بين فترة الانتداب البريطاني وبين اوسلو: بدء اسرائيل وتصفية فلسطين

بين فترة الانتداب البريطاني وبين أوسلو: بدء إسرائيل وتصفية فلسطين

 

عقدان ونصف من الزمن تقريباً كانت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. عقدان ونصف عمل الانتداب البريطاني فيها على التمهيد والتحضير لقيام دولة إسرائيل. عقدان ونصف من الزمن تضاعف فيها اعداد اليهود المهاجرين الى فلسطين مثل الجراد، وكأن تفشي الجراد الذي اجتاح فلسطين سنة ١٩١٥ كان مؤشرا لحرب جراد بشرية كانت قد بدأت لتجتاح المكان في ارضه وفضائه وتنهش أبنائه. كانت نتيجته وعد بلفور سنة ١٩١٧ وتلاها وعد سايكس بيكو بعد سنوات قليلة. كان السكان اليهود أقلية لم تتعد سدس السكان عاش معظمهم بالقدس. اثارت موجة الهجرات من أوروبا مشاعر خوف وعدم راحة، تحولت إلى كراهية تجاه نمو أعداد اليهود في المنطقة.

شكّل وعد بلفور بداية ما أصبح فيما بعد المأساة الفلسطينية في عام ١٩١٧، والتي على أثرها وعد بلفور اليهود بوطن في فلسطين. على الرغم من أن الإعلان تضمن المحافظة على الحقوق المدنية وكذلك الحقوق الدينية لغير اليهود، إلا أن الفلسطينيين لم يثقوا بهذا الاعلان واعتبروه خيانة في الموقف البريطاني. ومع ذلك لم يكن الفلسطينيون مخولون باتخاذ قرارات، حيث أن الإمبراطورية العثمانية هي التي كانت مخولة بحكم سيطرتها على الحكم، وكانت الاخيرة تكافح من أجل أيامها الأخيرة. كانت الثورة العربية تتحضر والانسلاخ من الإمبراطورية العثمانية صار لسان العربيّ نحو الاستقلال والحرية.

في فترة الانتداب البريطاني تدربت فرق الإرهاب الصهيوني من هاجانا وغيرها وتشكلت لتصبح عصابات قومية واسست لما سيكون جيشا إسرائيليا. فتحت المصانع والشركات والمكاتب. واسست الجامعات والمدارس والمعاهد. توزعت الكيبوتسات الزراعية والصناعية لتعد العدة لبناء الدولة العتيدة. تشكلت القوى والأحزاب السياسية والنقابات العمالية وتم تسهيل ولادة الدولة بمعلقة ذهبية.

اعتبر الفلسطينيون حينها ان الانتداب البريطاني ليس الا مشروع انجلو صهيوني متواجد من اجل تنفيذ البرنامج الصهيوني الذي تم اقحامه على الفلسطينيين بالقوة، وعليه اعتبروه باطلا من ناحية اخلاقية وقانونية.

يقول المؤرخ الفلسطيني وليد خالدي: “بدأ البريطانيون انتدابهم بتسريح عمدة القدس الذي كان مناهضا للبرنامج الصهيوني. في حين شهدت فترة الانتداب البريطاني في تطبيقها صعود الهجرة اليهودية، وذلك من خلال تعيين السير هيربرت صامويل المؤيد للصهيونية. شهد ايار ١٩٢١ مظاهرات وأعمال شغب فلسطينية احتجاجا على الهجرة الجماعية الصهيونية. في ذلك الوقت، بدأ الفلسطينيون تنظيم أنفسهم. وتم تشكيل الجمعيات الإسلامية والمسيحية في أنحاء البلاد. أدى تشكيل الجمعيات إلى انتخاب مندوبية ودعوة لمؤتمر وطني، الذي انتخب لجنة تنفيذية. بين كانون الثاني ١٩١٩ وآب ١٩٢٢، أجريت ثلاث مؤتمرات وتم الإعراب عن القلق من الأهداف السياسية الصهيونية والاستمرار في رفض وعد بلفور.”. فبين السنوات ١٩٢٨ ـ١٩٢٩، “تم إقامة حوالي ٦٠ مستعمرة جديدة. ارتفعت نسبة ملكية الأراضي الصهيونية من ٢،٠٤ بالمئة إلى نسبة ٤.٤ بالمئة سنة ١٩٢٩، ونسبة تعداد السكان اليهود ارتفعت من ٩،٩ بالمئة إلى ١٧،٦ بالمئة خلال نفس الفترة (خالدي)

كانت القيادة الفلسطينية الموجودة مشكلة بالمقام الاول من الأعيان من عائلات محددة، والذين شكلوا تدريجيا مع الأحزاب السياسية العربية الفلسطينية، مثل، الحزب العربي الفلسطيني، حزب الدفاع القومي الفلسطيني، وحزب الاستقلال، الخيوط الأولى للتطور الديمقراطي، والتي بقيت كظاهرة من مظاهر النقاش المستمر الذي تضمن منافسات تقليدية داخل تلك العائلات. الدكتور حسين فخري الخالدي، رئيس بلدية القدس في الثلاثينات من القرن العشرين، أعرب صراحة عن شعوره من رعبه حول الانقسام والتناحر الدائر بين العائلتين (الحسيني والنشاشيبي)، والتي تعدت خلافاتهم مصلحة الامة. وغالبا ما ادى هذا التنافس والعداء إلى التآمر مع العدو من أحل ايذاء الطرف الاخر.

تصاعدت المخاوف الفلسطينية مع انشاء الوكالة اليهودية في اب ١٩٢٩، والتي ضمت شخصيات يهودية عالمية مشهورة في عضويتها. كانت هذه أول المخاوف التي أثارت نفوس الفلسطينيين لأن هكذا وكالة في هكذا اعضاء نافذين ستؤدي إلى تصاعد التأثير الصهيوني على البريطانيين. أما الحدث الآخر الذي شكل حجر زاوية في تلك الفترة كان في المظاهرات السياسية غير المسبوقة أمام حائط المبكى وعندما قام مجموعات من المجندين اليمينيين العلمانيين من حزب التصحيح الصهيوني، عندما نادوا إلى مراجعة الانتداب ليضم استعمار قصري لشرق الاردن مع فلسطين. أدى ذلك إلى اشتباكات مع الفلسطينيين، وكان ذلك دليلا على أن الهجرة اليهودية ليست مجرد علاقة بريئة، ولكن أكد على أن هناك رؤية مستقبلية للغزو المستقبلي. كان هناك توافق عام في الآراء على أن الجهود السياسية والدبلوماسية لم تكن مجدية، وآن التمرد المسلح المستهدف للبريطانيين من الممكن أن يسفر عن نتائج. في كانون الثاني ١٩٣٥، فشل البريطانيون بتشكيل مجلس تشريعي محلي كما اقترحوا، وذلك بعد تهديد الأعضاء المؤيدين للصهيونية، بأن هكذا مجلس سيحد من تطور الوطن القومي لليهود. استقبل الفلسطينيون هذا على أنه الدليل الأخير لتأكيد أن دور البريطانيين أبعد ما يكون عن كونه عادلا.

أيار ١٩٣٦، شهد تمردا مفتوحا من قبل الفلسطينيين. حيث شكل الأحزاب السياسية الخمسة والتي تم تأسيسها سابقا، اللجنة العربية العليا تحت قياده الحاج أمين الحسيني. وفي نفس الشهر، تمت الدعوة إلى عقد مؤتمر، دعا إلى العصيان المدني والإضراب العام احتجاجا على السياسة البريطانية الموالية للصهيونية. استمر التمرد لثلاث سنوات.

قرار التقسيم في تشرين الثاني ١٩٤٧، أكد بلا مجال للشك ان الانتداب البريطاني لم يكن الا أداة تسهيل للتحضير للدولة الصهيونية. عندها تبين للفلسطينيين أخيرا الحاجة الملحة للعداد والاستعداد من اجل مواجهة الدولة الهجينة على أراضيهم.

لم يكن بالإمكان معرفة ما كان في كواليس ذلك الزمن من علاقات واتفاقيات، تم كشفها في السنوات العشرين الأخيرة، كمراسلات حسين-ماكمهون وتفاهمات فيصل- وايزمان. انتهى الانتداب البريطاني لتعلن إسرائيل في صبيحة اليوم التالي دولتها. والجيوش العربية المتربصة منذ أكثر من ستة شهور بانتظار إعطاء الأوامر بالحرب، كانت قد تعبت من الانتظار واستهلكت المواطنين الفقراء أصلا ولم تكن تعرف ما الذي ستحاربه وأين بين تعليمات من القيادة الموحدة ومن الجبهة العربية.

سنة ١٩٩٤ شهدنا أوسلو بعد سنوات قليلة من مدريد. وما رفضناه وندبناه في التقسيم قسمناه في أوسلو وقلنا قسمة ونصيب. ٢٢بالمئة من الأرض المفترضة الممكن ان تسمى فلسطين وفق أوسلو، كان بها أكثر من ٦٠ بالمئة من المساحة الضائعة التي تعود لما يسمى بالمنطقة (ج). ال ٤٠ بالمئة الأخرى عليها شوارع وممرات ومعابر وحواجز وامتد جدار ليلتف ويبلع ويقص ما طاب له من أراضي ويفصل ما قرره من احياء ومقرى. القدس بقيت لمرحلة الحل النهائي وتركت لتتآكل وتبلع وتهضم بين إجراءات تعسفية وقمعية على السكان وتهويد واسرلة لمرافق الحياة من تعليم وصحة وخدمات، حتى صارت المستعمرات في قلب الاحياء العربية. والمسجد الأقصى على عتبات التقسيم كما حدث للمسجد الابراهيمي من قبل. المخيمات في الشتات تركت بين هجرات أصحابها من سورية والعراق ولبنان عبر قوارب الموت الى أوروبا، وتحولت مخيمات الضفة الى مقاطعات لأولي السلطان من كل حزب وفصيل.

من كامب ديفيد الى واي ريفير الى خارطة الطريق ووقوفا عند الثورات العربية في ربيع مزعوم ،كل الطرق كانت تؤدي الى صفقة القرن.

نهزأ لتفريغ الخارطة الفلسطينية بالشكل الذي رأيناه بين معلاق او فيل او جهاز هضمي، ولكن الحقيقة لا تختلف عن أصلها أوسلو. وكزن ما رأيناه نيغاتيف لصورة تم تحميضها من قبل.

صفقة القرن ليست الا محصلة نهائية لأوسلو. كما كان اعلان إسرائيل محصلة للانتداب البريطاني.

فهل تعلمنا الدرس؟

ام نعيد الكرة في ترديد نفس الشعارات من تنديد وتظاهرات، ليستمر الوضع على حاله. قيادة تركب الأمواج هروبا بنفسها على الشعب واحتلال يرمي من تبقى تدريجيا الى البحر…

كلنا هالكون… أولئك الظانون انهم الواح النجاة للقيادة التعسة، وأولئك الباقون منتظرون دورهم في تصفية عرقية أخرى مستمرة. يكون ربما شاطئنا القادم في “فلسطين الجديدة” …. كتلك التي أعلنتها جامعة الدول العربية ردا على اعلان قيام إسرائيل في أيلول ١٩٤٨، وكانت ” حكومة عموم فلسطين” والتي كانت على الرغم من أن الولاية القضائية للحكومة قد أعلنت أنها تغطي كامل فلسطين الانتدابية السابقة، الا ان ولايتها القضائية الفعلية اقتصرت  على قطاع غزة

.

Leave a Reply