أبو مازن واستحقار الشعب

أبو مازن واستحقار الشعب

لطالما ظننت بينما اخاطر نفسي ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعتقد انه يحكم في سويسرا او السويد. كثيرا ما نستغرب نحن الفلسطينيون تصريحاته وعدمها. تواصله مع الشعب وانقطاعه. ومن جهة ثانية في تخاطراتي المتهاترة  الكثيرة وفي ضمن تصريحات أبو مازن المتعلقة بالمجتمع الإسرائيلي افكر بأن الرئيس يتمنى ان يكون الشعب الإسرائيلي هو شعبه.

فمثلا، ما جرى بعد اعلان صفقة القرن ومن رفض مدوي للرئيس لها، ومن إعلانه التعبئة للمقاومة الشعبية السلمية على حسب إصراره على تسميتها، واستخدامه للتظاهرات في الضفة كمثال للغضب الشعبي. ومن ثم إعلانه من على نفس منبر الأمم المتحدة بتكفير من يعادي “اليهود” بتصريح مريب. فمسألة التكفير هذه جد خطيرة، والأخطر ان تكون لغة رئيس “دولة” تصف نفسها بالعلمانية. والاهم من كل هذا من منا يعادي اليهود ويكرههم؟ نحن ازمتنا ومشكلتنا بالاحتلال الصهيوني ولم تكن ابدا مشكلتنا مع اليهود.

 وفي تأكيد على ضرب كلامه للشعب بعرض الحائط كان ارسال زمرة من القياديين برئاسة لجنة التواصل المعينة من قبل الرئيس للقاءات تطبيعية متلاحقة وعلى مستويات رفيعة ما بين تل ابيب ورام الله. تركت الانسان الفلسطيني المفجوع بموضوع صفقة القرن يحاكي نفسه.

كم كانت تل ابيب اقرب للقيادة الفلسطينية بمحاولة التصالح من غزة في هكذا وقت؟ كان السؤال الكبير لكل فلسطيني عادي. بالنهاية نحن “العاديون” من يتم الحديث باسمهم والتفكير عنهم واستخدامهم حطب هذه القيادة. و”العاديون” الطبيعيون ظنوا ان البديهي بعد اعلان صفقة القرن هو المصالحة مع حماس في غزة وليس الاستجداء لتطبيع مع الإسرائيليين.

اما موضوع نقابة الأطباء وتصريحات الرئيس المؤسفة من كلمات ضد الأطباء، ليس الا تأكيد على الفجوة ما بين الرئيس والشارع الفلسطيني. في وقت كان هناك تقصير واضح في أداء القطاع الصحي الفلسطيني، من أخطاء طبية قاتلة واستقواء على المرضى في كثير من الحالات، وقضايا كثيرة لم تكن اخرها قضية اسراء غريب. كان موقف الرئيس في وقت كان الشعب يريد مساءلة القطاع الصحي عن اهماله، بأن شارك في افتتاح تلو الافتتاح لمرافق صحية خاصة. وكأن ما يجري من تقصير بالمستشفيات لا يعنيه.

اعلان الأطباء لاضرابهم سواء في هذا التوقيت او غيره هو شأنهم وحقهم. ويبدو ان ما استثار حفيظة الرئيس وجعله يخرج بالرغم من تحذيرات الكورونا من موقعه الامن هو تصرف نقابة الأطباء الذي جعله يخرج عن طوره ويغضب عندما لم ينفذ الأطباء توصياته على الرغم من ان لقاء ه بهم كان الأول من نوعه.

عند سماع تأثر الرئيس وغضبه من “تكسير” الأطباء لكلامه بينما “تنازل” وجلس معهم، لا يسع المرء الا ان يفكر، لماذا يصر هذا الرجل على حكم شعب لا يريده. هنا – هو- من لا يريد الشعب وليس العكس. كيف للمرء التخيل ان الرئيس حتى هذه اللحظة من حكمه لم يجلس مع نقابات دولته؟ لم يكن بحاجة بالطبع, فلقد كانت توجيهاته تنفذ على الفور، فنقابات العمال من معلمين وغيرها وقعت تحت سيطرة رجالاته فلم يكن هناك من داع لان يضطر الرئيس بالجلوس معهم.

فلقاءات الرئيس مع العوام من الاسرائيليين اكثر جدوى وخدمة ومنفعة لقضيته!

الحقيقة ان سماع خطاب أبو مازن بشأن اضراب نقابة الأطباء وما سيلحقها من نقابات، واتهامه لموقفهم بأنه غير أخلاقي بينما صفقة القرن والحصار الاقتصادي والكورونا التي كانت حجة مهمة في ديباجة الغضب والتحذير منها. وطبعا قد يكون من المهم التوقف عند اعداد المصابين الذين ذكرهم الرئيس ليضرب اضراب الأطباء ويجرمهم، وبين تصريحات وزارة الصحة بهذا الصدد.

ولكن الموضوع اخر،

الإصرار وتكرار استخدام مصطلح “غير أخلاقي” واتباعه  بعبارة “الموقف الحقير” بينما الأطباء يضربون بهذا الوقت العصيب، الذي يريد الطبيب زيادة المعاشات الى ٢٠٠ بالمئة بينما الرئيس على حد قوله لا يستطيع دفع ال ٦٠ بالمئة. وصفهم بأنهم “ما بيستحوا” وما قاموا به من إصرار على الاضراب “عيب”.

الحقيقة الرئيس الذي يعتب ان الأطباء يظنون انفسهم بسويسرا او السويد، واكد ان ما يجري غير معقول بمبدأ “مجنون يحكي وعاقل يسمع”، يجعل المستمع يفكر بما يقتنع الرئيس به من ان الوضع الفلسطيني تمام كما اخبر مستمعيه بالأمم المتحدة نافياً ومتحدياً وجود أي فساد.

الغريب استخدام أبو مازن وصف سويسرا، في حين ان الشعب يعتقد ان الرئيس هو من يظن انه يحكم سويسرا.

السيد الرئيس، لو ارجع المعاشات غير المحقة للوزراء التي لم نسمع عنها أي شيء منذ الزوبعة الأولى لاستطاع ان يدفع بباقي الرواتب المستحقة للموظفين.

واضح ان النقابة ضربت على أعصاب أبو مازن الذي يجلس على حد تعبيره لأول مرة مع نقابات!

الرئيس يتحجج بالكورونا والحصار الاقتصادي وصفقة القرن ويريد من الأطباء الصمود واختيار الوقت.

بالفعل على قول الرئيس “مجنون يحكي وعاقل يسمع”، وتساؤله “هل هذا معقول” و”هل هذا موقف انساني” و”هل هذا موقف مقبول” انك بينما تواجه صفقة القرن وتطلب من الشعب مواجهته ان تدعو للتطبيع وترسل افواجا من القيادات للحوار مع الإسرائيليين؟

ما الذي تبرره لنا بموضوع التوقيت تحديدا؟

في الوقت الذي تمتد فيه إسرائيل الى مناطق حكم الرئيس، هدم البيوت يجري في الطيرة وفي بيرزيت بالإضافة الى قرارات الهدم والاعتقالات التي صارت يومية. استغاثات العالم تدمي القلوب والقيادة الفلسطينية في برج عاجي منفصم عن الواقع تحتها.

بالفعل “مصائب الله نازلة علينا” على حد تعبير الرئيس الفلسطيني الذي استهجن مطالبة الأطباء، بينما تعلن قيادات الكيان الصهيوني نيتها بضم مناطق ج و ب، وبينما الوحدات الاستيطانية سترتقع بزيادات بالآلاف.

أصر الرئيس على ان التطبيع عمل وطني سامي، واستقبل المطبعين.

خرج أبو مازن في حديثه عن بكرة الأصول في أي حديث عندما شتم الأطباء ونعتهم بالحقراء وبأنهم لا يستحون. بينما لم نسمع منه تصريح واحد عن الهدم الذي يجري بعيدا بضع الأميال عن مقاطعته.

الحقيقة الأخرى ما الذي أراده أبو مازن من الجمهور في تعبئته ضد نقابة الأطباء أمام زمرة الجالسين في مجلسه؟ كيف على الجالسين ان يوقفوا تمرد الأطباء؟

مرعب خطاب الرئيس ومريب.

Leave a Reply