد محطة استراحة لالياس خوري لما سيكون جزء ثالثا. تنتهي بمشهد عاطفي خاطف للانفاس على مدار العديد من الصفحات لآدم العاشق في محاولة الوصول الى صخرة ادم.

” وفي نيويورك، سيشعر ادم، حين سيحاول كتابة قصة حياته، بات تائه اليوم صار الفلسطيني، وان على هذا التائه الجديد ان يدرج قصة الذين احتلوا ارضه وأشردوه في قصته هو. قصتهم لا تتسع لنا. اما قصتنا فتتسع لنا ولهم وللجميع، هكذا فكر ادم في ان يكتب حين تأتيه الكتابة.”

 

وهل ستخرج من رام الله يوما ثورة؟

 

المشاهد للصور القادمة من لبنان في ثورتها الأخيرة، ينتابه تمني بعدوى الثورات. نحن شعب نشجع الثورات أينما خرجت، ولأي شكل اخذت. ثورة سودانية، يمنية، عراقية، اردنية، مصرية، سورية، … نحن شعب الثورات. اقصد نحن شعب مشجع للثورات. الحقيقة يحق لنا ما لا يحق لغيرنا بشأن متابعة الثورات، فنحن اهل الثورة الأولى والمستمرة.

الجميل بثورة لبنان الأخيرة، ليس فقط الشعارات المسلية ولا الجمال اللبناني واللهجة الفاتنة، ولا خروج نادين نجيم ونادين الراسي وانضمام رفيقاتهن من الممثلات، ولكن الجميل ان لا تحزيب سياسي في شأنها، ولا شتائم للكافرات السافرات من النساء من قبل جماهيرنا المنقسمين على كل شيء. مثلا لا نستطيع ان نقف مع ثورة اليمن، فكما رأينا في مباراة السعودية- فلسطين قبل أيام، تم اعتقال شاب رفع علم اليمن بالمباراة. إذا ما كان رفع علم دولة يتم قتل شعبها وتدميره يوميا من قبل دولة تزور دولة يعيش شعبه ويلات الدمار والقتل والتشرد، يؤدي الى اعتقال حامل العلم، فكيف لهذا الشعب المثقل بويلات النكبة والسلطة والاحتلال ان يخرج بثورة؟

بدون شك، ان ما يجري بالأيام الأخيرة على الساحة الإقليمية مثير للفضول وباعث للأمل على الرغم من كل السواد الحالك المحيط. فوز قيس السعيد برئاسة تونس وانتفاض شعب لبنان ضد الغلاء والفساد، والانتصارات المتكررة لأهل اليمن ضد الة الطغيان السعودي والخليجي، وانتصار حراك المعلمين في الاردن. هناك بالفعل امل، لأن هناك نبض حي حقيقي لا يزال يبث الحياة في الانسان العربي الصريع.

ولكن بالفعل، لم لا تخرج ثورة من الأراضي الفلسطينية؟ لا اعرف كيف اقارن بالحقيقة بين فساد أصحاب السلطة في لبنان، ولكن الفساد عندنا حدث ولا حرج. غلاء الأسعار واحتكار السلع والفساد الذي يسيل بهول السيول الجارفة ويغرق الشعب الأعزل من كل مرافق النجاة. الوطن يسلب منا بالشبر بين تسريب لأراضي لمصلحة المستوطنات، وحظر على المنتج الفلسطيني لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، وانهيار كامل في كافة المرافق، وتفشي للظلم والقهر والعنف يهدد بحرب أهلية قادمة، وغياب للحياة الدستورية والشرعية في ظل انقسام وتفرد بالحكم لصالح الأحزاب المتسلطة على الوطن وانحسار إمكانية الانتخابات في نفس الوجوه إذا ما جاء يوم وصار هناك انتخابات.

كذب في التصريحات لا يحترم ذكاء انسان بين تنسيق امني “مقدس” مع الاحتلال وبين ترديد لشعارات توهم بوطنية خرقاء.

تجوال الاليات العسكرية بمدن السلطة “المحررة” ، والاعتقالات والاغتيالات على مرأى العين، لم يحركنا.

استيراد زيتوننا المسروق من السارقين لم يحركنا.

انهيار المنظومة الصحية والتعليمية لا يضج من سباتنا الا ارقا تمحيه حوادث ومصائب جديدة متكررة.

النظام التشريعي والقانوني والدستوري حدث ولا حرج. لم نعد نعرف منه الا تعيين او اقالة.

المقاوم يتم رصده من قبل السلطة قبل الاحتلال. التطبيع صار نشانا على صدور أصحاب السلطة ورؤوس الاموال بفضائح متكررة، استيراد وتصدير لكل ما يمكن استهلاكه لهذا الشعب من قبل رؤوس الأموال المتمثلة بعلاقة وطيدة ومباشرة بصندوق الاستثمار الفلسطيني. المرضى من الشعب ينوى تحويلهم الى مشافي مصر الفاقدة للحياة بينما يرسل أصحاب السلطة المرضى منهم الى المشافي الإسرائيلية. احتكار مطلق ومحكم لكل مرافق الحياة حول الشعب لمصلحة ارباب السلطة.

كم الفساد المستشري بالوضع الفلسطيني لم يعد بالإمكان رصده. من كل الاتجاهات تؤرق نتائج الفساد لتلوث نظرنا وتخنق انفاسنا. من كل الاتجاهات تفوح الروائح العفنة لفساد استفحل وينتشر كالوباء ليخلص علينا.

ونحن في سبات نكتفي بالتصفيق او التنديد لثورات الشعوب.

نجرم أنظمة دكتاتورية ونندد بحكم الفاشية ونشمت في كل حاكم ظالم وقع، ولا نقوى حتى على الوقوف امام دوار المنارة او المقاطعة للتنديد بواقعنا المرير.

نتحول يوميا الى اشباه بشر، بينما تعيش الشعوب وتموت. تجدد نفسها وتعيد احياء نفسها ونحن لا نزال في نفس المكان من مواقعنا وراء الشاشات نصرخ أحيانا فليسقط الاحتلال ونندد أحيانا ضد الفساد.

فهل استكنا بالفعل للوضع القائم؟ هل استسلمنا لوجودنا داخل سلطة تحت احتلال؟ هل سكوتنا لخوفنا من القادم الأسوأ إذا ما تحركنا نحو تحررنا؟

نعم وضعنا مركب ومختلف… ففي لبنان، كما في السودان، واليمن والأردن وغيرها، هناك دول لا يعيش أهلها تحت احتلال. ولكن اوصلتنا السلطة لنترحم على أيام العيش تحت الاحتلال.

نعم، نحن بالمحصلة شعب لديه وعي حقيقي بمغبة الثورة على السلطة بينما يتربص بنا الاحتلال، ولكن كيف توصلنا هذه السلطة الى هاويتها وهاويتنا؟ كيف تكشر عن انيابها وكأنها مستعدة لبيعنا “شقف” إذا ما تسنى من بيعنا فرصة لزيادة أموال اربابها.

لقد بدأ الحضيض بالصك وسنصل الى وقت لن يكون ببعيد، تفتح فيها الناس أذرعها للاحتلال استرحاما من سلطة لم تبق للبشر ما يقاومون من اجله ظلم الأعداء، بينما اشتد الظلم والقهر من ذوي القربى.

لم يعد هناك ما نأمل به، فلا انتخابات ممكنة، ووطن ينهش بدل ان يحضن، وعنف يهدد الامن الشخصي، وفساد وقمع يقود الانفاس. ربما لهذا نبقى وراء الشاشات مستأنسين بثورات الاخرين. فصرخاتهم تدوي بآذان تسمع ربما. وصراخنا وحراكنا لا يؤرق ولاة الامر

طبعا، انا إنسانة ضد الضرب بكافة أشكاله. ضد العنف كذلك بكافة أشكاله. ولكن ما الذي حدث في حياتنا منذ ركزنا على منع الضرب بالمدارس من قبل المعلمين؟

هل انتهى العنف؟ وهل أصبحنا مجتمعا أفضل وأصلح؟

إذا ما فكرنا ان هناك علاقة بين منع الضرب من قبل المعلمين بالمدارس في العقدين الأخيرين وكمية العنف التي نعيشها، فهل نخرج هنا بمعضلة ما تربط بين الامرين؟

الحقيقة ما يربط بين الامرين هو انعدام التربية في البيوت، والتي صار العنف هو بديلها في كافة اشكال حياتنا، تزامنا مع مناهج تعليمية تفتقد الى كل ما تحتاجه المجتمعات لبناء أبناء اسوياء. مناهج تقوم على التلقين والتحفيظ، خالية من الابداع، في ظروف صعبة تكتظ الصفوف فيها بالطلاب، وتتكدس الدروس على رأس الطالب كما يتكدس الطالب خلال ست او سبع ساعات على مقعد.

مناهج لا تنتج معرفة، لا يمكن ان تنتج ادبا او تربية. وبالتالي الاهل هم كذلك نتيجة طبيعية لإنتاج المدارس لمستقبل قاتم يعيش في هذه الاثناء وخامة نتائجه، المعلم.

 ما نراه اليوم من قتل وعنف وبلطجة هو نتيجة غياب التربية من كل الاتجاهات في المجتمع. وكأن قرار منع الضرب من قبل المعلمين ارتبط تلقائيا بقرار عدم التربية في البيوت.

ولكن إذا ما نظرنا الى الوراء غير القاصي للحظة، لتنبهنا اننا كنا بخير أكثر عندما كان للمعلم حق التربية كما التعليم. كان هناك تناغم ما يحصل ما بين البيت والمدرسة، يشترك الطرفان في عملية التربية.

اليوم، لا تربية ولا تعليم.

اعترف بأنني لم اتعاطف مع الفيديو المتداول لمعلم يضرب التلاميذ بالمدرسة بينما ينظر الجميع اليه من معلمين وتلاميذ وغيرهم بلا تأثر، لأنني شاهدت الصورة من زاوية أخرى. زاوية معلم تمارس عليه الضغوطات من كل الاتجاهات. معلم يعنف من قبل نظام تعليمي يجعله يعلم في ظروف قاسية، ونظام خارج المدرسة يتبع مبدأ ” كل من يده إله”.

واعترف انني لن اتخيل ابنتي في هكذا مدرسة، كما اعترف انني لن اتخيل ابنتي تتعرض للضرب.

لأن الموضوع هنا لا يتوقف عند هل ترضين هذا لابنك؟ لأنه لا احد يرضى لابنه ان يتعرض للضرب. ولكن هناك سؤال يأتي قبل هذا وهو: هل ربيت ابنك على الا يتعرض للضرب؟

وقد يكون الجواب السريع هو نعم: فنحن نربي ابناءنا على مبدأ ” اللي بضربك اضربه. وكون ضارب وما تكون مضروب.”  لا استغرب ان المعلم في هذه الحالة يمارس ما تربى عليه كطالب، وهو يمارس هذه المقولة قبل ان يضرب هو. فعندما يسجل ٤٤ حالة ضرب لمعلمين منذ بداية العام، وعندما يناشد المعلمون السلطات بحمايتهم ، فليس بغريب المشهد الذي رأيناه. بالمحصلة هذا المعلم يمارس مبدأ ” درهم وقاية “!

ولكن الجواب الذي اتوقعه لسؤال : هل ربيت ابنك على الا يتعرض للضرب يأتي بالنسبة لى مختلفا. لأني أتوقع من ابني ان يكون محترما وان يكون قدوة بالأخلاق والتربية. أتوقع من ابني الا يكون عنيفا بألفاظه وتصرفاته، وعليه اعرف ان ابني لن يتعرض للضرب من قبل معلم.

منذ بداية العام الدراسي، وتناقشني ابنتي بأمور المدرسة باستياء من معاملة المدرسة التي تتحول الى أكثر قسوة معهم كطلاب. وفي سجالاتنا المتعددة، أجد نفسي مدافعة عن المدرسة وادارتها بتأهب وخوف. خوف من هول المسؤولية التي تقع على عاتق المدارس في وقت لم يعد هناك أي معايير للأخلاق والتربية خارج او داخل اسوار المدارس.

نعيش في زمن يعربد فيه الطالب على المعلم ، ويتم التنمر فيه على المعلم. وإذا ما تجرأ المعلم بالجواب او اخذ دوره كمعلم قد ينتهي الامر الى حمولة من المتأهبين المستعدين لذرف الدم والقتل بلا تردد بداخل المدرسة او خارجها.

وهنا خوفي كإم هو خوف اناني لا يرتبط بتحسين المجتمع، ولكني كالمعلم الذي لا يريد لهيبته ان تكسر ، فيضرب قبل ان يضرب. اريد للمعلم ان يكون حازما وحاسما، ولا يعرض ابنتي في المدرسة لخطر صفعة او دفشة او سكين ربما نتيجة طوشة محتملة لا يحمد عقباها. افضل ان يتم قمع ابني من حرية تعبير تربى عليها على ان يتصل بي احدهم ليقول لي “ابنك أصيب بطوشة صارت بالمدرسة او خارجها.”

فصار المعلم يقف على زاوية الصف خوفا من ردود فعل يكون فيها الطالب ابن فلان او علان. يكون ابن حمولة تحمل ركوب باصات ليهبوا للقتال. او ابن من يستأجر مرتزقة ليهبوا للقتال.

لا اعرف كيف اختفى ذلك الزمن الذي كان للمعلم حق فيه على الطالب وأهله.

ذلك الزمن الذي كان مبدأ “قم للمعلم” هو السائد، ليبقى المعلم في ذهننا كأطفال وراشدين “من علمني حرفا كنت له عبدا”.

كنت اسمع ما تقوله لي ابنتي عما يجري بالمدرسة وكأنني اتابع فيلما أمريكيا عن المدارس في احياء الافارقة. تعاطف لا أكنه بالعادة للمدارس ولا المدرسين، ولكني مع كل كلمة كنت استشعر الخطر.

ذات الخطر الذي يستشعر او ربما يعيشه المعلم إذا ما تصرف باي شكل من الاشكال تصرفا قد يؤدي لتجمع العشرات امام المدرسة بالهراوات والأسلحة. خطر، يتعدى كونه مشكلة بين طالب واخر او طالب ومعلم. خطر يطال الجميع. تحولت المدارس لمناطق غير امنه فجأة.

فهل المشكلة من المدارس؟

المشكلة بالبيوت.

المشكلة بأننا لم نعد نربي في البيوت وعليه لم تعد الأمهات مدارس. الام لم تعد المدرسة التي قد تعد شعوبا طيبة الأعراق.

مؤسف ومحزن ما قام به المعلم بلا شك. ويجب عقابه وتوقيفه كذلك وبلا شك. فهو معلم وليس راعي غنم. ولكن بعد ان يتم توقيف المعلم ومحاسبته، هل نأخذ كبيوت مسؤوليتنا بتربية أبنائنا؟

عندما يقف المعلم امام موقف “على وعلى اعدائي” فما الذي نتوقعه. او بالأحرى ما الذي نريده؟

هل نريد كأهل ان يسكت المعلم امام وقاحة الطلاب وقلة تربيتهم؟ هل نرضى كأهل ان يتم ضرب المعلم؟

هل نرضى ان نكسر هيبة المعلم؟

اذا ما مشينا ساعة خروج الطلاب من المدارس يصيبنا الذعر من كم الانحطاط الذي وصل له الطلاب والطالبات. الالفاظ النابية، التنمر، الوقاحة. لا يعيرون احتراما لا لكبير ولا صغير.

واقعة الضرب مأساوية ومحزنة، ولكن هناك أكثر مأساوية في مشاهد أخرى رأينا فيها كيف يتم ضرب المعلم. هناك مشاهد نرى فيها بلطجة الطالب وعائلته على المدرسة والمعلمين.

وبعد كل هذا، يجب ان نتوقف امام المأساة الأكبر، اين السم الذي يتم دسه في هذا العنف المتنامي؟ اهو في المناهج؟

لأنه، وبينما أطالب الاهل ان يأخذوا زمام التربية لأبنائهم، هل لي ان أتوقع بأن هؤلاء الاهل تربوا على مناهج مختلفة، وعليه هناك امل؟ ام ان ما يجري هو نتيجة طبيعية لنظام متكامل من التهالك للنسيج الاجتماعي الفلسطيني. بدأ وينتهي عند التربية والتعليم. فلا تربية بلا تعليم يرعى احتياجات الطلاب ويرقى بعقولهم ليرقي اخلاقهم.