رعب محتم: في ظلال الرجال

رعبٌ محتمٌ

 

IMG_4862 copy

أرتعبُ في كلِّ مرّةِ أتركُ البيتَ، أو تخرجُ بناتي للمدرسة. أسلمُ أمري إلى ربي تسليم مطْلق. لأنّي لا أستطيع التكهنَ بأيِّ مما يمكنُ أن يحدث. هناك حالةُ احتقانٍ تملأ الأجواء كلّها. استغرقني الوقتُ في التكلمِ مع البناتِ بجدوى هكذا أمور وكارثيّتها. يدكُّ الرّعبُ في قلبي في كلِّ مرةٍ كنت أرى ابنتي الصغرى تجلسُ أمام التلفاز وتسألني: “ماذا ستفعلينَ إن استشهدتُ؟ ما جدوى الحياة؟ انظري إلى كلِّ هذا الظلم. ما ذنبُ هؤلاء الأطفال؟ لم نعيشُ أصلاً هكذا حياة؟”

تفرّغْت تماماً للحديثِ وللخروجِ من البيت سوية في مواجهة “سلميّة” للوضع. دأبْت على أخذ البناتِ إلى البلدة القديمةِ وصرنا نتجولُ بها تحدّياً للخوفِ والجنودِ.  في لحظةٍ وجدتُ الحلَّ المناسبَ للمناورةِ فقلتُ:

“إن استشهدتِ فلا بأس. سألحقُ بكِ. لن أقوى على الحياة بدونك. ولن أنتظرَ بطشهم. فسألحقك ونكونُ كلنا شهداء.” كنتُ أستعطفها بالكلامِ عن حاجتي لها، ولكن يبدو أنَّ استهانتي بحياتي أمامها جعلتها تخافُ عليَّ، فالبطولة انكسرتْ في تلك اللحظة من خيالها. لا بدَّ أنهم يفكِّرونَ في بطولةٍ سيتركونها وراءهم وستخلَّد.

التفكيرُ بالموضوع أصلاً متعبٌ ومؤرقٌ. لا أفهم كيف ممكن لأم أن تعيشَ بعدَ موت ابنها هكذا عنوة.

كم هي مُرّة تلك الحياة التي تعيشها الأمهاتُ اللاتي ثكلن بفلذاتِ قلوبهن. ما أصعب فراق الأبناء فكيفَ قطافهم عنوة؟

أعجبتُ دائماً بمدرسةِ المفكر البرازيلي الكبير باولو فريري بشأنِ التعليم. فأتّفقُ تمامَ الاتفاقِ بأنه لا يوجدُ تعليمٌ محايد. فالتعليمُ كما يقول فريري إما للقهر أو التّحرير، والتّربية كالتعليم مترابطة. كلاهما ينتجُ ويفيضُ من نفسهِ لنفسه. أتأمّلُ في أبنائي وتعطّشهم الظامئ للحريةِ، للتحررِ من قيودٍ لا تربطهم بوضوح. خصوصاً إذا ما تمّت المقارنة بأقرانهم الفلسطينيين من خارجِ القدسِ، فهناك مجالٌ للحراكِ يفتقدُ تماماً إليه الفلسطيني في الضفة. البنى التّحتية تختلفُ عن تلكَ في الشقِّ الآخرِ من الوطنِ. علاماتُ التمدّنِ أوضح وأشمل للعينِ من ذلكَ هناك. ولكنَّ الحريةَ ترتقي بصاحبها، وسقفها السماء. ما يجري في المجتمعِ الفلسطيني مرعبٌ على المستوى الاجتماعي والتربوي، فآفاق الأبناء والبنات سقفهُ جدارٌ ومستوطنة تقدُّ فكّيها على السماء. يرفعُ الفلسطيني رأسه ويلوحُ أمام عينيه التفاف الجدارِ بأبعد الأفق. وحركته يحدّدها جنديٌّ ويمنعها عند كلِّ حاجزٍ. يعيشُ الفلسطينيُّ بداخلِ متاهاتٍ مقيتةٍ تسمى مدناً وبلدات تفتقرُ إلى كلِّ شيء مما يشكّلُ آفاقاً للحياة.

وهناك العالَمُ الافتراضي من خلالِ الشاشاتِ الذي يعيشهُ الجميعُ بلا استثناء مع حلمِ الوجودِ. متاهات جديدة حقيقية ضربتْ فقاعةَ الواقعِ الفلسطيني…

كم يُشبهُ الرّجلُ المحتلّ في كياني؟! وكم تشبهُ الذكورة الاحتلال؟!

أهو هاجسٌ فلسطينيٌّ فقط. أم هي حقيقية؟ حقيقة فقط يستطيعُ تجسيدها الفلسطيني؟

أهو حكمٌ ظالمٌ؟ أم أنّه كالحقيقةِ …صعبة، لا تتّصلُ بالواقع.

الفرقُ بين الحقيقةِ والواقعِ حتى ولو تباينت. الفصلُ واجبٌ اجتماعيٌّ وثقافيٌّ. الحقيقة لا تمتُّ للواقعِ بصلة.

ومع هذا مطلوبٌ منّا أن نحيا بحثاً عن الحقيقةِ. ويا ويلنا إذا ما اقتربنا منها وأخرجناها من عمقها السحيق.

الحقيقةُ مبتغاةٌ، ولكن الواقع هو الذي يجبُ أن يعاش.

كالزّواج … سُكنى بالحقيقة، ولكنهُ بالواقع احتباس. ويدورُ الزّوجانِ في أغلالِ السجين والسجان. ومع هذا يصرُّ الجميعُ أنَّ الجنانَ به وهما حارسا الوجود النقيّ والجمال الأبديّ في تلكَ الجنان.

اترك رد