نظرة على الوضع السياسي في فلسطين من سنة ١٨٨٠-١٩٤٠

نظرة على الوضع السياسي من ١٨٨٠ لغاية ١٩٤٠

 

يُشكّل وعد بلفور بداية ما أصبح فيما بعد المأساة الفلسطينية في عام ١٩١٧، والتي على أثرها وعد بلفور اليهود بوطن في فلسطين. على الرغم من أن الإعلان تضمن المحافظة على الحقوق المدنية وكذلك الحقوق الدينية لغير اليهود، إلا أن الفلسطينيين لم يثقوا بهذا الاعلان واعتبروه خيانة في الموقف البريطاني. ومع ذلك لم يكن الفلسطينيون مخولون باتخاذ قرارات، حيث أن الإمبراطورية العثمانية هي التي كانت مخولة بحكم سيطرتها على الحكم، وكانت الاخيرة تكافح من أجل أيامها الأخيرة. يقول مصالحة: ” إن دولة إسرائيل تدين بوجودها إلى القوة الاستعمارية البريطانية في فلسطين، على الرغم من التوترات التي نجمت في آخر عقد من الإنتداب البريطاني بين القوى الاستعمارية وقيادة الكيبوتسات الاوروبية. مع ترك العثمانيين لحكم فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، كان من الصعب أن ترى الدولة اليهودية الوجود.“ قام الفلسطينيون بربط أنفسهم مع الحركة القومية العربية بقيادة الشريف حسين بعد معاهدة فيرساي وميثاق عصبة الامم. اثبتت فترة الانتداب عدم وفاء البريطانيين بوعودهم باستقلال الشعب الفلسطيني. يصف وليد الخالدي نهج فلسطين نحو الانتداب من قبل الفلسطينيين على انه انجلو-صهيوني. وان مصطلحاته كانت كلها أدوات لتنفيذ البرنامج الصهيوني. إن هذا البرنامج تم إقحامه عليهم (الفلسطينيين) بالقوة، وعليه اعتبروه باطلا من ناحية اخلاقية وقانونية.” بدأ البريطانيون انتدابهم بتسريح عمدة القدس الذي كان مناهضا للبرنامج الصهيوني. في حين شهدت فترة الانتداب البريطاني في تطبيقها صعود الهجرة اليهودية، وذلك من خلال تعيين السير هيربرت صامويل المؤيد للصهيونية. شهد ايار ١٩٢١ مظاهرات وأعمال شغب فلسطينية احتجاجا على الهجرة الجماعية الصهيونية. في ذلك الوقت، بدأ الفلسطينيون تنظيم أنفسهم. وتم تشكيل الجمعيات الإسلامية والمسيحية في أنحاء البلاد. أدى تشكيل الجمعيات إلى انتخاب مندوبية ودعوة لمؤتمر وطني، الذي انتخب لجنة تنفيذية. بين كانون الثاني ١٩١٩ وآب ١٩٢٢، أجريت ثلاثة مؤتمرات وتم الإعراب عن القلق من الأهداف السياسية الصهيونية والاستمرار في رفض وعد بلفور.[i]

في ذلك الوقت كان السكان اليهود أقليه لم تتعد سدس السكان، وعاشوا في معظمهم بالقدس. إن موجة الهجرات من أوروبا أثارت مشاعر خوف وعدم راحة، تحولت إلى كراهية تجاه نمو أعداد اليهود في المنطقة. فبين السنوات ١٩٢٨ ـ١٩٢٩، على حسب وليد خالدي، “تم إقامة حوالي ٦٠ مستعمرة جديدة. ارتفعت نسبة ملكية الأراضي الصهيونية من ٢،٠٤ بالمئة إلى نسبة ٤.٤ بالمئة سنة ١٩٢٩، ونسبة تعداد السكان اليهود ارتفعت من ٩،٩ بالمئة إلى ١٧،٦ بالمئة خلال نفس الفترة.[ii]

كانت القيادة الفلسطينية الموجودة مشكلة بالمقام الاول من الأعيان من عائلات محددة، والذين شكلوا تدريجيا مع الأحزاب السياسية العربية الفلسطينية، مثل، الحزب العربي الفلسطيني، حزب الدفاع القومي الفلسطيني، وحزب الاستقلال، الخيوط الأولى للتطور الديمقراطي، والتي بقيت كظاهرة من مظاهر النقاش المستمر الذي تضمن منافسات تقليدية داخل تلك العائلات[iii]. الدكتور حسين فخري الخالدي، رئيس بلدية القدس في الثلاثينات من القرن العشرين، أعرب صراحة عن شعوره من رعبه خول الانقسام والتناحر الدائر بين العائلتين  (الحسيني والنشاشيبي)، والتي تعدت خلافاتهم مصلحة الامة. وغالبا ما ادى هذا التنافس والعداء إلى التآمر مع العدو من أحل ايذاء الطرفالاخر ف   .

تصاعدت المخاوف الفلسطينية مع انشاء “الوكالة اليهودية في ايب ١٩٢٩، والتي ضمت شخصيات يهودية عالمية مشهورة في عضويتها. كانت هذه أول المخاوف التي أثارت نفوس الفلسطينيين ولأن هكذا وكالة في هكذا اعضاء نافذين ستؤدي إلى تصاعد التأثير الصهيوني على البريطانيين. أما الحدث الآخر الذي شكل حجر زاوية في تلك الفترة كان في المظاهرات السياسية غير المسبوقة أمام حائط المبكى وعندما قام مجموعات من المجندين اليمينيين العلمانيين من حزب التصحيح الصهيوني، عندما نادوا إلى مراجعة الانتداب ليضم استعمار قصري لشرق الاردن مع فلسطين. أدى ذلك إلى اشتباكات مع الفلسطينيين، وكان ذلك دليلا على أن الهجرة اليهودية ليست مجرد علاقة بريئة، ولكن أكد على أن هناك رؤية مستقبلية للغزو المستقبلي. “[iv][v]كان هناك توافق عام في الآراء على أن الجهود السياسية والدبلوماسية لم تكن مجدية، وآن التمرد المسلح المستهدف للبريطانيين من الممكن أن يسفر عن نتائج“. في كانون الثاني ١٩٣٥، فشل البريطانيون بتشكيل مجلس تشريعي محلي كما اقترحوا، وذلك بعد تهديد الأعضاء المؤيدين للصهيونية، بأن هكذا مجلس سيحد من تطور الوطن القومي لليهود. إستقبل الفلسطينيون هذا على أنه الدليل الأخير لتأكيد أن دور البريطانيين أبعد ما يكون عن كونه عادلا[vi].

أيار ١٩٣٦، شهد تمردا مفتوحا من قبل الفلسطينيين. حيث شكل الأحزاب السياسية الخمسة والتي تم تأسيسها سابقا، اللجنة العربية العليا تحت قياده الحاج أمين الحسيني. وفي نفس الشهر، تمت الدعوة إلى عقد مؤتمر، دعا إلى العصيان المدني والإضراب العام احتجاجا على السياسة البريطانية الموالية للصهيونية. استمر التمرد لثلاث سنوات. [vii][viii]

استفادت فلسطين من التقدم التي حاولت الامبراطورية العثمانية تحقيقه في الشام خصوصا بعد الاحتلال المصري بالفترة ما بين سنة 1830-1840. هذا التحدي أدى إلى تزويد مساهمات تقدمية في مختلف الولايات للإمبراطورية. من ضمنها، أصبحت القدس مدينة مركزية. يصف كامل عسلي في كتابه “القدس بالتاريخ” أن القدس ” تحولت من مقاطعة هامشية صغيرة إلى أكبر المدن الفلسطينية والمركز الثقافي والسياسي للدولة”.[ix]

طريف خالدي[x] يسمي الفترة الواقعة بين ١٩٠٠ـ١٩٤٨، على أنها بداية “الفترة الثانية للتاريخ الفكري”. يقول الخالدي: “شهدت الفترة التي سبقت النهضة العربية الأولى، أو النهضة الثقافية. يرى الخالدي هذه الفترة بين وعود الإنتداب كواحدة من التطورات الفكرية المتقزمة”.[xi] يعتقد الخالدي انه كان في تلك الفترة صوره تقليدية للثقافة العربية لا يزال مراجعتها.” يستطيع المرء أن يكسب وعيا أكثر تعاطفي لتساوي البعد الثقافي لجميع الأجيال القادمة مما يفترض أن يشكل مثالية، تألق او انحطاط لم تعد هذه توصيفات مناسبة للمساهمات الفكرية لحقبة ما بالمقارنة مع اخرى. الماضي العربي يتكلم معنا بالعديد من الاصوات بدلا من التسلسل بالتناوب مع البلاغة والتفاهة، النهضة والتراجع.”[xii]

حصة القدس من حركة التقدم كانت بتأثيرها على التعليم. [xiii]

[i] Khalid Walid, pg 85

[ii] المرجع السابق PG 86.

[iii] Kawar. Pg 6-7

[iv]Khalidi Walid, pg 86

[v] مع حلول سنة ١٩٣٣، وصل عدد المهاجرين اليهود الى ٣٠،٠٠٠. بسنة ١٩٣٤، وصل عددهم الى ٤٢،٠٠٠، وفي سنة ١٩٣٥، وصل العدد الى ٦١،٠٠٠. تصاعد الاعداد أدى الى تخوف الفلسطينيين وزاد من يأسهم. مما ادى الى تشكيل خمسة أحزاب سياسية في الفترة ما بين ١٩٣٢ و١٩٣٥.

[vi] Khalidi, Walid, pg. 87.

[vii] المرجع السابق. Pg. 189

[viii]  تم حل اللجنة العربية العليا في الأول من تشرين أول، سنة ١٩٣٧، عندما تم إبعاد أربعة من قادة الأحزاب الى جزيرة سيشيل في المحيط الهندي. (حسين خالدي يعقوب الغصين أحمد حلمي، وفؤاد سابا)، فيما هرب كل من الحاج أمين الحسيني واخرون لدول عربية متفرقة.

Khalidi, Walid. Pg 269

[ix] Asaly, Kamel. Jerusalem in History. Olive branch Press, 1990, Brooklyn. Pg. 233.

[x] Khalidi, Tariff. An associate professor of History at the American University of Beirut.

[xi] Khalidi, Tariff. Palestinian Historiography: 1900-1948. Journal of Palestine Studies, Vol. 10 No.3, Spring, 1981; (pp.59-76)

[xii] المرجع السابقpp.59.

[xiii] قام المصريون بفترة حكم إبراهيم باشا (وبعض من فترة محمد علي باشا) بفرض التعليم على كافة أفراد المجتمع بدء من الطفولة المبكرة. وتطور التعليم بشكل ملحوظ مع نهاية القرن التاسع عشر خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد حيث بدأت الدولة بنشر التعليم الابتدائي في القرى والمدارس الثانوية في المدن، بما فيها القدس. يشير الباحث عادل مناع الى ان تعليم الإناث بقي محدودا في تلك الفترة. وفي نفس الوقت شهدت تلك الفترة انتشار المدارس والمؤسسات التبشيرية التي زاد عددها وظهر معها المدارس الخاصة. في حيفا على سبيل المثال، تم تأسيس ٦ مدارس، أحدها للإناث.

Leave a Reply