Monthly Archives: January 2020

 

الخوف ألدّ أعداءنا …. ولا يكلّ أبداً عن محاصرتنا كلّما سنحت له الفرصة…

يجرّنا عنوة في أغلب الأحيان إلى نهايتنا … إلى موتنا.

فقه الموت في الحياة الفلسطينية مقترن بفقه العيش. وكأنّنا خلطنا الأمور في فقه الدنيا وتجاوزنا خوفنا برمي أنفسنا اعتباطا للموت.

موتنا المجاني مقابل حياة مرجوّة لمن يبقى منا. لقد نجحت إسرائيل بإقناعنا بأن حياتنا وموتنا سواسية. بل صرنا نهرول للموت ونخلق منه بطولات. نزغرد للشهادة ونرقص عليها ونشدو.

انتزعوا منّا وهج الحياة ففقدت قيمتها من نفوسنا. عندما لفّ الشباب بطونهم بالأحزمة الناسفة بُعيْد الانتفاضة الثانية. لم يفهم الاسرائيليون بأنّ نزع معاني الحياة من النفوس تهون على الأجساد. حالة الإذلال والقمع والبؤس كانت كما لا تزال تمرّ من خلال نفوسنا وتسلب منّا الحياة.

كنتُ صغيرة جداً عندما تزوجتُ. تقمّصتُ دورَ العروس الذي رفضْته طيلة حياتي بجدارة. بداخلي كانت هناك امرأة تريدُ أنْ تصبح قدوة للقدوة التي تريدها امّها. لا يزال هناك بداخلي إنسانة تريد أن تثبتَ لأهلها أنّها تستحقُّ أن تكون.

لربما هذا أضعف ما بداخلي من هواجس. ثقة هشّة تدمّرها نظرة من أمّي. كم تقسو الأمهات في حبّهن، ولا تدري كم تلك القسوة مجحفة.  أمّي أرادتني دائما أن اأكون ما لم تستطع هي أن تكون عليه. إلى أن قرّرتُ الطلاق. وكأنني اخترقت العالم الدّفين بها المقموع منذ زمن. أحدثت زلزالاً غريباً بها. فجّرت بركانها الكامن. لم تعد تعرفُ التّوقّف.

بداخل أمي حبّ بحجم قسوتها. حبّ يشبه ذلك الذي أتبادله مع أبنائي، إلاَّ أنّ وعيي اختلف عن وعيها لأسباب كثيرة، فأمي ضحية المجتمع الذي يكرّسُ الذكورة والضعفُ، ويتركُ تسريباً في النفس للحلم بمستقبلٍ لن يكون بلا الرّجل. علمتني كلَّ ما تمنّته في خفائها. وعندما صرتُ هذا الذي تمنّته حاولت تكسيره كإبراهيم عليه السلام، وهو يكسرُ أصنام معبده. تلاحقني نظراتها دائماً، وأنا أحاصَر بها … وفي كلِّ مرّة أحاولُ أن أثبت لها بأنني أستحقُّ أن أكون ابنتها. أنني وبالرغم من تكسير أحلامها بالولد الذكر وجرّي للبنات الإناث أريدُ أن أعوِّضها، وأثبت لها أنّ البنت كالولد. شعور لا يكبرُ مهما كبرت.

كنتُ زوجةً مطيعة كما أرادتني أمّي، وكنتُ قوية كما أرادتني أمّي. كنتُ أرى بعيونها الفرح لاستقراري، وأرى بعيونها الهلع الذي يذكرها بإحباطاتها.

ثقتي بنفسي تطاردها كثيراً أخواتي وأبنائي وطليقي كذلك، وكأن بهم حصار المجتمع. أحياناً يتفقوا جميعهم علي، فمثلاً الجميع متفق بأنني مجنونة، والجميع متفقٌ بأنَّ ثقتي العمياء هذه غير مبررة، فأنا لستُ جميلة. عيوني غائرة يكسوها السواد. معهم حق، ولكن عيوني ليست محيطها. عيوني هي عيوني وليس ما يعلوها، ولا ما يدنو منها من تخبطاتِ الحياة. كنت أستهزئ بمن يقولُ لي بأنَّ أجمل ما بي عيوني وفمي. فبسرعة أرى تخويتات طليقي أمام أبنائي بأيام الغفلة بيننا وهو في مزاجٍ كانَ قد قرّر أن يتكلمَ معي: ” لا بدَّ أنهم يرونك بنظاراتِ الشمس على مائدةِ العشاء؟ ” وأضحكُ ويضحكُ الأطفال. ويوافق الجميع، وإذا ما قلت إن إنساناً أعطاني مجاملة لجسدي الجميل يبدأ الأطفال وأخواتي بالضحك مرددات: ” ما شافوا البلاوي المخبأة من تشققاتٍ وترهلات.”  وكنتُ أجيبُ بكبرياءٍ مقموعٍ: ” بلا مع التشققات والترهلات”. وكانت هذه دائماً فرصة لأظهرَ بطني أمام أبنائي وأبدأ باستعراض طريق التشققات. هذه الطويلة العميقة المحفورة فوقَ سرّتي أنت كبيرتي. وهذا الخط المتتالي في جميعِ أنحاء بطني طولاً أنت وليدي، وهؤلاء التشققات حول جوانبي أنت أميرتي. أما للصغرى فلا بدَّ أن بعضَ ما جرى على جسدي من تشققاتٍ ساهم وجودك في تعميقه.” مداعبة أصبحت مع الأيام بالنسبة

لأبنائي تقديراً وعرفاناً لآلام لا يشعرنها، ولكنهم يرون آثارها.

رعبٌ محتمٌ

 

IMG_4862 copy

أرتعبُ في كلِّ مرّةِ أتركُ البيتَ، أو تخرجُ بناتي للمدرسة. أسلمُ أمري إلى ربي تسليم مطْلق. لأنّي لا أستطيع التكهنَ بأيِّ مما يمكنُ أن يحدث. هناك حالةُ احتقانٍ تملأ الأجواء كلّها. استغرقني الوقتُ في التكلمِ مع البناتِ بجدوى هكذا أمور وكارثيّتها. يدكُّ الرّعبُ في قلبي في كلِّ مرةٍ كنت أرى ابنتي الصغرى تجلسُ أمام التلفاز وتسألني: “ماذا ستفعلينَ إن استشهدتُ؟ ما جدوى الحياة؟ انظري إلى كلِّ هذا الظلم. ما ذنبُ هؤلاء الأطفال؟ لم نعيشُ أصلاً هكذا حياة؟”

تفرّغْت تماماً للحديثِ وللخروجِ من البيت سوية في مواجهة “سلميّة” للوضع. دأبْت على أخذ البناتِ إلى البلدة القديمةِ وصرنا نتجولُ بها تحدّياً للخوفِ والجنودِ.  في لحظةٍ وجدتُ الحلَّ المناسبَ للمناورةِ فقلتُ:

“إن استشهدتِ فلا بأس. سألحقُ بكِ. لن أقوى على الحياة بدونك. ولن أنتظرَ بطشهم. فسألحقك ونكونُ كلنا شهداء.” كنتُ أستعطفها بالكلامِ عن حاجتي لها، ولكن يبدو أنَّ استهانتي بحياتي أمامها جعلتها تخافُ عليَّ، فالبطولة انكسرتْ في تلك اللحظة من خيالها. لا بدَّ أنهم يفكِّرونَ في بطولةٍ سيتركونها وراءهم وستخلَّد.

التفكيرُ بالموضوع أصلاً متعبٌ ومؤرقٌ. لا أفهم كيف ممكن لأم أن تعيشَ بعدَ موت ابنها هكذا عنوة.

كم هي مُرّة تلك الحياة التي تعيشها الأمهاتُ اللاتي ثكلن بفلذاتِ قلوبهن. ما أصعب فراق الأبناء فكيفَ قطافهم عنوة؟

أعجبتُ دائماً بمدرسةِ المفكر البرازيلي الكبير باولو فريري بشأنِ التعليم. فأتّفقُ تمامَ الاتفاقِ بأنه لا يوجدُ تعليمٌ محايد. فالتعليمُ كما يقول فريري إما للقهر أو التّحرير، والتّربية كالتعليم مترابطة. كلاهما ينتجُ ويفيضُ من نفسهِ لنفسه. أتأمّلُ في أبنائي وتعطّشهم الظامئ للحريةِ، للتحررِ من قيودٍ لا تربطهم بوضوح. خصوصاً إذا ما تمّت المقارنة بأقرانهم الفلسطينيين من خارجِ القدسِ، فهناك مجالٌ للحراكِ يفتقدُ تماماً إليه الفلسطيني في الضفة. البنى التّحتية تختلفُ عن تلكَ في الشقِّ الآخرِ من الوطنِ. علاماتُ التمدّنِ أوضح وأشمل للعينِ من ذلكَ هناك. ولكنَّ الحريةَ ترتقي بصاحبها، وسقفها السماء. ما يجري في المجتمعِ الفلسطيني مرعبٌ على المستوى الاجتماعي والتربوي، فآفاق الأبناء والبنات سقفهُ جدارٌ ومستوطنة تقدُّ فكّيها على السماء. يرفعُ الفلسطيني رأسه ويلوحُ أمام عينيه التفاف الجدارِ بأبعد الأفق. وحركته يحدّدها جنديٌّ ويمنعها عند كلِّ حاجزٍ. يعيشُ الفلسطينيُّ بداخلِ متاهاتٍ مقيتةٍ تسمى مدناً وبلدات تفتقرُ إلى كلِّ شيء مما يشكّلُ آفاقاً للحياة.

وهناك العالَمُ الافتراضي من خلالِ الشاشاتِ الذي يعيشهُ الجميعُ بلا استثناء مع حلمِ الوجودِ. متاهات جديدة حقيقية ضربتْ فقاعةَ الواقعِ الفلسطيني…

كم يُشبهُ الرّجلُ المحتلّ في كياني؟! وكم تشبهُ الذكورة الاحتلال؟!

أهو هاجسٌ فلسطينيٌّ فقط. أم هي حقيقية؟ حقيقة فقط يستطيعُ تجسيدها الفلسطيني؟

أهو حكمٌ ظالمٌ؟ أم أنّه كالحقيقةِ …صعبة، لا تتّصلُ بالواقع.

الفرقُ بين الحقيقةِ والواقعِ حتى ولو تباينت. الفصلُ واجبٌ اجتماعيٌّ وثقافيٌّ. الحقيقة لا تمتُّ للواقعِ بصلة.

ومع هذا مطلوبٌ منّا أن نحيا بحثاً عن الحقيقةِ. ويا ويلنا إذا ما اقتربنا منها وأخرجناها من عمقها السحيق.

الحقيقةُ مبتغاةٌ، ولكن الواقع هو الذي يجبُ أن يعاش.

كالزّواج … سُكنى بالحقيقة، ولكنهُ بالواقع احتباس. ويدورُ الزّوجانِ في أغلالِ السجين والسجان. ومع هذا يصرُّ الجميعُ أنَّ الجنانَ به وهما حارسا الوجود النقيّ والجمال الأبديّ في تلكَ الجنان.

بأي ذنب مات الطفل قيس أبو رميلة؟

نامت القدس على خبر مرعب باختفاء ابن الثامنة، الطفل قيس ابورميلة وصحيت على خبر وجوده جثة بلا حياة.

لا اعرف كم فقدت تلك الجثة الحياة في مشهد يرفض ان يفارق مخيلتي منذ صباح اليوم، جسد يكاد الناظر يصدق ان الحياة لا تزال تنبض فيه وكأنه نام الى الابد في وضعية الجنين مختبئا محتميا ربما من البرد القارص والمطر المنهمر والوحل المحيط به وسط ضوضاء لم تترك سكون الليل. لو سكنت تلك الليلة ربما كان أحدهم سمع انين الطفل المنزوي وجسده الغارق في الوحل السحيق.

أسئلة لم تفارقني، كما مشاعر كثيرة بالحزن والالم والأسى ظلت مصاحبة لي خلال يومي. لم يبق إنسان الا انشغل في الدعاء من اجل هذا الطفل، ولا بد الانشغال لا يتوقف بالدعاء لأمه وأهله بالصبر على هذا المصاب الكبير. فليس أسوأ من هكذا خسارة.

الكثير من العبر والدروس في المقابل علينا التوقف عندها كثيرا… لعل وعسى تعلمنا لنتلافى مصائب ممكنة قبل وقوعها.

مرة أخرى كان التكاتف والتعاطف والتكاثف من اجل المساعدة في البحث عن الطفل. سرعان ما انتشر خبر اختفائه ومن ثم احتمالية او بالأحرى تأكيد خبر خطفه، أكد على ان سكان هذه المدينة ينتفضون حرصا وخوفا من اجل اطفالها …تحديدا. وما من شك ان الخوف مبرر.

لا اعرف كيف أصف حالتنا، ربما كنا نحمل كسكان وزر المسؤولية على مصاب سابق، نخشى ان يتكرر، كأهل العراق عندما تركوا الحسين للقتل، وعليه لا يزال الشيعة يجلدون أنفسهم سنويا تذكيرا وتخليدا لذلك المصاب الجلل في تركهم للحسين.

فهل تركنا محمد ابو خضير عندما اختطفه المستوطنون الوحوش وحرقوه؟ ربما لم نصدق ان ما جرى كان ممكن الحدوث. فمن يصدق ان الكره والحقد يصل في نفوس الاحتلال الى هذا القدر من الوحشية؟

اختفاء واحتمالية خطف الطفل قيس أبو رميلة أعاد للأذهان وحشية مصير الفتى محمد أبو خضير. المشاهد التي تم تداولها من عملية خطف لم تترك المجال الا التفكير ان قطعان المستوطنين اختطفوه، خصوصا عندما اكدت عائلة الطفل عدم وجود أي خلاف بينهم وبين أحد.

فهذا كذلك وارد في ظل ما نشاهده من وحشية مجتمعية، ضرب وقتل وحرق… أمور صارت جزء عاديا في يومنا. بل صار يبدو غريب ان يمر يوم بلا فاجعة او مصيبة بها طوشة او إطلاق نار او حرق سيارة.

هذا الرعب المبرر والمفهوم من قبل سكان القدس من الخطف يفسر احقية المشهد العظيم الذي رأيناه الامس من محاولات للمساعدة والبحث. حتى فكرة البحث في الاحراش كانت نتيجة طبيعية للتراوما الحقيقية التي عشناها كمجتمع عند اختطاف الفتى محمد أبو خضير وحرقه. ولكن لم أستطع الا ان اسأل نفسي بينما كنت استعد للتكلم مع كل من اعرف من المقربين وله طفل بهذه الاعمار لتحذيرهم، اليس من الخطأ ان نترك الأطفال بالشوارع ونحن غير امنين على حياتنا وحياتهم؟ هذا القدر الذي اظهره المجتمع من الرعب من الخطف يؤكد على ضرورة حرصنا كأهل على الأطفال أولا. لماذا نطلق ابناءنا للتواجد منفردين بشوارع غير آمنة على الحياة؟

ولنقل، ان الامر عادي، والولد كغيره من أبناء عمره، فمن منا تستطيع بالفعل السيطرة على عدم خروج ابنها الى الشارع؟ وقد يكون هناك سبب عادي ومبرر وممكن بلا لوم على خروج الطفل. غياب المسؤولية الاجتماعية عن التحذير وإصلاح هذا المكان الذي كما رأينا يؤدي الى القتل، يجعل الامر يخرج من فكرة تحميل المسؤولية لأهل طفل خرج الى الشارع من اجل ان يشتري حاجة ما قريبة من البيت الى مسؤولية الحارة والشارع المزدحم المليء بالعابرين من الأطفال والراشدين وهم على دراية مسبقة بحجم الخطر في ذلك المكان. طبعا تنتهي المسؤولية هنا عند دور بلدية الاحتلال التي لا تهتم أصلا بالبنى التحتية ولا البنى الفوقية بما يتناسب مع مصلحة السكان، ناهيك عن عدم مبادرة السكان بالعادة للتوجه للبلدية وذلك بسبب العلاقة السيئة والسلبية ما بين المواطن الفلسطيني وبلدية الاحتلال. بالعادة رؤية سيارة شرطة او بلدية نذير شؤم على أصحاب المحلات والسكان من رعب دائم للساكن في القدس من حياته تحت احتلال يتربص له بالمخالفات والانتهاكات.

المتابع لما جرى بالأمس، وهو الجميع للحقيقة، تمسك بفرضية اختطاف الطفل، وهب الأكثرية لفرضية قطع الطريق على المستوطنين الخاطفين. لا اعرف لم تذكرت لوهلة الفيديو الذي نشره زوج نانسي عجرم بعد قتل الشاب الموسى في بيته. في قضية زوج عجرم، جعلنا الرجل نصدق ما يريده ان نراه من مقاطع غير واضحة ومفهومة لما يبرر ما لم نراه ولكن عرفناه انه أطلق ١٦ رصاصة في جسد القتيل. بمقطع فيديو الامس عن الطفل واختطافه، لم يكن مؤكدا ما رأيناه من اختطاف في وضح النهار بلا تحرك لأي من الناس المكتظة بالمنطقة. ومع هذا أثرنا التصديق، وقلت في نفسي، ربما تم اخذ رقم السيارة وما يجري عمله الان هو محاولة لرصد تلك السيارة. وكبر بالتالي سيناريو اتهام المستوطنين مقابل عدم سماع تعليق للشرطة، او بالأحرى انتشار اخبار بان الشرطة تتباطأ في تحقيقاتها.

يبدو ان الشكوك بان الطفل وقع في تلك “العبارة” كما تبين من فيديوهات كذلك نشرت بالأمس تعيد شرح ما قالته الشرطة عندما تم احضار قوى الدفاع المدني من اجل شفط المياه لشكوكهم بأن الطفل قد وقع هناك. لأن كلاب الأثر التي جلبتها الشرطة استدلت الى ذلك المكان. كم الاكتظاظ الحاصل قلل من إمكانية تقديم الخدمات والمساعدة الطبيعية. في وقت لا نتوقع الكثير من سلطات الاحتلال بتقديم الأفضل في هذه الحالات، لأنه بقي عالقا في رؤوسنا إمكانية محاولة الشرطة بتضليل الجماهير المنتظرة عن خاطف مستوطن ممكن.

من اجل ذلك تشتت الجهود وتبعثرت. الطقس بدوره ومع الأسف لم يساعد، كما تلبد السماء وانعدام الضوء، فمحاولة المنقذين من غواصين وغيرهم ركزت كذلك على احتمال الغرق ولم تركز ربما في الانحاء، كما تبين لاحقا من وجود جثة الطفل بنفس أخير مع ظهور الصباح تحت لوح خشبي على زاوية في أطراف الحفرة – العبارة-

الفيديو الذي تم نشره على انه الحقيقة، مع الأسف ساعد بتضليل الرأي العام ومحاولات المساعدة، وبالتالي عمل الشرطة. أطلقنا التحليلات والنتائج بينما لم تؤكد الشرطة على شيء. هل تاهت الشرطة كذلك في تحقيقها نحو إيجاد الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من التحليلات؟

بدوري كمتفرجة، بقدر ما خفت من ان يكون الطفل قد تم اختطافه، خصوصا عندما وصل الى مكان الحادث عضو الكنيست احمد الطيبي ومحافظ القدس عدنان غيث. فقلت في نفسي، لا يمكن استبعاد ان يكون تم اختطافه، فلقد حدث من قبل. ولا يمكن التفكير انه امر غير منطقي، فمن قبل كذلك حدث ما لم يكن ممكنا ولا منطقيا عندما خطف الفتي محمد أبو خضير من امام بيته وفي ليالي رمضان المزدحمة بسكان الحي.

الطفل قيس أبو رميلة وجد وهو قابض بيده على الخمسين شيكل التي كانت معه من اجل شراء الخبز و”الاشي زاكي” له ولأخوته. بنفس المعطف الأحمر والذي كان يرتديه بالصورة التي ربما لم يتم التقاطها قبل خروجه بكثير من منزله.

لا أستطيع الا أفكر بسيناريو اخر، كان من الممكن ربما ان ينقذ حياة الطفل الفقيد… ماذا لو تبدلت تلك الجمهرة الطاغية على المشهد في الشارع بالأمس وركزت في تلك “العبارة” حيث كان الطفل لا يزال يلتقط انفاس الحياة؟

ما ذا لو صدقنا تحريات الشرطة – السلبية- في تعاطيها – ربما وكلاب أثرها وحولنا أضواء الموبايلات التي كانت تنقل الخبر بالمئات على وسائل التواصل نحو الحفرة وصمتنا قليلا لدقائق ربما، للحظات. لعل انين صوته وصلنا. لعل الكلاب استطاعت ان تشم ما لم تسمعه اذاننا وما لم تستطع عيوننا ان تراه. فكان هناك الكثير من الساعات ما بين التأكد من احتمالية سقوطه في العبارة وانتشاله.

في نفس الوقت لا يمكن الا نتأمل مشهد الكثير من البطولات الفردية في هذا الحدث المحزن المبكي. استبسال بعض الشبان والمجازفة في النزول الى العبارة في محاولة البحث عن الطفل.

لا يمكن كذلك عدم الامتنان للشخصيات الاعتبارية التي جاءت لمساندة العائلة في البحث، سواء عضو الكنيست او المحافظ. ربما كان المشهد يحتاج الى هكذا شخصيات للتهدئة من روع المتجمهرين من الناس المرتعبة من فكرة ان يكون الطفل قد تعرض للاختطاف من قبل مستوطنين مستوحشين في وقت تنسد فيه الأفق نحو حلول إيجابية للقضية الفلسطينية على المستوى السياسي، يترقب فيه الناس انفجار قادم بين تصفية القضية في صفقة قرن يبدو اننا بدأنا بصفع أنفسنا لنعتاد على مغبة المصاب.

بين مشاعر لا تزال تتخبط في حزن وقهر، وفي امل بشعب لا يزال ينبض خوفا على أبنائه من خطر ممكن. خوف على الأطفال تحديدا، كأن بنا ما يتجمد خوفا كتجمد جسد ذاك الصغير من عدم حماية لطفل تأخذ حياته حفرة كان من الممكن سدها وتسييج ما حولها. خوف يتربص بنا من شر دولة احتلال نعرف انها لا تكن لنا حبا ولا تريد لنا وجودا وستقف دائما مع افرادها ضدنا.

حالة من انعدام الامن عكست نفسها لتصير في تلك الهبة الجامحة نحو مصير غامض نرتعب منه…. خطف روح أخرى لابن او ابنة…

الصبر والسلوان لوالدة الطفل قيس أبو رميلة، ولعائلته، ولأبناء هذه المدينة القابعة على فوهة الانفجار..

THE BEGINNING

I was born in a patriarchal society, into a conventional family with ordinary behaviors and average education. My mother was fifteen when her family arranged for her to marry my nineteen-year-old father; marriage was one way to keep his behavior in check.

My mother gave birth to me shortly after she turned sixteen—a child giving birth to a child, I always thought. I was raised in the midst of my parents’ teenage dreams and the uncertainty of their new adult lives. Memories became lost in the flow of life. This made us forget what had been and simply carry on moment to moment.

Each of us grows, and inside are the lost dreams and thwarted wishes of our mothers. You are the origin of her dreams’ demise. You are asked to rise to the appointed challenges because, in spite of being a woman, you will face this world and prove you are worthy to exist within it.

Girl after girl after girl was born, and the dreams of our mother broke around us, their shrapnel scattered and then reshaped into another dream far away from us—the dream of the male. The boy. No matter how abundant and well-bred girls may be, they can never make up for the absence of a boy.

As I grew up, this conflict left a crack in my identity. I was the eldest daughter, the one responsible for the long line of sisters that followed. Each time my mother gave birth to another girl, faces would frown and the sky’s colors would fade. Strangely, I didn’t see this disappointment in the males of the family. But the tears of my mother, the gossip of my grandmother, and the words of my neighbors haunted me. “It’s okay. May God compensate you.” Even the word mabrouk—congratulations—went unspoken. However, we girls continued to grow, one after the other, and we were treated with compassion.

My memories of my father during my childhood are limited. He was a workaholic, too busy providing a life my mother insisted should be better. She would not accept the idea of sending us to public school, despite the fact that we were girls. Instead, we were sent to expensive private schools that only the rich and highly educated could attend.

Though my grandfather was a tyrant, he invested in our education, as he had done for our aunts before us. Perhaps he had done the same for the boys as well, but his sons were not as diligent as his daughters. One of my aunts attended college in Egypt in the 1960s, and my youngest aunt, who is not much older than me, went to a private school, the same school my sisters and I would later attend.

I can’t say whether or not the school was a fundamental turning point in the formation of my character, or if my life changed there. The school community was completely different from that of my home environment. My classmates came mostly from elite, educated families, and their religious backgrounds varied. I had a more modest upbringing. Nevertheless, the fact that my parents could afford the expensive tuition for decades made my classmates assume we were rich.

From my father, I learned modesty and self-sufficiency. From my mother, I learned to face and overcome challenges. I lived my life by these qualities—modesty and richness, contentment and ambition. Still, there was always one thing I had to remember : I am a girl.

Behave like a man but remain a female. Be responsible and never forget that your strongest weapon is your beauty. Grow tired, strive, struggle, and resist, yet, of that one thing always remain aware: You are a woman. Your horizons are limited. Your mother keeps your freedom locked up, and your father holds the key. Your actions come with great responsibility. Any misstep is a black mark that will later reflect on your sisters. Never forget that your arrival was a good omen, but only conditionally. After all, seven more girls trailed behind you.

 

في يوم الميلاد …شهداء وقمع مسيرات وغاز مسيل للدموع

 

منذ أسابيع وتستعد مدينة بيت لحم بفتح أبوابها لعيد الميلاد ، ووتسابقت هذه السنة رام الله لتحتفل في ميلاد المسيح. فتزاحمت الشوارع فرحة ولهفة ورافق زينة الشوارع وشجرة العيد في ميدان المهد كما في ميدان المنارة.

المشاهد في بيت لحم توحي  بأن الناس والمدينة بشوارعها وزقاقها المؤدية دائما إلى مهد المسيح، تقتنص الفرصة لسرقة البهجة والأمل من فاه الظلام الموحش المرافق آلام وأحزان ومتاعب ومواجهات أنهكت قوى الناس وطاقاتهم وقدرتهم على التحمل من شدة بطش الإحتلال التي اشتدت بالسنة الماضية أكثر؛ فبيت لحم كغيرها من مدن فلسطين لا تزال تبكي شهداء تم تسليم جثامينهم  بعد تسريح سلطات الاحتلال لجثثهم من الثلاجات بعد سجن اكثر من سنة حتى للموت. تسع امهات لم تجف دموعهن منذ استشهاد فلذاتهن ، وكأن الاحتلال يشدد من كسر الفرح وينغص اجواء العيد ، باختيار دخول الميلاد ليسلم الجثامين . ليخلق بلبلة مزدوجة ،بين محاولات لفرح وكظم حزن لم يزل لاحباب ،فقدوا ، ودفنهم صار هو المبتغى .

وفي وسط ازدحام الإستعدادات الأخيرة ، وتدفق الناس نساءا ورجالا وأطفالا بالشوارع والبازارات لاقتناء ما تبقى من مستلزمات العيد وجلب الهدايا للأقارب والأصدقاء ،وفي مسيرة سانتا المنددة للجدار في محاولة رمزية لكسر بطش البوابات الحديدية والجدار الاسمنت المنيع ، داهم صفوة  السماء فجأة غيوم من الغازات المسيلة للدموع ، واعتلت أصوات الطلقات والأعيرة النارية فضاء المكان .

 توقفت الجموع المحتشدة قليلا ، وتناثرت فجأة في محاولة للإختباء من صوت الطلقات التي لا يعرف مصدرها تحديدا ، مغطين وجوههم تلافيا لاستنشاق غاز أكثر.

في جهة ما مقابلة في الساحة امتزج  صوت جرس سانتا المحاط بالأطفال بصرخة أبعدت عنه الجموع بصرخات وهروب مريب ،ليقوم من كان سانتا قبل لحظات عدة بخلع الرداء الأحمر حاملا لحيته البيضاء وجرسه ويمشي على رجل واحدة صارخا من كثرة الألم.. أصيب سانتا فاستنشق الغاز المسيل للدموع ورأيناه ممددا مخنوقا يتلوى علي الارض.

فهذه لم تكن المرة الأولى ، فمنذ إضاءة الشجرة وتجوال الشباب المتنكرين بزي بابا نويل باللباس

 

وكأن مشهد المواجهات أصبح جزءا من الحياة اليومية ، وكأننا نعيش في اليابان مع هزات أرضية شبه يومية . نتوقف لحظة ونكمل الحياة وكأن شيئا لم يكن

يزداد احتشاد الناس في الميدان في انتظار موكب البطريرك القادم من القدس..

كم تبدو القدس بموكبها وضيوفها القادمين للمهد بعيدة….

فمنذ القرن التاسع عشر ، تنطلق مسيرة كنسية  تقليدية في اليوم الرابع والعشرين من ديسمبر،بموكب يخرج من البلدة القديمة بالقدس الى كنيسة المهد ببيت لحم بما يعرف بموكب البطريرك ، والذي أصبح تقليدا رسميا يحرص المسيحيون بتطبيقه في كل عام ، إلا أنه بات تحديا في السنوات الأخيرة أمام إجراءات الاحتلال التي تزداد في التعقيد والإنتهاكات.

فمدخل بيت لحم يواجهه بوابة محاطة بجدار الفصل العنصري الخانق، مغلقة طوال العام . يمر الموكب عبر البوابة التي تفتح فقط يوما واحدا  وهو يوم الرابع والعشرين، ليمر بقبة راحيل  وتنتهي المسيرة في ساحة كنيسة المهد  .

إلا أن بيت لحم تتحضر لميلاد المسيح بانتظار زوارها من كل البقاع رغم أنف الإحتلال . ففرق الكشافة المختلفة تقف منتظرة لموكب البطريرك ،الذي يتوقف تاريخيا عند كنيسة مار إلياس على مشارف المدينة ويكمل مسيرته حتى قبة راحيل باستقبال رسمي من وجهاء المدينة من رجال دين وشخصيات عامة وسياسية، لتختلط في لحظة واحدة بيت لحم بمسيحييها ومسلميها من كافة الأطياف استقبالا للموكب، وتزداد الحشود المتوائمة مع الجدار وكأنه رسم ليحدد الحركة في خط متعرج ملتو  ، وتبدأ بيت لحم احتفالاتها كالعروس استعدادا لزفتها . ليلتقي الجموع في ساحة المهد في احتفالية تمزج الترانيم فيها السماء لأيام تغني بهجة وسلاما ميلاد السيد المسيح.

 

هذا العام انتظار عيد الميلاد لا يزال  مختلفا ، على الرغم من أنه ومنذ مد الجدار حول المدينة كالأفعى العملاقة ، بات المشهد أكثر ألما ، وأقرب إلى ما يمثله المكان من تجسيد معاناة المسيح . وكأن الاحتلال عن سابق قصد وترصد يعيد إحياء الماضي الذي صاحب المسيح بعد ميلاده بطريق آلامه التي انتهت بالقدس.  فهزلية المنظر لا يمكن تلافيها ، فعند مشارف بيت لحم ، تقابلك إشارة زرقاء كبيرة   محمولة على مرصد مراقبة لجنود الاحتلال بين بوابة وجدار، كتب عليها سلام بالعربية والعبرية والانجليزية تتوسطها حمامة بيضاء. ليستقبلك جنود بوجوه عابسة قاتمة يتفننون في إذلالك وإهانتك قبل الدخول إن سمحوا لك ،بعد العبور خلال بوابات حديدية وكأنك داخل الى سجن . وما تلبث أن تنتهي من اجراءات التفتيش التي لا تزال تفيض عليك بسببها مشاعر بالعجب والاستغراب الممزوج بالغضب والذل ، إلا وتجد نفسك أمام جدار خلف الجدار يرسم حدود المدينة وكأنك دخلت بتلك اللحظات إلى سجن حقيقي.

ومع مرور السنوات تحول الجدار إلى جدارية يرسم عليها النشطاء والفنانون إحباطاتهم وآمالهم الحبيسة وأحلامهم الدفينة ، ليصبح الدخول إلى بيت لحم بداخل الجدار وكأنه رحلة ساخرة في قلب متحف خارجي . فتصادف إن دخلت الشارع الموازي للجدار دائما مدخلا يصده جدار اخر ، لتتفاجأ انك داخل بيت لعائلة أصبح الجدار سور بيتها . وتعود معتذرا تفتش عن الطريق الصحيح. `

إلا أن هناك سلم ما في هذه المدينة ، كأن السلام بميلاد سيدها عم منذ تلك اللحظة وأصبح جزءا من هوائها . فتأخذك الشوارع المزينة على طول الطريق بدون استعجال إلى طريقك الأخيرعند كنيسة المهد ، مستمتعا بالمحلات التي تعج بالقطع الفنية المصنوعة من خشب الزيتون والزخارف والتطريز الفلسطيني . لوحات لميلاد المسيح من مغارة ومريم العذراء تحمل بيديها الطفل المسيح ، ويوسف الى جانبها  وحمارعلى المدخل ، زاد عليها اليوم مشهد الجدار حتى في اللوحات الفنية من خشب وخزف وآلوان . شرفات المنازل وشبابيك البيوت تتدلى منها الزينة وتتصدرها شجرة العيد . 

تصل الى ساحة المهد المكتظة ….ترافقك بهجة العيد ولهفة الشعور بلمس لحظة سعادة. لتصبح جزءا من تحضيرات  لاحتفالات ، استقبالات ، شخصيات دينية من كافة الفئات ، مهرجانات ..أطفال برداء سانتا . سانتا بأحجام مختلفة يصادفك بجرس وقطعة حلوى أو هدية لطفل من كل الاتجاهات .

ولا يزال الأهل بانتظار تصاريح أحبتهم وأقاربهم من مسيحيي غزة بالوصول ، وقد لا يسمح لهم الإحتلال بالدخول للمدينة حتى بعد إصدار التصاريح…انتظار ولهفة لقاء ، قد تساهم إضاءة شمعة في كنيسة المهد في هذه الأيام المقدسة، باسم شهيد أو جريح أو رفع دعاء الى الله في فك كرب شعب تتوالى عليه النكبات 

العيد هذا العام مرسوم ببهجة يتعمد الفلسطينيون رسمها على وجوههم بالرغم من الجروح والأوجاع التي لا تزال تثكل القلوب وسط مصائب وفواجع مستمرة…فكم من شهيد سقط ، وكم من بيت دمر ، وكم من عائلة شردت …..

 وكأن الفرح صار وسيلة مقاومة للإحتلال. وكأن الإحتلال يصر على نزع حتى الفرحة الواهية من الوجوه بعد أن نزعها منذ زمن من القلوب .

يآتي عيد ويعود عيد…. ولا نزال نحلم ونأمل ونصلي من أجل عيد قادم مع حلم تحقق وأمل بحرية وسلام …

وبين عيد وعيد … بين وداع لسنة حافلة بالاوجاع والاحباطات ، من الصعب التفكير في فرحة وام شهيد اليوم ثكلت في كبدها ، احمد الخروبي   وام الشاب احمد الريماوي الذي غدرت به رصاصات الاحتلال قبل ايام . الصبر للسلوان لامهات الشهداء.. فمريم لم تقتصر مسيرتها على المسيح الذي ضحى بجسده ليكسر ظلمة العالم . فلا تزال مريم الفلسطينية تروي بدموعها ضحل الحياة.

 

 

in the shadows cov

Write,

She yelled in my ears.

In writing you will be.

Stop scattering the parts of yourself.

Stop hiding in the shadows of others.

 

You are your own God.

Do not allow another human to become your God

Or your inspiration,

For you are the inspiration of your own self.

God is within you.

Let this inspiration guide your way.

 

Write.

In writing lies life.

Writing is a virtue many don’t possess

And you are elaborately flowing.

Writing is creativity

And creativity is existence.

 

I see you standing at a crossroads

Looking at yourself

Unsure which path to take.

The road everyone chooses?

Becoming like everyone else?

Or to be you,

You the writer.

 

Writing is your creativity drawn in words.

Do not leave it,

But hold it up.

Marry writing.

It is what remains.

 

Be you,

You the Goddess.

Do not allow a god to drive you or inspire you.

You are the path

And the inspiration.

Write and inspire.

 

بين المجتمع الذي “يريدونه” والمجتمع الذي “نريده” والواقع!

 

لقاء حواري بعنوان “المجتمع الفلسطيني الذي نريده”، نظمته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وشارك فيه شخصيات اعتبارية بمنظمة التحرير ضمت كل من السادة عزام الأحمد واحمد المجدلاني وبسام الصالحي ورأفت صالح وكلمات افتتاحية لكل من الدكتورة حنان عشراوي والدكتورة فيحاء عبد الهادي.

الحقيقة، بعد المتابعة للقاء التسجيلي على قناة فلسطين، تكلم فيها المتحاورون عن الحاجة الى العدالة والمساواة، ومواءمة القوانين ما بين القانون الأساسي والدستور المرتقب عندما نصير دولة. كان بلا شك النقاش المتاح لطرح الأسئلة مثيرا ومهما للغاية.

تبدأ الفجوة الواضحة بين ما يتم قوله من الحاجة والتأكيد على الحريات والمساواة والعدل والاحترام وبين ما هو ممارس على الأرض. محزن جدا، تلك الهوة بين ما يقال وبين ما نعيشه على الأرض. هوة بين ما يتناوله القانون الأساسي وبين ما يتم تطبيقه على الأرض. هوة بين أولئك المتحدثون وبين من يعيش على هذه الأرض.

الترديد باننا دولة مدنية مُطمح الوصول اليها، وبين ما نعيشه ونمارسه من تحويل الأعراف والتقاليد الى دين ودولة.

ما نعيشه من سن قوانين العشائر والقبائل على القانون.

احمد المجدلاني تكلم بصراحة عن سيداو وعن أطماع البعض بالانتخابات وعن النقاشات التي جرت بمجلس الوزراء بهذا الصدد. ولكن… لماذا لم نسمع كلمة واضحة تحكم بقوة القانون والسلطة بالقول قولا واحدا بأن ما يتعلق بحقوق المرأة ليس للمفاوضات؟ لماذا تُرك الشعب لينقسم هذه الانقسامات ويبدأ بأكل بعضه البعض في تشويه سيداو وحصر حقوق المرأة بما تتناوله الرؤى الذكورية او بالأحرى تلك التي لا ترى المرأة الا من خلال واجباتها المفروضة؟

اعتراف بسام الصالحي بتراجع القوانين في الكثير منها من حيث التطبيق. حيث ان حق التشريع في كل القوانين صار ممسوكا تماما بالسلطة التنفيذية. نفس الكلام ينطبق على تراجع الفصائل والتنظيمات السياسية، فلم يعد هناك فرق بين تنظيم معين وعشائر.

بسام الصالحي بالحقيقة تطرق لموضوع مهم في شأن تأثير التمويل الخاص بما يتعلق بحقوق المرأة الذي بلغ عشرات الملايين، والذي على حسب تعبيره لم يصل الى توعية المرأة. واضيف هنا طبعا، ان هذا يجب طرحه كسؤال لكل الدعم الذي تلقيناه على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، كم أثّر الدعم ايجابا لمصلحة الانسان الفلسطيني عند التكلم عن منظومة العدالة والقانون، الامن، التنمية وغيرها؟

عزام الأحمد قرر ان يحمّل الاحتلال سبب كل ما يلحق بنا من اذى. والحقيقة لا يمكن عدم الاتفاق معه ولكن!!!

صدق من جانب آخر الأحمد حينما قال ان الاستقلال في ظل انقسام واحتلال لن يتم.. ولكن!!!

لماذا يقدم ارباب السلطة ما هو مناقض لما يعرفون جيدا؟ لماذا لا نزال نعيش في انقسام؟

طيب لماذا لا نفض هذه السلطة التي ستظل عاجزة طالما الاحتلال موجود وكذلك الانقسام؟

السؤال يبقى هنا، متى تنتهي المرحلة الانتقالية التي تكلم عنها السيد عزام الأحمد؟

نحن نعيش في مرحلة انتقالية منذ ثلاثين سنة. السيد احمد المجدلاني من ناحيته يرى في عيشه انه يملك دولة، حيث اعترف بنا اكثر من مئة دولة. فكيف لا نرى أنفسنا بدولة؟

ويسأل هو نفسه ان كنا نستطيع ان نمارس دورنا كدولة؟ ويدعو الى ان هناك واجب في نقل مرحلة الانتقال الى مرحلة الدولة؟

وهو كذلك على حق ولكن!!!

إذا ما لم تشكل لنا الشرعية الدولية الحماية، فما الذي اخذناه من اعلان الدولة؟ وامريكا وإسرائيل يعيثون بأراضينا ما ارتأوه من جبروت علينا؟

اين الشرعية الدولية واعترافها بنا واليوم يدخل دولة الاحتلال الإسرائيلي أكثر من عشرين رئيس دولة لتدشين ذكرى المحرقة في “ياد فيشيم” المقام على أراضي دير ياسين ولفتا المهجرة والتي حصل بها أحد أبشع مجازر الاحتلال أبان قيام كيانه.

اين الدبلوماسية الفلسطينية من حدث اليوم؟

موضوع التعليم الذي تطرق له السيد رأفت صالح والحاجة على حسب تعبيره الى تغييره بالكامل. تمام جدا… ماذا تفعلون بذلك؟؟

القوى السياسة التي تعيش تحت تحكّمها بنا، كيف تكون بالفعل فاعلة؟

اين هي من الأرض؟ من الناس؟

كيف نتكلم عن مجتمع نريده لا تحكم فيها السلطة على إيقاف الية عسكرية للاحتلال من المداهمات والاعتقالات في مدن السلطة التي يفترض استقلاليتها ولو اسميا؟

بسام الصالحي يتكلم كلام كبير وجميل ومهم كذلك، فيما يتعلق بالتعليم والتصفية القضية الفلسطينية.

الحضور اجمع على ضرورة الوقف مع الذات وتنفيذ قرارات المجلس الوطني وتحديدا بموضوع وقف العلاقات مع إسرائيل بكل اشكالها وكذلك مع أمريكا وكذلك التنسيق الأمني.

الأسئلة التي تم طرحها من قبل الحضور اكدت ان النبض الفلسطيني ينبض وبشدة. نبض الشعب الذي يصر على الحياة التي يستحقها كشعب نشأ على فكرة التحرر وعطش الاستقلال.

أسئلة أساسية اعادت طرح نفسها وكأنها تحاكي بالفعل ما يحاكيه الانسان الفلسطيني كل في مكانه، اين الشباب وبدورهم في المجتمع الذي نريده، في وقت تعم البطالة فئة عظيمة من الشباب. اين الشباب من صناعة القرار والمراكز والتأثير؟

أين أصحاب الاحتياجات واحتياجاتهم بالمجتمع الذي نريد؟

اين القوانين من رأي الشعب فيها، وأين القوانين من التنفيذ؟

هل المجتمع الذي نريده هو ما تمثله منظمة التحرير من قيادات ستستمر بالتحدث عن إنجازاتها

التاريخية وتربعها وتبوؤها على كل ما سنحت به الظروف والامكانيات من مناصب والترديد لنا وعلى مسامعنا دوما ودائما ما كان وما كنا وما صار وما صرنا اليه من ذلك المكان العالي لمن تخضرم بالفعل بفعل العمل الوطني على مدار العقود الطويلة جدا، لنجلس نحن الشعب على المقاعد لنسمع ونشير كلما سنحت الفرصة لنرفع صوتنا وتنفض الجلسة ونكمل حياتنا في مجتمع لا ينتمي لنا لنخبة سياسية لا تتغير ولا تتحرك ولا يتجدد فيها الا تكرار المناصب وتدويرها على أصحابها.

شعارات تبقى رنانة لنخب السياسة العليا. واستصراخ يعلو في كل مرة أكثر لنخب المجتمع المختلفة لعل الحال يتغير بانتخابات ربما، صارت كما وصفت مضيفة الحوار بانها ” جزء من الفولكلور الفلسطيني.”

وبين مطلب متكرر ومؤكد لدور للشباب وبضرورة الانتخابات، أخشى ما اخشاه ان يكون أبناء تلك القيادات هم قياداتنا الشابة المستقبلية، لنرى كل من “أبي” فلان قد ترك المجال ل “فلان” ليكون القائد القادم!!

 

مؤتمر باريس للسلام … فرش بيت غير مسقوف

 

مر مؤتمر باريس للسلام مرور الكرام ، كما الاعلان عنه والترتيب له . وحال القائمون عليه كمن يقررون فرش منزل لم يسقف بعد . في وقت وصل فيه انهيار المفهوم الاساسي لعملية السلام بتجنح علني وواضح من قبل احد اقطاب هذا السلام الاساسيين . مؤشر يؤكد على اننا وصلنا الى مكان بكل المقاييس مغلق ولا مجال فيه لعبور.

وكعادة نتانياهو ، يقدم خدمات جلية للقضية الفلسطينية في كل وقت يقوم بها بالتجنح والرفض والاعتراض . لأنه في كل مرة ينجح في حجب او تعطيل خطوة الى الامام من مشروع السلام المزعوم فإنه يخدم هذه القضية ان تبقى فيها شيء يمكن التفاوض عليه .

في لعب المؤتمرات السابقة ، كان هناك قواعد اساسية لعقد المؤتمر ، هناك اجندة ابعد من حلحلة الوضع وشد الانظار اليه كما كان في مخطط هولاند المعلن . ولكن هنا ، بغض النظر عن ضرورة الحلحلة والخلخلة لهذا الموضوع ، الا ان محاولة فرنسا ان تبقي على حل الدولتين اشبه بمن يحاول ضخ الحياة في ميت عن طريق ابقاء الجسد موصول باجهزة التنفس.

كان غريبا كذلك ان يهرول الرئيس الفلسطيني للمؤتمر بلا سقف لهذا المؤتمر الذي يزعم في حجمه انقاذ جل الدولتين .

اتساءل وبجد ، كيف تبدو الدولتين بالنسبة للرئيس الفلسطيني ؟

افهم ان المشاركين من الدول السبعين قد بنوا تصورهم على معطيات تاريخية ، واتفاقات وتفاهمات الى ما يمكن من مراجعات لفهم فحوى هذه المسألة . الا انهم لا يمكن ان يفهموا تماما مدى حقيقة انعدام حل الدولتين منذ انهيار تفاهمات اوسلو التي كانت بدورها اصلا محاولة لتصفية القضية الفلسطينية بشبه دولة . اما اليوم فحتى مفهوم شبه الدولة لا ينطبق على الوضع الفلسطيني .

السيناريو القادم ، سواء اراده عباس او رفضه نتانياهو والعكس ، لا يمكن الا بحل الدولة . وهنا يكون على عباس سؤال نفسه ، ما هو دوره في حل الدولة الواحدة ؟

حل الدولة بلا شك حل ، يتفق نتانياهو و عباس على عدم الذهاب اليه او الانتهاء به . وقد يكون عباس متفق مع نتانياهو ان الوضع الحالي هو الوضع النهائي .

فلو امعننا النظر ، لرأينا ان مشروع السلام قد توقف بالمطلق يالسنوات الاخيرة ، وتفرغ عباس الى سيادته المطلقة على المقاطعة ومحيطها . ونتانياهو يعيش افضل ايامه تحت سلطة تعفيه من التزامات الاحتلال ، تتفاقم عليها الفواتير وتحفظ امن اسرائيل ، ويستخدمنا على حسب مبدأ الغيار مسخرين لخدمته ، اما عن طريق استخدام الايدي العاملة او تنفيذ مطالب دولته العتيدة .

في وقت يبدو الافق فيه اضيق مما كان عليه دوما ، لا يوجد مكان للامل في حل افضل او امكانية قريبة لحل عادل ، في غياب صارخ للقرار الفلسطيني. فمشروع السلطة قراره بيد اسرائيل ، حله او ابقاءه ، ولن نعرف ابدا متى تنتهي مصلحة اسرائيل من هذه السلطة لحلها او استبدالها . كل ما نعرفه ان هذا اليوم قادم لا محال . خصوصا ، ان الشعب كذلك في حال من السبات بأمره لم يعد له كلمة ولا هناك ما يشكل ثقلا لترجيح كفة الشعب من خلاله.

ما جرى من عرض خاوي لعملية السلام في باريس ، من بحث امكانيات وطرح افكار او شكوى او بكاء ، لم يثر حتي الرأي العام في محاولة تتبعه . لم يكن الا مضيعة للوقت وهدر للاموال . وقد يكون نتانياهو بتبجحه اكد على انه صاحب الكلمة الفصل . فلا الفرنسيين ولا الاوروبيين ولا كيري الراحل بعد اسابيع لهم ثقل في التأثير على مجريات الامور.

وترامب القادم مع سيف نصرة نتانياهو ، سيزيد من تدهور الاوضاع ، وسيصبح ما كان مرفوضا لغاية اللحظة حلما يطمح له مفاوضونا .

بكل ما يحمله عهد ترامب من ريبة ، يبقى وضوحه في تحيزه الى اسرائيل هو افضل ما سنشهده . لان ترامب بالنهاية لن يكون مختلفا عن سابقيه بالشأن الاسرائيلي ، فامريكا تعمل على خدمة مصالح اسرائيل وبقائها بغض النظر عن من يعتلي الكرسي في البيت الابيض. الفرق ان ترامب شخصية مباشرة ، مواجهة ، فظة ، تتحمل الانتقادات ولا يفرق معه احد . فكراهية العالم العربي والاسلامي له لا تعنيه ، بل يحبذ لو يزيد من استفزازهم .

وقضية القدس التي تخيفنا اليوم في فكرة نقل سفارة امريكا اليه وما تحمله من تغيير في الوضع القائم ، ليس بالامر المريب . فما يجري بالقدس منذ اوسلو ، ولربما منذ وفاة فيصل الحسيني ، لا يزال يشكل الريبة الاكبر في مآل هذه المدينة .

ان عملية الاسرلة لم تتوقف للحظة منذ اعلان ضم القدس من قبل اسرائيل في السبعينات ، وتفاقمت منذ اوسلو ، لدرجة تبدو قضية القدس محسومة فيها لاسرائيل . والموضوع ليس الا موضوع شكلي ، وجود جدلية ترامب ستسرع في الاعلان عنه .

لا يوجد افاق لحل دولتين …الا ما يريد منه نتانياهو لشكل هذه الدولة الفلسطينية . والقيادة الفلسطينية بشكلها الحالي لا تأبه الا لبقائها ومصالحها .