في ظلال الرجال#

كنتُ صغيرة جداً عندما تزوجتُ. تقمّصتُ دورَ العروس الذي رفضْته طيلة حياتي بجدارة. بداخلي كانت هناك امرأة تريدُ أنْ تصبح قدوة للقدوة التي تريدها امّها. لا يزال هناك بداخلي إنسانة تريد أن تثبتَ لأهلها أنّها تستحقُّ أن تكون.

لربما هذا أضعف ما بداخلي من هواجس. ثقة هشّة تدمّرها نظرة من أمّي. كم تقسو الأمهات في حبّهن، ولا تدري كم تلك القسوة مجحفة.  أمّي أرادتني دائما أن اأكون ما لم تستطع هي أن تكون عليه. إلى أن قرّرتُ الطلاق. وكأنني اخترقت العالم الدّفين بها المقموع منذ زمن. أحدثت زلزالاً غريباً بها. فجّرت بركانها الكامن. لم تعد تعرفُ التّوقّف.

بداخل أمي حبّ بحجم قسوتها. حبّ يشبه ذلك الذي أتبادله مع أبنائي، إلاَّ أنّ وعيي اختلف عن وعيها لأسباب كثيرة، فأمي ضحية المجتمع الذي يكرّسُ الذكورة والضعفُ، ويتركُ تسريباً في النفس للحلم بمستقبلٍ لن يكون بلا الرّجل. علمتني كلَّ ما تمنّته في خفائها. وعندما صرتُ هذا الذي تمنّته حاولت تكسيره كإبراهيم عليه السلام، وهو يكسرُ أصنام معبده. تلاحقني نظراتها دائماً، وأنا أحاصَر بها … وفي كلِّ مرّة أحاولُ أن أثبت لها بأنني أستحقُّ أن أكون ابنتها. أنني وبالرغم من تكسير أحلامها بالولد الذكر وجرّي للبنات الإناث أريدُ أن أعوِّضها، وأثبت لها أنّ البنت كالولد. شعور لا يكبرُ مهما كبرت.

كنتُ زوجةً مطيعة كما أرادتني أمّي، وكنتُ قوية كما أرادتني أمّي. كنتُ أرى بعيونها الفرح لاستقراري، وأرى بعيونها الهلع الذي يذكرها بإحباطاتها.

ثقتي بنفسي تطاردها كثيراً أخواتي وأبنائي وطليقي كذلك، وكأن بهم حصار المجتمع. أحياناً يتفقوا جميعهم علي، فمثلاً الجميع متفق بأنني مجنونة، والجميع متفقٌ بأنَّ ثقتي العمياء هذه غير مبررة، فأنا لستُ جميلة. عيوني غائرة يكسوها السواد. معهم حق، ولكن عيوني ليست محيطها. عيوني هي عيوني وليس ما يعلوها، ولا ما يدنو منها من تخبطاتِ الحياة. كنت أستهزئ بمن يقولُ لي بأنَّ أجمل ما بي عيوني وفمي. فبسرعة أرى تخويتات طليقي أمام أبنائي بأيام الغفلة بيننا وهو في مزاجٍ كانَ قد قرّر أن يتكلمَ معي: ” لا بدَّ أنهم يرونك بنظاراتِ الشمس على مائدةِ العشاء؟ ” وأضحكُ ويضحكُ الأطفال. ويوافق الجميع، وإذا ما قلت إن إنساناً أعطاني مجاملة لجسدي الجميل يبدأ الأطفال وأخواتي بالضحك مرددات: ” ما شافوا البلاوي المخبأة من تشققاتٍ وترهلات.”  وكنتُ أجيبُ بكبرياءٍ مقموعٍ: ” بلا مع التشققات والترهلات”. وكانت هذه دائماً فرصة لأظهرَ بطني أمام أبنائي وأبدأ باستعراض طريق التشققات. هذه الطويلة العميقة المحفورة فوقَ سرّتي أنت كبيرتي. وهذا الخط المتتالي في جميعِ أنحاء بطني طولاً أنت وليدي، وهؤلاء التشققات حول جوانبي أنت أميرتي. أما للصغرى فلا بدَّ أن بعضَ ما جرى على جسدي من تشققاتٍ ساهم وجودك في تعميقه.” مداعبة أصبحت مع الأيام بالنسبة

لأبنائي تقديراً وعرفاناً لآلام لا يشعرنها، ولكنهم يرون آثارها.

Leave a Reply