لو كان الرئيس مواطناً

لو كان الرئيس مواطنا

لا يمكن تجاوز الحديث عن موضوع صفقة القرن ما بعد إعلانها.

فكرت كثيرا بألا انضم الى قافلة الآراء والتكلم عن الموضوع، وكأنني اردت اعلان رفضي كما اعترافي بها. بالمحصلة، فلا شرعية لمن أعلن ووزع ومن احتفل وصفق.

أدخلني المشهد الحاصل من مقايضة واحتفال في الصفقة المعلنة في حالة من الفانتازيا ربما، في ظل كمّ الفكاهة التي طفت على الحدث بينما الحقيقة في قعر حياتنا كفلسطينيين. وكأنّ ترامب رئيس جاهة متوجهة لطلب عروس – نحن- مع عريس- نتانياهو. وقرر رئيس الجاهة انه أصلحْ للعريس، واستأثر الزواج منه – في زواج يكسّر المفاهيم والأعراف. فعلى الرغم من انّ العروس المفترضة مغتصبة من قبل العريس المفروض، الا ان الوسيط الوجيه وقع في غرام العريس وقرر الاستئثار به لنفسه، في زواج مثليّ.

ولكن …بعيدا عن افكاري التي لم تعد تر الا شذوذيه الوضع الحالي، فكرت مطولا بالأمر.

هل نستنكر مرة أخرى؟

هل ما جرى متفق عليه وما نراه ليس الا انتهاز فرصة تاريخية لكل من نتانياهو وترامب تكون سابقة من ناحية وتكون ممرّهما المؤكد نحو بوابات الفوز في الانتخابات القادمة؟

هل نندب حظنا ونبدأ في التفتيش عن عنوان او مسمى للمرحلة القادمة؟ هل نفرغ في اجنداتنا يوما خاصا للتنديد بصفقة القرن، كما بلفور والنكبة والنكسة وغيرها…؟

هل لنا ان نعطي لسارق ورئيس عصابة شرعية لبضاعة منهوبة ومعروف صاحبها؟

لعل الأسئلة تزداد والتحليل يتعمق، ولربما هذا تمنّي، فنحن لم نعد الا ارتدادات لحدث نتحدث فيه كلنا بصوت واحد بلا وحدة ولا اتحاد. صوت توحّدٍ تتردد فيه الأصوات ولا يسمع فيها أحد قرينه من قريب ولا بعيد. مجرد أصوات مزعجة متفرقة تصنع ضوضاء وتضيع مع أثيرها في فراغ الهواء…

ولكن.. هل هناك فرصة وسط كل هذا الخراب؟

فكرت ما الذي على الرئيس فعله بالضبط، غير التصريح والتنديد والخروج لنا بخطاب بكائي او تحريضي، اذا لم يكن جزء من هذه الصفقة التي لا تشكل بالمحصلة الا قفلة لمشروع أوسلو الذي كان الرئيس مهندسه.

 لو لم يكن الرئيس وسلطته جزء من صفقة القرن، واصابته الصفعة حقاً وتفاجأ مثل الشعب المتفاجئ. مع أني استغرب من استغرابنا، فأوسلو منذ مولدها كانت ستنتهي الى صفعة مدوية نراها في عرض ترامب ونتانياهو. فما الذي يمكن لاحد توقعه غير هذا بعد سنوات من تصفية مبرمجة للقضية وسط انسحاق للمفاوضات الفلسطينية تحولت الى موسوعة كتبها لنا للتاريخ صائب عريقات ولا يزال يدلي من فيض لمعلومات عن مفاوضات عرضت وتعرض، حصلت ولم تحصل، يعلم بها ولا نعلم يخبئها لنا وسلطته للتاريخ لنعتبر ربما او لا نعتبر.

الدبلوماسية الفلسطينية تتجسد في سفراء ومندوبين بلا أدنى تأثير. كنا قبل سنوات ليست بعيدة اهم شعب يحمل قضية يتأثر بها العالم فخراً، لنصبح عدماً أينما حللنا.

لأترك المفاوضات والدبلوماسية وأركّز على الأرض. بما اننا الشعب والسلطة شركاء في هذه النهاية المأساوية ما العمل؟

هل نطالب بحل السلطة؟

هل نهرول لنؤمن أنفسنا تحت الاحتلال؟

هل نعلن الاستسلام بالتالي نرضى بصفقة القرن كوثيقة انهزام؟

لو فكر الرئيس كمواطن كيف يتصدى لصفقة القرن؟

قد نتفق اليوم ان وجود السلطة مطلبا إسرائيليا وامريكيا، فهو ليس تحت تهديد الحلِّ إذا ما خاف هو وارباب السلطة على بقائهم. وهنا قد يتبقى امامه حلّ أخير، وهو العمل على الشعب بإعادة بناء ما تم حلّه من نسيج شعبوي مجتمعي تفكك واهترأ في العقود الأخيرة على كل الأصعدة. نحن اليوم في مكان لم تعد الأرض هي مكان النزاع فيه. فلم يبق من هذه الأرض الا قطع متناثرة متبعثرة متفرقة متقطعة، ولكن الانسان الفلسطينيّ لا يزال يشكل المعضلة الأساسية خصوصا مع غياب أدوات الضغط الأخرى كالأرض. فلقد تركت القيادة الفلسطينية، الكيان الإسرائيلي بالامتداد والنهش والانقضاض والسلب والاستيلاء بلا رقابة ولا حساب. ولربما مرّ الكثير على مرأى العين والموافقة والترحيب السري والعلني ربما. واليوم نقف قيادة وشعب في نفس المكان من استلاب السلطة والأرض، ولم يبق منا الا الانسان لننقذه. فقد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لنا للنجاة.

اليوم نقف صفا واحدا بالفعل ونشعر بألم الصفعة المدوّي. فما المتبقي امامنا لعمله؟

لو قرر الرئيس ان ينزل اليوم من مقاطعته التي لن تحميه الى الابد ممن أمن من خلالهم. فكيف يؤمن عاقل لعدوّ؟ وقرر ان يتصرف كرئيس للفلسطينيين، كيف يمكن له إعادة البناء والإنقاذ؟ بالمصالحة فقط؟

اخشى أن تكون المصالحة مجرد تكتيك لمرحلة تطبيق الصفقة ونقل القوة السياسية ما بين فتح وحماس الى غزة لتكون هي مركز فلسطين الجديدة المرتقبة، فتتوسع الحدود وتنتقل القوة والسيادة المؤقتة الى هناك و تترك الضفة في كانتنوناتها الحالية يحكم فيها العشائر وقوى الامن المحسوبة على الأقوياء من الفصائل.

لو ان الصفقة صفعة حقيقية، يستطيع الرئيس ان يقرر حلّ الامن فورا، وإعطاء أوامر بحل كل الرتب الأمنية والعسكرية وتسليم كل قطع السلاح، وإعطاء كل رجل امن قطعة ارض ليزرعها. ٣٠ بالمئة من قوى العمل الفلسطينية التي تلبس زي الامن تستطيع ان تتحول الى قوى بناء للأرض وزراعتها وبالتالي حمياتها.

لو ان الصفقة صفعة حقيقية، يستطيع الرئيس ان يقرر حل قطع السلك الدبلوماسي ويعيد كل الموظفين ويشكل منهم قوى مناصرة ضد الطغيان الحاصل وإعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني الى العالم بما يتناسب مع حاجة الفلسطينيين وقضيتهم.

لو ان الصفقة صفعة حقيقية، يستطيع الرئيس ان يقرر مقاطعة كل منتج إسرائيلي وامريكي ويوقف فورا كل اتفاقية تعاون مع كل دولة كانت جزء من صفعة الفلسطينيين المدويّة.

لو أن الصفقة صفعة حقيقية، يستطيع الرئيس ان يقرر فورا إعادة بناء المناهج التعليمية الفلسطينية بما يتناسب مع بناء الانسان الفلسطيني نحو تحرر يحمل مضامين الحرية والعلم المنير والأخلاق وحب الوطن والإخلاص له.

لو ان الصفقة صفعة حقيقية، يستطيع الرئيس ان يقرر حل كل الوزارات واستبدالها بلجان عمل طوارئ تعيد بناء ما تم هدمه من كل ما صرنا عليه من أدوات استهلاكية وسلع شبه بشرية تعيش من اجل اللقمة في محاولات استبسالية من اجل البقاء على الحياة.

لو ان الرئيس يصير مواطنا….

اترك رد