رواية على درب مريم

للكاتبة نادية حرحش

سعد عبد الهادي

 

أبدأ الحديث بأن أؤكد أنني أتحدث كقارئ متذوّق للأدب وليس كناقد أدبي، وخصوصا بحضور كاتب مبدع مثل الأستاذ أسعد الأسعد.

أدهشتني المبدعة نادية حرحش بروايتها، كيفية تناول الموضوع، التعقيدات أو يمكن أن أسميها التشابكات التي بنت عليها الحبكة المكونة من مجموعة حبكات، وما شجعني على الكلام أنني أحببت أن نناقش معا الرواية، من حيث البنية ومن حيث المضمون.

رواية “على درب مريم” هي أدب وفلسفة معا، شعر ونثر، استذكار لتاريخ وميثولوجيا

أحسست أن بها رؤية متكاملة العناصر، بسياق واضح توحي أحيانا بأنها رؤية مسبقة، مما يجعلك كقارئ تتوقع ما سيأتي بالرواية، فتفاجأ بحدث أو نتيجة ليس كما توقعت، بطريقة أخرى هي أشد وأقسى، بل تصدم في أغلب الحالات.

ما تفسير ذلك؟ سأشير له قليلا كما أفهمه أنا، ولكنني آمل أن توضحه الكاتبة أكثر…

بدون شك تعاني المرأة بمختلف الطبقات من تمييز نوعي عميق وشديد الأثر، يتجلّى بالعديد من المظاهر، من الزواج المبكر، الى الزواج غير الناضج وغير الواعي، الى الزواج غير المتكافئ، الى أن نصل الى زواج نعتبره بداية واع ولكن يظهر أنه مخادع، بمعنى أن تكتشف المرأة صدمات واقع بعد الزواج تختلف عن التوقعات.

هذه الأنواع مرت علينا بمريمات الرواية وأو صديقاتهن وأو أخواتهن. ولكل من هذه الأنواع هنالك نتائج وخيمة من نوع ما، وفي أغلبها كان الدين ستارا يخبئ خلفه الكثير.

في الرواية دمج لعدد من أدوات التعبير تستحق التأمل من الجميع، نقادا ودارسين وأدباء، وكذلك منا نحن القرّاء من كل اتجاه. لدينا وجهات نظر أتوقعها تهمّ الكاتبة، وأظنها لهذا السبب دعتني للكلام.

وعليه فإنني سأبدأ بتقديم إضاءة لبعض ما أدهشني، وأتوقعه سيدهش الكثيرين الذين أشجعهم على قراءة الرواية .. التي هي بالحقيقة عدة سرديّات في رواية.

أولا: روايات في رواية

لقد قررت الكاتبة أن ما كتبته رواية وليس روايات، مع أنها سرديات لعدة مريمات، ثلاث نساء تجمعهن بعض العناصر ولكنهن مختلفات، وظروفهن على تشابهها الا أنها مختلفة. تمكنت الكاتبة من جمع المشترك بينهن ليصبح السياق سياق رواية متكاملة العناصر، بحيث تكاد تشك أنهنّ مريم من طينة واحدة، بل انها زادت الأمر تشابكا بأن المريمات في كل سردية هن أكثر من واحدة، مما يجعل مريمات السردية الواحدة يحتجن تفهّم عميق للقارئ، وخصوصا عند ربطه بمريمات التاريخ العذراء والمجدلية.

العذراء والمجدلية حكاية الأزمان المُختلفة، هل هي ثنائية مُختلقة من الأساس، لكي تبرر الوجود نفسه، فكيف لنا أن نبجّل مخلوقا ان لم نصنع آخر نشكك به، وكيف لنا أن نفهم عذريّة وطهارة بشر، ان لم يكن هنالك من نشكك بطهارته وعذريّته.

وكما هو بالأسطورة: العذراء تقابلها المجدلية، في كل سردية من السرديات الثلاث هنالك مريم أخرى أو أكثر تقابلها، صديقتها التي هي معها أو التي تعاود مقابلتها صدفة أو قصدا، تفاجئها أو تذهب اليها، تتماهى معها أو تتناقض معها، تفهمها وتتفهّمها…

ثانيا: العلاقات بين النساء أنفسهن وبين المرأة وذاتها

نرى في الرواية صوتا نسويا صارما ومعتدا بذاته، يخرج عن العباءة المعتادة بالأدب ويختلف عن العديد من الأصوات الروائية النسائية تحديدا. الأسلوب والتناول يعطي السرد الكثير من المصداقية، ذلك ما أعطى الرواية مصداقية ومشروعية بطروحاتها كونها تعبير جلي عن النساء في زمان ومكان الرواية.

ان صوت نادية حرحش، كما هو صوت شخوص الرواية وصوت الأسطورة في تجاذبها مع الواقع ومع الزمن الحاضر في الرواية، أضحى بعدا آخر في متنها النصي ومتنها الروائي، والأهم في ذهن قارئها المفترض، الذي أصبح عاملا فاعلا بحد ذاته بين أحداث الرواية القابلة للإسقاطات المتعددة على الوقائع. لقد وضع النص الذي بين أيدينا كل العناصر أمام القارئ المتمعن، المعلومات التفصيلية أحيانا للواقع، مع الأسطورة بدلالاتها من أكثر من مصدر، مما يمكن هذا القارئ من تكوين رؤية خاصة به، واستنتاجات مبنية على فهم كامل لكل ما بين يديه.

تتنوع نظرة الكاتبة لعلاقات النساء، كلّهن يؤثرن ويتأثرن ببعضهن، ولكن تحتفظ كل منهن بخصوصية وحالة إنسانية معينة، فاذا لم تتمكن أحداهن من الخلاص من الظلم والاستباحة، تتمكن أخرى من الخلاص بطريقة ما ولو بالخيال، وثالثة تنتقم بأن تخرج عن المألوف وتمارس علاقات لا تختلف بجوهرها عن العلاقات التي تدينها الكاتبة للرجل، ولكنها تضعها بسياق تفسيري أو تبريري يجعل القارئ يكاد يتفهّم الظرف والسبب، بينما في حالة الرجل لا نراها تضع أي عذر مقبول أو غير مقبول، بل تفضح الكاتبة ادعاءاته بصورة لا تدع مجالا للشك بضرورة إدانته تماما.

وعليه نستنتج النقطة الثالثة التي سأتحدث بها.

العامل المشترك الأبرز: قسوة الذكور أفرادا ومجتمعا ذكوريا

وهنا سأبدأ باحتجاجي على التعميم، يمكن أن تبحث بالمندل عن ذكر جيد يحترم ذاته أو لا تقوده شهواته. أوافق بالطبع على وجود مثل هذه الحالات وقد يكون بكثرة، لكنني أعترض أن تكون هي السائدة دوما.

الاشكال الفلسفي في هذه الحالة، العلاقة التبادلية بين الطرفين، قسوة طرف، يقابلها سكون واستسلام لطرف ثان لا أراه مبررا بالكثير من الحالات، ولا أريد أن أبالغ أو أفهم خطأ بأن ما أقصده: لو لم توجد امرأة مستكينة لما وجد رجل شرس، ولكن هذا بالتأكيد تفسير لتعدد الحالات وكثرتها أو لنقل لضعف مقاومتها.

على صعيد تكنيك السرد، نرى تركيبية في الحالات المتعددة التي تحملها متون الرواية، إن تضافر الحبكة بصورة عامة نرى فيه تركيبًا جميلًا؛ حيث الصنعة الأدبية بادية في الرواية، وغير متكلفة مما يضيف ابداعا واضحا.

يقع القارئ لهذه الروايات بين المريمات الكثيرات، في دوامة مفتوحة تديّره بين عدمية العيش في المدينة وانعدام المعيار الأخلاقي فيها، بعيدا كل البعد عن رداءة المشهد المجتمعي، والاجتماعي، والسياسي، فالسؤال الحقيقي هنا هو سؤال العدالة، كيف تعرّف المدينة بناتها، وكيف تعرّف النساء المدن الكثيرة.

والسرد هنا لا يحمل زخم الأحجية، ولا إثارة الغموض، بل يقف عندها القارئ مترقبًا ما الذي سيحدث، فتلبي الكاتبة فضوله سريعًا، بما يشبه التوقع أحيانا وبعيد عن توقعه المباشر أحيان أخرى، ولا يصل إلى النمطية، فتبقى بين بين، القارئ مشدود بما يكفي، فضولًا وإيقاعًا.

اللغة المحمولة عليها الرواية بسيطة، واضحة، مباشرة، نرى فيها بعض الثقل أحيانًا، وخصوصا بربطها بالنصوص الأسطورية الميثولوجية، لكنها تظل لغة معاصرة رشيقة خفيفة ممتعة القراءة، لا تسلب النص حسّه السردي ولا تسلب القارئ متعة اللغة الجميلة.

نرى، هنا، أن الرواية قد تكون تلخيصا لماهية الكاتبة، وهويتها الفكرية، والجندرية، والإنسانية. وفي ذلك صدق وفيه ما يستحق القراءة مرتين، لا مرة واحدة، مرة من أجل الحكاية ومرة من أجل استكشاف ما وراءها.

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: