الياس خوري يسطع بنجمة البحر

Unknown

انتظرت الجزء الثاني من رواية الاديب المبدع الياس خوري بشغف حقيقي. فالجزء الأول من أولاد الغيتو -اسمي ادم- ترك القارئ مع فضول ما جرى بحياة آدم قبل أن يأخذ حياته بنيويورك. بين الحبكة التي تربط القارئ بحرفية ونهم، وبين الوقفات الفلسفية والربط الادبي الواسع المدارك بموضوع الموت والحياة. البطولات والرموز. الانتصارات والهزائم. تبقى القصة المركزية حاضرة بقوة “الغيتو”، وفعل الذاكرة بحياة الانسان وتأثير الأطلال وقوفا بتجليات “الست”..

في الجزء الأول كان أولاد الغيتو هم أبناء اللد. في الجزء الثاني يخرج ابن غيتو اللد ليناور او ليحتال بأن يكون نسبه الى الغيتو الاخر. بين كل هذه التشابكات، يدخلنا الاديب الرائع بمتاهة أخرى توصلنا احيانا نحو بطل الرواية ادم، وأحيانا أخرى نحو كاتب النص، فيلهينا بين ما يقوله ادم وما يريد ان يقوله لنا كاتب النص، الى ما يريد ان يقوله لنا الياس خوري.

وان كانت هذه الترابطات في متاهة الغيتو لا تكفي، يمسك النص الادبي بالقارئ ليفكر، ما الذي أراده الكاتب. لمن كتب هذه الرواية؟ في لحظات كثيرة، وبينما اصابني الإحباط بما يمكن ان يكون تعاطفا مع فكرة الضحية التي كانها اليهود قبل النكبة، وبين فكرة ما أراده الياس خوري للنص ان يكون. راودتني فكرة ان كاتب النص هنا كان يجب ان يكون عاموس عوز او أ.ب. يهوشع، فيما أراده للكاتب التائه ان يكون. “مناحيم هو الكاتب التائه الذي حل محل اليهودي التائه. هذه هي الصورة الأدبية الباهتة التي رسمتها شخصية مناحيم وهي تستعير بقايا الادب الوجودي الفرنسي، كي تجد عبره صلة وصل بالغالوت اليهودي الذي هو حالة وجودية لا يمكن لأي استعارة أدبية ان تملأ غيابها.”

التيه الذي يصفه الياس خوري بأعمال عوز ويهوشع، يؤكد ما يشعر به كل من قرأ لهذين الاديبين المتأثرين بالأدب الوجودي، ولكنه لم يفهم المغزى الوجودي الكامن خلف حجب الفلسطيني وتحويله الى ظل لرغبة الإسرائيلي. “انهما يبحثان عن المعنى في اللا معنى.” ولكن الكاتب يجد في نص اخر ما يستحق صفة الأدب في الكتابة “الإسرائيلية فيقول: ” ان النص الادبي الإسرائيلي الوحيد الذي يستحق ان نطلق عليه صفة الادب هونص يزهار (خربة خزعة)، لأنه يقترب من المراثي، ولأن ضحاياه كالأشباح، ولان صمتهم تلقائي ونابع من الألم. أن نقطع لسان أحدهم أو نقول أننا لا نفهم لغته، فهذا ليس صمتا. هذا إخراس للضحية وقتل متعمد داخل لعبة تقترب من الوجودية والتباساتها الأدبية.”

انتابني شعور وكأن الياس خوري أراد لكاتب النص ان يكون عوز او يهوشع باستحقاق للقب الادب الذي وصفه أستاذ الادب في الرواية. أراد ان يقوم كصمويل بيكيت بكتابة نص متخيل لأديب “إسرائيلي” يخرج من حرفية “تحلل اللغة ليحلل الجثث”. معضلة يفكفكها بالنصف الثاني من الرواية ، عندما يصبح الصمت هو سيد الكتابة، والأخرس هو الكاتب الاعظم ، وبفك لسان الضحايا العرب التي تم اخراسها من قبل الادب العبري المتجسد بعوز الذي التقط حقيقة ان الفلسطيني لا يحكي، ويهوشع الذي قص لسان الفلسطيني في رواياته.

من غيتو الى غيتو يحاصرنا الياس خوري كقراء، ويجعلنا نشهد استعارات للغيتو في أماكن كثيرة عاشها بطله ادم. فمن غيتو اللد الذي هرب منه الى غيتو وارسو الذي حاصره مع استعارات الأموات ، كان ملاذه في غيتو وادي النسناس الذي ” يعبق بروائح ذاكرة مكلومة ترفض ان تمضي دوائر من حياة الغيتوات تغلق أطرافها اكثر على أصحابها مع كل محاولة للانفكاك او الهروب.”

في وادي النسناس تستفيض حكايا ضحايا اقرانه من الفلسطينيين، لنكبة لم تكن احداث اللد فيها الا صورة واحدة في فيلم طويل من الصور الممتلئة بويلات الجرائم النكراء. ام الزينات وسبلان تستفيض دماء أبنائها بوصف موجع مليء بمحاولات غير متوقفة من الضحية بأن يكمل حياته في صمود على امل حلم لعودة للمكان الأول بلا كلل من تفكير ولا تعب من محاولات.

لا يمكن التوقف امام ادم وقصته الخاصة بدء من منال امه ، الى عبد الله الاشهل ، بدائرة تستحكم على القارىء لتشد وثاقها على رقابنا فجأة وبدون سابق انذار في ذروة للحبكة ، يكون القارىء قد نسي ضرورة وجودها ، فما يجري من سرد على كل الأصعدة يكفي ان تبقى ممسكا لدفات الكتاب بلا تعب ولا ملل. حكم، استعارات، شذرات فلسفية، لغة محكمة، أفكار وجودية، وتوقفات تخترق الأعماق لتنبش أسئلة صعبة في كل شيء. وتجد نفسك في ذروة عبقرية تشد انفاسك وتعيد الكرة بك من جديد الى رحلة مشوقة خاطفة للانفاس. عبقرية مطلقة لا كلمة أخرى تعبر عنها. تعود منال ،ام آدم للمقدمة، عبد الله الاشهل يتحول من الرجل القاسي الذي كان سبب اختباء ادم وراء استعارات لآدم اخر، تغلق دائرة وجوده بالرواية بدور بطولة غير متوقعة، تخطف من آدم ذكرياته التي أراد لها ان تكون ثابتة وتخضها من جديد.

علاقته بالمرأة من منال امه الى داليه، ووقوفا عند ناديه التي لم ينته دورها بالجزء الحالي للرواية، وارجاع القاريئ الى شذرات تاريخية في الادب العربي تضفي الشجون الى القراءة، يخرج مرة أخرى وضاح اليمن، ولكنه يبقى في صندوقه.

تنتهي الرواية ، في ما يبدو انه سيكون مجرد محطة استراحة لالياس خوري لما سيكون جزء ثالثا. تنتهي بمشهد عاطفي خاطف للانفاس على مدار العديد من الصفحات لآدم العاشق في محاولة الوصول الى صخرة ادم.

” وفي نيويورك، سيشعر ادم، حين سيحاول كتابة قصة حياته، بات تائه اليوم صار الفلسطيني، وان على هذا التائه الجديد ان يدرج قصة الذين احتلوا ارضه وأشردوه في قصته هو. قصتهم لا تتسع لنا. اما قصتنا فتتسع لنا ولهم وللجميع، هكذا فكر ادم في ان يكتب حين تأتيه الكتابة.”

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: