الكورونا امامكم والاحتلال خلفكم وفوقكم ومن تحتكم

الكورونا امامكم والاحتلال خلفكم وفوقكم ومن تحتكم

يتفاقم الوضع مع كل ساعة نحو الأسوأ. يتوحد العالم يأسره بمصاب واحد، ولكن تختلف “الوبايا” في أثرها من شعب الى شعب، كل حسب حظه في حاكمه، وكمية وعيه الجمعي.

المانيا قررت ترك شعبها لمصيره، سيصاب من يصاب وينجو من ينجو، وبالمحصلة سيستطيع الشعب ان يكتسب مناعة ضد الفيروس بالمستقبل. كذلك كانت الوجهة السويدية في الامر.

بريطانيا أعلنت للشعب ان يتحضر لفكرة فقدان احبائه.

فرنسا واسبانيا والدنمارك وهولندا وغيرها من دول أوروبا، حسمت امرها بعدما بدأت اعداد المصابين والمرضى بالتزايد وأغلقت حدودها وأعلنت تدابير حربها على الفيروس.

إيطاليا وإيران تدفنان ضحايا الفيروس في مشاهد مبكية محزنة، استسلم الرئيس الإيطالي للأمر معلنا ان الامر لم يعد بيد من في الأرض بل من بالسماء.

كندا أعلنت تدابيرها بحزم وكرم شديد نحو شعبها، وامريكا لا تزال تتخبط بين نزوات رئيسها.

الأردن ومصر ولبنان ودول عربية أخرى تحاول حصر ما يمكن حصره بعد انفلات واستهتار، تلملم كل دولة ما يمكنها لملمته في محاولات لم يعد يفهم أحد كيف يمكن التحكم بها. ولم يعد يعرف المرء ان كان كشف المستور من حالات مفيد في أوضاع لا يوجد حلول لدى الأنظمة. فإذا ما كانت الدول العظمى المهيأة بأنظمتها الصحية قد تهاوت قبل تفشي الوباء المطلق، فما ذا يمكن ان نتوقع او ان نتخيل الوضع العربي.

دول لا يعلم بها الا الله، ودول ربما نجت حتى الان.

السلطة الفلسطينية استخدمت حالة الطوارئ في خطوة جريئة ولكن لا تبدو تدابيرها مدروسة او حازمة. استعراضات كثيرة وتخبطات أحيانا. السلطة والشعب بين التوكل والعزم وما قدر من إمكانيات شحيحة. ليس مفهوم حتى اللحظة

كيان الاحتلال الإسرائيلي بالمقابل، تأخر كدول أوروبا، بين غرور واستهتار وثقة بنظام تبين انه بالمحصلة لا يستطيع ان يتحمل مجرد انتشار جزئي ومحدد للوباء. كانت الانتخابات على اولويات الحكومة الإسرائيلية التي لم تبد أي ارتياب لانتشار الفيروس وتعاملت مع الامر وكأنه نزلة بردية عابرة. ما انتهت الانتخابات الا وكانت الأعياد على الأبواب. وفقه الرأسمالية غلب على الامر، وترك الشعب ليتسوق ويحتفل. وكان العزم يتجه الى مماطلة الامر حتى موعد عيد الفصح بعد عدة أسابيع، ولكن كان الوباء قد انتشر أكثر.

خلال أسبوع واحد ارتفعت ارقام الإصابات لدى الكيان الإسرائيلي من ٧٥ الى أكثر من ٥٧٠ حتى هذه اللحظة. استعدادات حفيفه لتجهيز مستشفيات وغرف حجر وعناية مشددة. مبيدات خاصة للتعقيم ترش عن طريق الطائرات وفي الاحياء والمستعمرات الإسرائيلية. تدابير وإجراءات تأخذ أكثر حزما مع مرور كل ساعة.

تدابير ترتفع وتيرتها لتدخل الشاباك من جهة والموساد من جهة أخرى! نتانياهو اعتبر الفيروس عدو وما يجري حرب. بدت كلمات نتانياهو ضد الفيروس ومحاربته مألوفة، فهو الرجل الذي يستمد بقاءه من اعلان كيانه دائما تحت تهديد الحروب من الأعداء. والان جاء الفيروس لينضم الى رزمة أعداء نتانياهو. ولن يكون بغريب، انه وبينما كان نتانياهو في حمية محاربته للعدو الجديد استشعر الفرص الممكنة لاستخدام الوضع واستغلاله ضد عدوه الدائم: نحن!

تدخل الشاباك والسماح لها باختراق حسابات الهواتف الخاصة بالمصابين من اجل معرفة مع من احتكوا وتعاملوا لحصر الإصابات. لأول وهلة يبدو الاجراء بحسن نوايا، ولكن سرعان ما رفعت الكثير من التساؤلات عما يترتب على هذا الاجراء من اختراقات أخرى كثيرة. فاذا ما افترضنا ان هناك ٥٠٠ مصاب حتى هذا اللحظة، فرقعة من يمكن ان يكونوا قد احتكوا بهم ستتسع الى الالاف بطريقة مباشرة، هؤلاء الالاف سيكونون عشرات الالاف وعشرات الالاف سيصلون الى كل هاتف تدريجيا.

من الجهة الثانية كان تدخل الموساد الاشبه بالعصابات بإعلانه الحصول على ١٠٠ ألف وسيلة فحص من “جاسوس” ما. للحظة يشعر المرء وكأنه يشاهد فيلم الأخ الكبير لآل باتشينو. ربما ما يجتاح عالمنا في العقود الأخيرة من “اسطرة” لتجار المخدرات والسلاح بدء من الدور الذي قام به ال باتشينو وصولا الى جبل الذي يجسد دوره كل رمضان تيم حسن، جعلنا لوهلة نفكر ان الامر عادي. ربما لان إدارة الكيان الإسرائيلي جزء مباشر او غير مباشر بما يهيمن علينا من اعلام يجتاح بيوتنا عنوة. وربما ان ما يقتحمنا من مسلسلات عربية يقتحم كذلك بيوت الإسرائيليين في مسلسلات مشابهة. وبكل الأحوال يجتمع الكل فيما تبثه نتفلكس.

لا اعرف كيف وصل معي الحديث الى هنا… ولكن هل ما يجري ليس الا فيلم او مسلسل او رواية شاهدناها وتابعناها وقرأناها؟

هل نحن امام مؤامرة لحرب ندخلها كلنا سلاحها فيروس انطلق عنوة او خطأ. ام نحن امام غضب من الطبيعة في ظل تهديد بيئي يتزايد منذ عقود؟

لا يهم ان يكون هناك إجابة لأي من الأسئلة. المهم ان الفيروس انتشر ليكون وباء وتهديده حقيقي بقدر اغلاق العالم على نفسه كما نرى الآن.

ما يهم هو اللحظة التالية بعد انتهاء هذا الفيروس والسيطرة عليه.

الخسائر البشرية ستكون فادحة، والبقاء سيكون هذه المرة للأصلح. والاصلح في ذهنية الفيروس هو من حرص واخذ تدابير وقائية منذ اللحظة الأولى ولم يستهن بالأمر. فسواء كنا في مؤامرة او تهويل، لا يبدو ان هناك مزحة في الإصابات. نرى الاعداد تتزايد بشكل مخيف، امام وفيات قد تكون بالفعل قليلة نسبيا، ولكننا لا نسمع بعد عن متعافين بأعداد كبيرة. هناك ما هو غير مفهوم بوضع الفيروس وتفشيه بالأجساد وبين البشر، وعليه تبقى الوقاية هي خير علاج. فمن يستهين بنداءات التحذيرات يعرض نفسه ومن حوله بالتأكيد لمخاطر العدوى.

ولكن، بينما ننشغل كلنا بهذا العالم بالفيروس بين من يحاول ان يجنب نفسه خطر الإصابة وبين من يحاول ان يجد حلا له وبين من يحارب من اجل انقاذ المصابين، علينا نحن الفلسطينيون توخي حذرا أكبر. فبينما نحارب الفيروس مع الكون، هناك كيان احتلال قد يستغل الفيروس للتخلص منا.

نتانياهو يحارب بكل قوته للبقاء في السلطة، ويحارب الزمن في ترك أثره ك “ملك إسرائيل” الخالد في تاريخ كيانه.  يأخذ التدابير الممكنة من اجل حماية “شعبه” وتصاريحه فيها من الشمولية ما يشكل “العرب” مؤقتا. ولقد بدأ بالفعل بلوم “العرب” لعدم الالتزام بالتدابير الوقائية.

والعرب واليهود ربما سواسية في الاستهتار بمن هو مستهتر منهم. فالأفراح والاجتماعات والحفلات والتجمعات والتنزه والصلاة لا تزال تأخذ اشكالا بها من التحدي والاستهتار. ولكن الفرق ان الإجراءات التي تستخدم للوقاية بما يخص الإسرائيليين تختلف، يعني الإسرائيلي المستهتر، سيجد من “يلمه” ويحمي محيطه، فما سمعنا عنه من تعقيما لأحياء لم يصل الى احياءنا. ما نراه من تدابير لمستشفيات لم نسمع عنه في القرب من اماكننا. ونحن مع الأسف لا نأخذ الامر على محمل جديته. فالمتنزهات العامة بالقدس مثلا، امتلأت بالنساء والأطفال وكأن الأجواء أجواء عيد. اغلاق المدارس والجامعات لا يتم فهمه لدى الكثير من الأهل والابناء بأنه بهدف البقاء في البيت. التنزه والسهرات الخاصة والتجوال والتبضع وصلاة الجماعة إذا ما اغلق المسجد صارت بالشوارع.

قبل لحظات أعلنت السلطات الإسرائيلية منع سكان “القدس الشرقية” من التواجد في “القدس الغربية”. كما أعلن سابقا اغلاق الضفة تماما عن القدس ومنع السكان من التواجد في مناطق ألف ومناطق ب. بين ما يجري من ناحية تدابير مفهومة يمكن تحويله الى تدبير سياسي يستخدم ضدنا في أي وقت ومع الوقت. عدم التزام الناس بالتدابير الوقائية والبقاء في البيوت يقدم حجة للاحتلال ليصفي حساباته ضدنا بسهولة أكبر تحت حجة تفشي الفيروس، الذي تفشى بالفعل.

ولن ننسى كذلك، انه بينما نلزم بيوتنا كذلك، سيكون هناك فئات منهم يعملون من اجل استيلاء أكبر على الأراضي في الضفة الغربية وسيمتدون في توسع اخر بالاستعمار. ولكن بين ما نستطيع ان نقوم به ونواجهه، وبين ما لا نستطيع، يبقى وعينا بالوقاية هو ما نملكه من حماية أنفسنا. فبالنسبة لنهج الاحتلال الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت. فعسانا لا نقدم من أنفسنا قرابين للفيروس المتفشي.

Leave a Reply