مفارقات اللون الواحد: من تونس الخضراء يصرح الرئيس المنتخب قيس السعيد في معرض سؤاله عن رأيه بالتطبيع بأنه “خيانة عظمى”، تستقبل فلسطين بالمقابل، المنتخب -الأخضر- السعودي  استقبال الفاتحين.

مفارقات اللون الواحد:

من تونس الخضراء يصرح الرئيس المنتخب قيس السعيد في معرض سؤاله عن رأيه بالتطبيع بأنه “خيانة عظمى”، تستقبل فلسطين بالمقابل، المنتخب -الأخضر- السعودي  استقبال الفاتحين.

هل حضور المنتخب السعودي لكرة القدم يعتبر تطبيعا ام انه مساندة للفلسطينيين وتحدي لكيان إسرائيل؟

قبل أشهر قليلة، انهالت التنديدات والسب من كل اتجاه على شاب سعودي في باحات المسجد الأقصى بالقدس بسبب زيارته التطبيعية. كانت تهمة الشاب الذي تلقى البصق والشتائم “التطبيع”.

هل التطبيع خيانة؟ وبالتالي، جريمة يجب ان يعاقب مرتكبها، كما تم عقاب المطبع السعودي في باحات المسجد الأقصى؟

يجب التنويه هنا، ان الشاب السعودي كان قد حضر الى البلاد ضمن وفد صحافي لزيارة “إسرائيل”. وهنا أتساءل: هل هناك فرق إذا ما كان الزائر قد اتى بزيارة رسمية من إسرائيل او من فلسطين؟

بالنسبة لقانون المقاطعة (بي دي اس) ان كل من يأتي للزيارة وقد حصل على تصريح بالدخول من إسرائيل فهو “مطبع”.

من اجل “الحلال والحرام ” هنا، فان المعنى المترتب على الجملة السابقة يعني: ان كل من يأتي لزيارة هذه البلاد لا يمكن الا ان يكون مطبعا، لأنه لا يمكن الدخول بلا تصريح إسرائيلي يترتب عليه موافقات وترتيبات امنية إسرائيلية.

للمفارقة، اثار أحد نشطاء التواصل الاجتماعي قبل شهر تقريبا، موضوع زيارة وفد صحافي تونسي لفلسطين، كان برنامج الزيارة يتضمن زيارات لمدن إسرائيلية وعرف رام الله على انها عاصمة فلسطين.

وقبل أعوام ليست بعيدة، استقبلت فلسطين المنتخب التونسي للهب في ارضها، ولم تقم القيامة كما قامت بشأن مباراة السعودية. من الجدير ذكره كذلك، ان منتخبات عربية أخرى شاركت اللعب على ارض فلسطين على مدار السنوات الأخيرة.

قبل أعوام قليلة، كانت هناك محاولات لإجراء مباراة مع الفريق السعودي، وكان الفريق التونسي قد لبى الدعوة من قبل واتى للزيارة. الا ان المنتخب السعودي قرر عدم القدوم في النهاية رفضا “للتطبيع”.

تونس وغيرها من الدول العربية تحتار في موضوع التطبيع. فمن جهة، هؤلاء يأتون وفق دعوات فلسطينية تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية، ولا اشك ابدا بنية الزائرين الطيبة بدعم الفلسطينيين، ولا اشك كذلك بنوايا من يرون بأن الزيارات هذه من شأنها ان تقوي الموقف الفلسطيني.

منذ أوسلو ونحن نرى الوفود العربية الداعمة، بمدن السلطة. كان ولا يزال سماع لكنة او لهجة عربية ليست معتادة هنا تشعر المرء بشجن العروبة من جهة، والرعب من تطبيع الوضع وكأنه عادي من جهة أخرى.. ولكن هل هذا بالفعل كسر الحصار الإسرائيلي على الكيان الفلسطيني؟

تمتلئ الساحات المختلفة تحت مسميات كثيرة من ثقافة وفن وادب ورياضة وسياسة وعلوم بزيارات كهذه.

فأين المشكلة؟

ما هو التطبيع؟

وهل هناك تطبيع طيب وتطبيع نجس؟

على حسب تعليق حركة المقاطعة على زيارة المنتخب السعودي: ” تفرق في معايير التطبيع بين الزيارة من خلال تأشيرة صادرة عن سفارات دولة الاحتلال، التي تعد تطبيعا، وبين تصريح من سلطات الاحتلال يتم استصداره من خلال السلطة الفلسطينية، ولا يعد تطبيعا رغم مساوئه الواضحة.” وعليه “فلا تتعارض زيارة المنتخب السعودي مع معايير مناهضة التطبيع الذي اقرها بالإجماع المؤتمر الوطني الأول لحركة المقاطعة، بشرط الا تقام خلال هذه الزيارات أي علاقة مع دولة الاحتلال او مؤسساتها.”

اما عبد السلام إسماعيل هنية، فأعلن عن ترحيبه ببعثة المنتخب السعودي وعلق، ان الزيارة “انجاز رياضي جديد لقهر المحتل الصهيوني من خلال اقامته اللقاء على ارضنا والاعتراف بملعبنا البيتي لرسم الامل المنشود لدولتنا الفلسطينية من البحر الى النهر.”

وفي نفس السياق خرجت فتاوي شرعية من الضفة الغربية على لسان مدير مركز الاعلام بجامعة النجاح غازي مرتضى يقول فيها ان المباراة: ” حق مشروع وفق فتوى دينية، وأخرى وطنية مشهود لها، وثالثة وفق نظرية القياس لمن في قلبه ذرة شك، والذي يعتبر مصدر من مصادر التشريع في الدين الإسلامي، فان المعارضين لإقامة المباراة في فلسطين ودخول المنتخب السعودي لفلسطين دون مرور على أي جندي إسرائيلي عن أنفسهم وافقوا او لم يعترضوا على مكوث سفير قطر العمادي في تل ابيت ومروره المميز عبر بن غوريون وايرز.”

الحقيقة، ان يمكن الوقوف كثيرا امام تصريح كل من مدير مركز الاعلام بجامعة النجاح، وعبد السلام هنية لفهم مأساوية حالنا الفلسطيني، بعيدا عن المباراة وعن التطبيع. وكأن المشكلة هي في أصلها اعتراض حماس على الزيارة. والحقيقة انني لا أستطيع فهم علاقة زيارة السفير القطري ومروره او اقامته بالقدس او تل ابيب، او عن مطار “بن غوريون” وتميزه في: ايريز”، وربطه بالزيارة بكونها تطبيعيه ام لا.

اما تصريح عبد السلام هنية، فهو كما يمكن وصفه ب ” حدث ولا حرج”! وقد يجعل المشاهد للوضع والباحث عن تفكير خارج الصندوق للوضع الفلسطيني، ربما هناك امام عبد السلام هنية وجبريل الرجوب فرصة ذهبية للمصالحة عن طريق إقامة مباراة بين فتح وحماس، تكون أكثر فاعلية من مكوك لقاءات المصالحة العبثية التي تعزز على سلخ المجتمع الفلسطيني أكثر.

مؤسف تحوير القضية الى انقسام فتح وحماس المخزي والذي يتفاقم في مأساوية تأثيره على الشارع الفلسطيني ليكون في حوار متعلق في “جواز التطبيع وتحريمه”. الملفت الاخر في التصريح هو “شرعنه” الموضوع بداخل الفتاوي الشرعية. كيف تحول الامر الى فتوى وقياس شرعي على لسان مدير مؤسسة إعلامية؟

إذا ما قررنا فتوى التطبيع على حسب حركة المقاطعة، فالشاب السعودي الذي تم شتمه في باحات الأقصى تحت طائلة التهمة، وعليه فإن الحد عليه واجب. اما إذا كان الوضع كما في الفريق السعودي الذي سيأتي عن طريق تصريح يقدمه الفلسطينيون للإسرائيليين، فعملهم جائز، الا ان زيارة الجانب الإسرائيلي فهي ممنوعة (وعليه نتأمل ان لا يكون هناك رحلات ترفيهية وغيرها للفريق نرى ارتداداتها فيما بعد عبر الانستغرام وغيره).

نسمع عن التطبيع ومساوئه في كل المنابر، رئيس الوزراء بدأ خطة انفكاكيه عنقودية واتلف شرائح موبايلات إسرائيلية ومنع تصدير العجول واجاز استيراد الزيتون المسروق من مزارعنا الى مستوطناتهم من قبل وزارته، ولكنه غير ملام، لان هذ الفعل ليس جديدا ومن صنع حكومته، وهدد الجانب الإسرائيلي في حال مداهمة الأراضي المستقلة من الأراضي المحتلة بأن المواطن سيواجه بجسده لا بالعنف!

لا للتطبيع هو شعار لا ينزل. ولكن كيف يفهم المواطن التطبيع؟

نفس المسؤولين الذين يحملون شعارات نبذ التطبيع وتخوينه رأيناهم مصطفون بانتظار الفريق الأخضر باستقبال جعلني استحضر احتفالات مصر بانتصارات أكتوبر على التلفزيون عندما كنت صغيرة.

لنقل ان الحدث مهم.

ولنقل كذلك انه وعلى حسب “فتوى” حركة المقاطعة، فانه ليس تطبيعا، رغم مساوئه. يعني انه يقع تحت عبارة “مجبر اخاك”، طيب لم هذا الاحتفال وكأنه احتفال التحرير؟ الا نجعله على الأقل تحت طائلة ” إذا بليتم فاستتروا؟”

من جهة أخرى، لماذا غيرت السعودية موقفها فجأة من الموضوع؟ قبل سنوات قليلة كان الامر مختلفا، فما الذي تغير؟ هل هناك بوادر استقلال وتحرر وحلول للقضية الفلسطينية جعلت السعودية تدخل في فريقها دخول الفاتحين؟

ام هو مجرد تصرف طبيعي لما سيكون الاعتيادي من عصر التطبيع العربي مع إسرائيل؟ هل رأت السعودية في ادخال منتخبها للمشاركة بالمباراة فرصة لتبدأ التطبيع العلني القادم؟

ومن جهة أخيرة، كمواطنة عادية لا تفهم من السياسة وتدابيرها امرا، ولا من الرياضة واهميتها واستراتيجياتها معضلة في القضية الفلسطينية. وافهم كذلك استقبال الرئيس الفلسطيني للمنتخب ومدربيه وراعييه ومرافقيه والتصوير الى جانبه، فرئيسنا مسهب وناشط في هذه الأمور. ولكن لا افهم لماذا تحتفل رام الله ولماذا يغلق الشارع بطوق أمني وعسكري عند الفندق الذي يقيم فيه المنتخب، ولا افهم الكعكة الخضراء بحجم الوطن، ولا افهم هذا الاحتفال والانتصار للزيارة وكأنها انجاز فلسطين العظيم؟

لقد جعلتم منا اضحوكة للقاصي والداني.

وتونس تستقبل رئيسها بمظاهرات عارمة بصوت واحد: “الشعب يريد تحرير فلسطين.”

فلتحيا تونس الخضرا

اترك رد