التفكير في زمن التكفير: نصر حامد أبو زيد ونقد الخطاب الديني  

التفكير في زمن التكفير: نصر حامد أبو زيد ونقد الخطاب الديني

أقرأ المزيد من أعمال نصر أبو زيد، لا للتقرب بالضرورة من فكره، ولكن هكذا تكون أحيانا الأمور في مقدرات القارئ. علاقتي بما أقرأ تشبه كثيرا علاقتي بالقدر. أترك ما هو مقدر من القراءة ليأخذ مكانه في اجوائي. وليس هذا صدفة محضة طبعا، الدخول في عالم الفلسفة الإسلامية كالدخول من بوابة لا تلبث تفتحها حتى تصادف طريق؛ بوابات اخرى كثيرة لطرق تريد ان تخوضها جميعا.

ان دراسة الفلسفة الإسلامية بها إدمان، لا يرويه الا المزيد من الكثير. لربما ارتباطنا الوثيق كمسلمين بموروثنا الديني المرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ متداخل بزمن حدده الدين بأفراده وأحداثه. فصار أبطاله جزئا من هذا الموروث الذي اختلط فيه الايمان بالفكر حتى أصبح عقيدة لا يمكن فك خيوطها المحكمة واختلطت الثقافة بالأسطورة. وقد يكون ولوجي في كتاب نقد الخطاب الديني لنصر حامد أبو زيد، يقدم بعض الاضاءات.

يصف ابو زيد القرآن الكريم على انه منتج ثقافي، ويشرح ذلك بقوله:”ان القول بأن القرآن منتج ثقافي يمثل بالنسبة للقرآن مرحلة التكوين والاكتمال، وهي مرحلة صار النص بعدها منتجا للثقافة. بمعني انه صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الأخرى، وتتحرز به مشروعيتها. ان الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، وبين امداده للثقافة وتغييره لها.”

هذا التشخيص أدخل أبو زيد في حرب غوغاء شنت ضده. وإن دل ذلك على شيء، دل على استفحال الجهل في العقول المتحكمة في صناعة الرأي المسلم، كما يؤكد أبو زيد أنه: ” إذا كان دواء الجهل يكمن في المعرفة التي بابها القراءة، فان دواء الآفات العقلية المستعصية هو في المصحات النفسية. وكم من الناس يحتاج الى علاج آفة الجهل المستعصي على المعرفة والقراءة والبحث.“

يؤكد أبو زيد ان هناك قاعدة مهمة وسط متاهات الضياع والغدر، ” إن لأفكار لا تموت-وإن طالت يد الغدر حياة أصحابها وسمعتهم مس كرامتهم- فإن “الفكر” أعظم ما كرم الله به الإنسان على مخلوقاته كافة-يواصل رحلته متصديا للتكفير كاشفا القناع عن وجهه القبيح الجهل والخرافة والتزييف إنه التفكير في زمن التكفير عصا موسى التي تلقف ما خيل السحرة للناس من سحرهم وافكهم، ولا يفلح الساحر حيث اتى، والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.”

التفكير في زمن التكفير كان ولا يزال القضية التي تسطر طريقة ادائنا في التعامل مع قضايانا المختلفة. القضية في جوهرها كما يصفها ابو زيد هي” قضية صراع بين نمطين من التفكير. يعبر كل منهما عن موقف من الواقع الراهن السياسي الاجتماعي الاقتصادي من جهة، وعن موقف من التراث الديني الاسلامي بصفة خاصة من جهة أخرى.”  فالنمط الأول يمثل “نمط الثبات والتثبيت والدفاع عن الماضي والتشبث بقيمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يفضي اليها ذلك من تزييف الحاضر وسد طريقنا أمام المستقبل”. فالثبات في هذا الصدد يعني بقيم تقاوم التغيير وتنفر من التطور، وهذا التشبث بهذه القيم “يعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر مصالح يهددها التغيير ويقضي عليها التطور.” فيقدم أصحاب هذا النمط من التفكير “لتبرير مواقفهم، تأويلا للتراث الإسلامي وفهما له يجعله ناطقا بهذه القيم. اي يقومون باستخدام التراث الاسلامي بل والاسلام نفسه، استخداما نفعيا ذا طابع سياسي براجماتي بالدرجة الأولى.”

بسبب هذا النمط، تحول الاسلام مع مرور السنين على حد تعريف ابو زيد الى “منظومة تركت القيم الروحية والاخلاقية التي تتخلل كيان الفرد والمجتمع، الى مجرد يافطة سياسية لحشد الجماهير واستغلال البسطاء وابتزاز انصاف المتعلمين وتحريك عواطف كثير من المهنيين.” هذا التحول ادى الى تولي القيادة الدينية لمن “هم اقل علما ووعيا واكثرهم في الوقت نفسه قدرة على الفعالية الحركية السياسية، لأن العبرة لم تعد “فهم” لدين، بل “استخدامه”. اما النمط الثاني هو “نمط التركيز على الفهم واستنباط الجوهري والدفاع عن التطور لمعانقة المستقبل”. وهنا يكون تركيز من يتبنون هذا النمط على الفهم.

فهم التراث والدين معا، بلا اي محاولة لاستبعاد الدين. ولكن يغلب على خطابهم الاتجاه النقدي لا البراغماتي. فيسقط هذا النمط القدسية عن التراث. ولكن يتم التعامل معه على انه فكر بشري مستمد من التاريخ الانساني الخاضع للنقد كما فعل ابن خلدون مثلا.

فيتم تدريس تاريخ الفرق الاسلامية والاتجاهات الفقهية والكلامية والفلسفية من المنظور النقدي نفسه لا القدسي غير الخاضع للتأويل او التفسير. ومن هنا تبدأ الحرب المعلنة على التفكير النقدي والنفور منه الى حد التكفير.

ما قام به ابو زيد هو الحراك على ثلاث محاور: دراسة التراث دراسة نقدية، ونقد خطاب “الاسلام السياسي” لأنه يحول الدين الى مجرد وقود في المعارك السياسية، ومحاولة تأصيل وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. مارس بهذا أبو زيد معركته على ارض المعرفة بإنتاج الوعي، وعلى ارض التعليم بزرع الوعي في عقول الطلاب.

يؤكد ابو زيد، انه عندما يقوم الخطاب الديني برفع مبدأ “لا اجتهاد فيما فيه نص” في وجه العقل: “انما يقوم بعملية خداع ايديولوجي، لان ما كان يعنيه القدماء بالنص هو الواضح القاطع الذي لا يحتمل الا معنى واحدا. والنص بهذا المفهوم في القرآن الكريم نادر. واما سائر الآيات فهي تحتمل التأويل والاجتهاد. واما في الحديث النبوي، فهو اندر، لان معظم الأحاديث النبوية نقلت بمعانيها لا بألفاظها، بالإضافة الى ما دخل الأحاديث من التزييف والانتحال.”

يرى ابو زيد ان الخطاب الديني المعاصر هو” المسؤول الى حد بعيد عن حالة التخلف التي يعانيها العالم الاسلامي منذ ان توقف الاجتهاد وشاع التمسك بالتقليد. فهناك ” فرق بين الدين والفكر الديني الذي لا يكتسب من الدين قداسته ولا اطلاقه، بل هو اجتهادات بشرية لفهم النصوص الدينية وتأويلها.” وعليه، “فان مناقشة اراء الفقهاء القدماء والكتاب الدينيين المحدثين ومحاكمة فكر اولئك وهؤلاء على انه تعرض للدين، انما هو ضرب من الاجتهادات الذي يؤجر صاحبه اجرا إذا أخطأ ويضاعف له إذا أصاب.”

ان طرح ابو زيد يمثل خطرا على الوجود السياسي، بل والاجتماعي للخطاب الديني السائد والمسيطر. لأنه يحاول طرح وعيا مغايرا بالدين، وعلميا. يقول ابو زيد في كتاب نقد الخطاب الديني: “ان الخطاب الديني المعاصر: الياته ومنطلقات الفكرية، قررت ان الخلاف بين الاعتدال والتطرف في بنية الخطاب الديني ليس خلافا في النوع، بل هو خلاف في الدرجة وكان من اهم الادلة التي استندت عليها لإثبات هذا الحكم ان كلا الخطابين يعتمد التكفير وسيلة لنفي الخصم فكريا عند المعتدلين، ولتصفيته الجسدية عند المتطرفين.”

فالتطرف هو جزء جوهري في” نسيج الخطاب الديني المعاصر، لان منهج النقل يفضي الى الاتباع وكلاهما يناهض الإبداع ويعاديه، بل ويسعى للقضاء عليه، ولا يتحقق ذلك الا بالتكفير العقلي الذي يفضي بدوره الى التصفية البدنية، الى القتل بالقنابل والرشاشات.”

يتساءل ابو زيد إذا ما كان من قبيل المصادفة اللغوية ان ترتد المادتان اللغويتان كفر وفكر الى جذور واحدة؟ من منظور اللغة على حسب تأكيده، فان هذا ليس منطقيا.  لأن “الفارق في ترتيب الحروف بين الصيغتين فارق دال على ان التفكير حين ينقلب على نفسه يصبح تكفيرا. هنا يفقد كل خصائصه السابقة، كما فقدت الكلمة خصائصها الصوتية عن طريق هذا التقديم والتأخير. ويتحول الى جهالة عمياء لا هم لها الا القتل. ولا فارق ان يكون القتل بالكلام او ان يكون بالسلاح، ما دام الجهل متجذرا في بنية العقل في الحالتين.” يؤكد ابو زيد على انه “لا خلاف ان الدين –وليس الاسلام وحده يجب ان يكون عنصرا اساسيا في اي مشروع للنهضة”.

الخلاف الاساسي هو حول المقصود من الدين، هل الدين هو ما يمارس من جانب كل المسلمين بكافة الاتجاهات من ناحية ايديولوجية، اي عبادات وطقوس؟ ام الدين هو ما به من قوة دافعة نحو التقدم والعدل، بعد تحليله وفهمه بما ينفي عنه الاسطورة؟ المشكل في كل هذا الجهل المركب كما يؤكد ابو زيد، انه–سواء حسنت النوايا ام ساءت، فان هذا الجهل يصدر عن “تصور لطبيعة عفا عليها الزمن، وصار من مخلفات العصور الماضية، سواء تلك الني كانت ترتع في بقايا الفكر الاسطوري، او تلك التي حاولت تجاوز مرحلة الفكر الاسطوري، ودخلت نهج التفكير العقلاني.” لأنه وفي النهج الاسطوري، فإن اللغة لا تنفصل عن العالم الذي تدل عليه، اي ان هناك علاقة متطابقة بين اللفظ والمعنى.” وما تزال بقايا هذا النهج الاسطوري في تصور اللغة موجودة حتى الان في كثير من المظاهر التي يمكن تلمسها في حياتنا الاجتماعية.”

 

 

 

Leave a Reply