قراءة في رواية “على درب مريم”  للدكتور الأديب أسعد الأسعد خلال حفل إطلاق الرواية في مركز يبوس الثقافي بالقدس

 قراءة في رواية “على درب مريم”  للدكتور الأديب أسعد الأسعد خلال حفل إطلاق الرواية في مركز يبوس الثقافي بالقدس

https://youtu.be/rEii-TZiMq4

جئتكم من عند مريم، التي التقيتها في حواري القدس. قد لا تصدّقون طالعي، ولا عجب في ذلك، فأنا أيضا أكاد لا أصدّق.

التقيتها في أزقّة القدس القديمة، ولا تزال في خاطري، حجارة تتزيّن بها، وتنتظر قراءة طالعها هي الأخرى، فذاك الياقوت، وذاك الزبرجد، والفيروز وغيرها من الحجارة أمعنت في الغوص بسراديب دانتي ومعلمه أبي العلاء المعري وما قبلهما وما بعدهما.

في حواري القدس، وانا ابحث عن مريم وقبل ان التقيها، اخذني العم سمعان الى قرى الجليل، حيث بدأ المسيح رحلته نحو السماء، بعد ان نصحني باتباع درب مريم.

كل امرأة تحمل في داخلها ملامح مريم، عندنا مريمات كثيرات، ليس فقط زوية، ريحانيه، سلمه، تمار، مندا، حنين وداليا وزينات واخريات كثيرات، لكل واحدة قصتها، لكنهن جميعا مريم بشكل او بآخر وكل الرجال ميرون، بشكل او بآخر.

نادية حرحش، هي أيضا مريم، مريم النابلسية، المقدسية، الجليلية، الخ تنقل عبر دروبها، حاملة همومها، هموم المريمات، من أمها الى زميلاتها، الى صديقاتها الى نماذج من الشبان الذين ارتبطوا بنساء مختلفات، ومارسوا عليهن قسوتهم، الممزوجة بعقدهم، عقد الرجل الشرقي عموما، والعربي خصوصا، والفلسطيني إذا ما أردنا تخصيص الامر أكثر، وأقرب الى الواقع.

هنا تأخذنا “مريم حرحش”، الى زوايا الجليل ودروبه، عبر قرى وضيع عديدة، بهوامش تحمل تفاصيل تلك المناحي، وشرحا لحالها، وما حل بها، معاناة مريم من اضطهاد الاحتلال واضطهادها من الرجل والمجتمع.

تتحدث مريم، مدركا ان حديثها يأخذك إلى دروب سلكتها، وكأنها تتحدث عن نفسها في سيرة مريمية، مفعمة بالأحداث وتفاصيل حياة، محملة بانحناءات ومنعرجات مختلفة ومتعددة، وان كانت لا تخلو من ابداء رأي او انحياز لموقف ما، رغم جرأتها في بعض الأحيان، لكنها لم تستطع إخفاء تحفظها وعدم الابتعاد كثيرا في تفسير احلامها، ورؤاها، كأنني امام مذكرات يومية، تناولت أروقة التاريخ وسراديبه البعيدة، مفعمة بأحاديث فلسفية، تكاد تلامس كل ما علق بالديانات القديمة، وعلاقتها بالبشر، سواء الذين امنوا بها او الذين لم يؤمنوا.

باختصار هو بوح امرأة منبعثة من نور ملفّع بالخطايا. امرأة حقيقيّة، تبحث عن جملة موسيقية لم تفهمها، في لحن حملها إلى عالم من الوعي والإدراك للحقائق، فاق ما تحمله النجوم من معان وأسرار، وانعكاسات ما يدور على الأرض وفي باطنها.

 ولأن الرجال هم الذين كتبوا التاريخ، فقد خرج الإنجيل تحديدا منحازا للرجل، فألصق بالمرأة كل أنواع الشرور، رغم ان المرأة كانت دائما بطلة الحكايات والروايات في كل ما جرى من أحداث في التاريخ، وهي أيضا العاهرة التي كرّستها كل الروايات على الرغم من صكّ البراءة الذي أصدره الفاتيكان قبل أكثر من نصف قرن، إذ بقي القديم على قدمه، كما في الديانات والمسلّمات في الكتب المقدسة، التي وصلتنا. تتجسّد هذه الدلالات في جداريّات النوتردام في باريس، من رعاة أركيديا لبوسان، الذي عاش في الجليل ردحاً من الزمن قبل انتقاله الى فرنسا، ام مريم المجدلية فقد ظهرت في باريس على شكل امرأة دعاه الفرنسيون مادلين. وهناك حي كامل باسمها، وقد امتنع الفرنسيون عن اظهار صورة لمادلين او للمجدلية، ولا يُعرف السبب.

تواصل مريم الحديث في دفتر مذكراتها، هكذا رأيت وارى كذلك، فتشير الى النساء في فترينات أمستردام، حيث يجلسن بانتظار الرجال الباحثين عن متعة النظر الى اجسادهن ومفاتنهن، وتتساءل لماذا لا يقف الرجال عراة في فترينات كما النساء العاريات في فترينات أمستردام؟!

ولا تزال مريم هي ذاتها المجدلية، تارّة في غزة وتارّة في طبريا، وتارّة في حواري القدس. لكنّها اليتيمة، واللاجئة، التي تعاني اليتم والهجرة، رغم أنّ أهلها ما زالوا أحياء منتشرين في المدن والقرى والضّيع المختلفة. لكنّها لا تزال تحتفظ بذاكرة قوية لسير ذاتية لمريمات مختلفات ومتعددات، لكن كلّ واحدة منهنّ مريم: السيدة مريم، والسيدة العذراء، والمجدلية. ربّما تتشابه حكاياتهن، في بعض منحنياتها لكنّها في النهاية تتشابه الى حدّ بعيد، ليس في الشكل، ولكن في مضامين تلك الحكايات، ولعلّ أهمّها ذلك القمع الذكوريّ الذي يتحكّم في رسم معالم حياة ومستقبل كلّ مريم.

تتهاوى الذكريات وتتراجع مع القصف والانهيارات المتتالية، انهيارات المباني والأحياء، وانهيار البناء الأسريّ الصغيرة منها والكبيرة.

ففي الحروب تتساقط الجدران، وتتقلّص المسافات بين الناس، وتكاد تنمحي الفوارق، وان كانت الانهيارات نسبية. فتلك عائلة فقدت ولداً، وأخرى فقدت ولدين، تلك تعيش في سقيفة أو ما تبقّى من مأوى لها كان يسمّى بيتا جميلا تزيّن سقوفه رسومات من الجبس فلم تبقِ القذائف غير جدران عارية وقد تطايرت اللوحات التي كانت تتزين بها واستعيض عن السقف الاسمنتي بألواح من الزينكو تسندها حجارة قد يؤدي سقوطها أحيانا الى موت عامر ويحي وبما أسماء أخرى من قائمة تطول، أسميناهم شهداء.

في الحرب تختلط المشاهد، ولا يعود هناك فرق كبير، بين بيوت حي الرمال الارستقراطي وحارات مخيم الشاطئ القريب، كل شيء قابل للانهيار، حتى الذكريات يصيبها ما يصيب البيوت، التي تنهار، نحاول لملمة محتوياتها وتفاصيلها التي تناثرت، ونحاول ترميمها، عبثاً. فهناك تكسّرت محتويات البيت، ولا يمكن إعادة ما تكسّر، كما الذكريات، إن تكسّرت، كيف يفيد ترميمها؟ عندها لا نملك غير تجاوزها، والسعي لنسيانها.

يتواصل سرد ما علِق بذاكرتها، وتنتقل من مريم الى أخرى، حتى وإن تبدّلت الأسماء، فهذه صفا، وهذه مندا، وتلك سيرين، وتلك مجد، وهذه فرديسيا وهذه لم اعد اذكر اسماءهن من كثرتهن. لكنّ قصصهن، تذكّرني بقصص عاهرات باولو كويلو حتّى أنّي لم اصدّق انّ ذلك يجري في بلادنا وفي مجتمعنا.

لكلّ مريم قصة تختلف عن الأخرى، وان تشابهت نهاياتها، والرجال كذلك، في دفتر مذكرات نادية حرحش، الذي ازدحم بأخبارهم وأخبارهن، وإن امتلأت صفحات دفترها بأخبار وحكايات العهر والضياع لرجال ونساء شغلهم الشاغل القنص واصطياد الآخرين. غير أننا أمام مذكّرات تناولت مختلف مناحي الحياة في فلسطين، كما أن تاريخ العائلات وانتقالها من مكان لآخر، كان واضحاً في سرد حكايات مريم. حكايات المريمات، بمسمّيات عدة، فتلك الأم دالية، وزوجها بدر بيك، وتلك سنديانة وهذه حنين، وسارة، وغيرها وغيرها. هذ في القدس وتلك في غزة، وتلك في بيروت، ودمشق والقاهرة وأخرى في الإسكندرية.

صورة متعددة لمريم، وأخرى لفارس ونجد وعمّار وبدر بيك وجهاد وميعار السوري وغيرهم وغيرهم.

حين تنتهي من قراءة ” مذكّرات مريم” بلسان نادية حرحش، تكتشف أنّ ما قرأته أخذك بعيداً عبر تاريخ فلسطين، قبل وبعد، من خلال قصص نقلت لنا أخبار مريم والمريمات وحكاياتهن على لسانهن.

احتلال لم يرخِ ظلاله فحسب، بل أنه تدخّل في معظم الأحيان بتفاصيل حياتنا وحياتهن بالطبع.

غير أن الاحتلال وقمعه، ليس بالضرورة مبرراً لقمع المرأة في مجتمعنا، واستمرار دفعها للثمن او بالأحرى لثمن حال ليس لها دخل فيه..

مريم لا تزال ضحية مجتمع يُحمّلها ما لا طاقة لها به، حتى أصبحت النصف المُعطَّل.

تحية لمريم،

أقصد نادية، وتقديري العالي لعملها وإبداعها الجديد الذي أعتبره إضافة تستحق التقدير والاحترام، وخصوصا في هذا الوقت بالذات.

أسعد الاسعد.

Leave a Reply