أشْغلَ الفلسطينيّون أنفسهم منذ الاحتلال الإسرائيليّ سنة ١٩٤٨، بصراع يوميّ من أجل البقاء. ذلك الصراع اليوميّ نجح بمَحْيِ الكثير من الذكريات المتعلّقة بالتاريخ الفعليّ. والتي أصبحت مع الزمن محدّدة بأشخاص بعينِهم، وأسماء وأحداث تم إقصاء المرأة منها تدريجيّاً.

إقصاء النساء يأتي كذلك نتيجة لأسبابٍ تندرج من التحيّز التاريخي ضد تواجد المرأة في مناصب عليا بالأعمال والسياسة، إلى تجديد الفكر الإسلامي المتعصّب ( الإخواني والوهابي والداعشي ) الذي يرى المرأة كتابعٍ للرجل.

كما في معظم المجتمعات العربيّة المجاورة، كانت النساء الفلسطينيّات تخضع لهيمنة الثقافة العربيّة الأبويّة السائدة في المناطق الحضريّة والريفيّة. وبالتالي، كما يصف  د. نور مصالحة: “الاستمرار في استبعادهن، حتى بداخل السرد الأكثر ديمقراطيّة نسبياًّ مع الإعلام العالمي الجديد.”[1]

 

يتابع د. مصالحة، مع التأكيدات من خلال باحثات فلسطينيات مثل قاسم[2](٢٠١١)، حمامي[3] (٢٠٠٣)، وخليلي

 

[iv](٢٠٠٧)، اللاتي أظهرن روايات بين الجنسين (جندرية)، وأصوات نساء ومساهماتهن في ذاكرة النكبة الجماعيّة والوعي التاريخي الفلسطيني المضاعف وتهميشهن في رواية اللاجئين. فكثيراً ما يتم إسكات ذاكرة المرأة لأنه يتم النظر لها على أنّها تقوِّض الخطاب القومي الفلسطيني. وهذه قضية، فشلت الدراسات الثانوية بالتصدي لها بشكل كاف، على الرغم من إجراء المقابلات مع النساء وتسجيل أصواتهن، إلا أنه يتم عرض الرجال بالأدوار الأساسية.[v]

 

يقول ادوارد سعيد في مقدّمته لسيرة سيرين حسيني: ” بالنسبة لفتاة عربيّة وُلدت بين حربين عالميّتين، فإن التعليم كان محدوداً (حيث درست في مدرسة الفرندز برام الله، وتخرجت من الجامعة الامريكية ببيروت).

فالتعليم على هذا النحو لم يكن مألوفاً، إلّا أنّه يمكننا أن نرى في ذلك إشارة تنبيه إلى تلك الطاقة الفائقة التي دفعت الفلسطينيين وخاصة النساء، ليثوروا ضد الخضوع بقبول دور المشاهد الكسول أو السلبي. هذه الطاقة دفعتهم نحو المساهمة في حملات تعاونية في التنمية والمقاومة الجماعية. هذا الوضع انعكس على الكثير من الفلسطينيين، ودفعهم نحو التعليم وتعلم الاستقلال الذاتي الناجم عن السياسة والاعاقات الجغرافية كما في حال سيرين. هذا، وبعد نصف قرن، اصبحت هذه، واحدة من صفات الانتفاضة: تشكيل جبهة موحدة من المدنيين، رجالا، نساء واطفالا. وتوحيد في وئام ضد القوات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة، نتيجة لتنظيمهم، وتفكيرهم الابداعي، الذكاء والارادة والتفاؤل”.[vi]

كما في العديد من الأحداث والذكريات المبعثرة في الرواية الفلسطينيّة المتلاشية، كذلك الجزء الخاص بالمرأة بدأ بالتلاشي.

هذا البحث هو محاولة لاستكشاف النساء من زاوية تأخذهن خارج الأدوار المنزليّة النموذجية الخاصّة بهن، والتحقق من واقع ادوار المرأة في تلك الفترة.

في هذا العالم الذي تمّ غزوه بالحجاب، إن الرّوايات والصّور تُظهر واقعاً مختلفاً. سيكون البحث محاولة للحفر في روايات النساء اللواتي كنّ نشطات، وكان لهن أدوار تشاركية ورياديّة بالمجتمع. بما يتشمل  تشكيل الحركة النسائية في فلسطين وكونها جزءا من الحركة النسائية الاقليميّة والدّوليّة. إن الصورة التي حرّضتْ هذا البحث هي جزء ممّا يشكّل العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي والتاريخ الاجتماعي.

“ان الاعلان المنتصر للتصوير كلغة عالمية مستقبلية كان من أول المطالبات العديدة المتكلفة التي جعلت التصوير الفوتوغرافي واقعياً. إن فكرة وجود شكل توثيقي، من الممكن أن يحلَّ مكان الضعف من الملاحظة البشرية، والمجهّزة جيداً مع هذه الوضعية، والتي تميّز الكثير من الفكر الغربي في منتصف القرن التاسع عشر. على الرغم من الشكوك المثارة حول مدى صحة الصور الفوتوغرافية، لا يزال هناك شعورعالق، بأنّ للصور الفوتوغرافية قيمة توثيقية مختلفة، ولربما متفوقة على كل الأشكال الاخرى من التمثيل.” [vii]

إنّ الأعمال الفنّية كما يشرحها هايدجر، هي “الأشياء”. تعريف يثير التساؤل عن معنى “الشيء”، مثل أن تعمل لهذا الشيء طابعاً ما. ضمن هذا المفهوم الواسع، يختار هايدغر التركيز على ثلاث تفسيرات مهيمنة للأشياء. وهي كما يلي: أشياء كالمواد من خصائص. أشياء، مثل تشعيب من الإدراك الحسّي، وأشياء، مثل المادّة المشكِّلة. اشتهر هايدجر باستعمال دراسة “حذاء” كمثال لتحليل ثقافة ما. كما يفسّر مسؤولية المشاهد في النظر في مجموعة متنوّعة من الاسئلة حول الأحذية على سبيل المثال، وليس فقط عن الشكل أو عن المسألة. يريد للمشاهد أن يطرح أسئلة من الممكن أن تتصل مع الغرض والتفكير، المصدر والانتماء. الموضوع بالنسبة لهايدغر هو عنا نحن. المشاهدون، الذين من الممكن بهذه الطريقة أن يتجاوزوا الحقيقة لما بعد “شكل ” التمثيل، بل لحقيقة “المسألة”.[viii]وكنتيجة، من الممكن ان ينتج العديد من الأسئلة. وعليه نستطيع ربط بحثنا مع الصورة.

إنّ السؤال المتعلّق بالهدف والسبب، من الممكن أن يأخذنا في عمق السؤال عن حجاب أو عدم حجاب النساء في الصورة. لِمَ نرى نفس النساء غير المتحجِّبات في الصورة هذه، محجَّبات في صور اخرى لنفس المرحلة في الأماكن العامة؟ يأخذنا هذا إلى السؤال المتعلِّق بالتناقضات التي تعيشها النساء وتواجهها. هذا التناقض في إشكاليّة الحداثة والتقليد في تصرفات نفس النساء.

بالمقابل، يقوم والتر بنيامين، بمقالته “تشابهات غوته الاختيارية”، بوضع الفن صراحة في سياق التاريخ حيث تم اتّهام نقده بمسألة كشف ما يسمّيه “محتوى الحقيقة في العمل الفني”، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً “بالمضمون المادي”.

تاريخياً، تهدف ميّزات المحتوى بنقدها إلى تدمير الغلاف الخارجي للعمل، لكي يتم التمكن من اغتنام المحتوى الحقيقي الداخلي. بالنسبة لبنيامين، إن الخطأ اللغوي الاساسي بالتعليق هو مجرّد وضع العمل بعلاقة ترابطية مع “التجربة المعاشة” للسيرة الذاتيّة للمؤلّف نفسه، بدلا من الاستقبال التاريخي الواسع بوساطة الصورة التي تمّ تمريرها للناقد المعاصر.

يقدم البحث في هذا الصدد، الصورة علي انها تشكل فحوى ما تمثّله الصورة ، فتُسلّط الضوء على الحداثة، وعلى التناقض في النساء أنفسهن والمجتمع الذي يعشن به. فتسمح لنا بتأمّل يعطينا مساحة لسدّ الهوّة في رؤية المجتمع بطريقة ما، تفرضها الصور التي ترضي فضول بعض الباحثين. إنّ نظرية بنيامين الرومنسية من الانتقادات الجوهريّة تصرّ على أنّ العمل يجب أن يحتوي على معيار داخلي خاص به. مثل ان تكون عائدات الناقد هي من العمل نفسه وليس من حياة المؤلف. “محتوى الحقيقة، في المقابل، لا يجب ان يكون سعي في ملامح واضحة لتقنية العمل، ولكن وِحدة شكله الواضح. إنّ مهمّة النقد أن تجعل هذا المحتوى كائن من الخبرة. إنّ الأمر يتعلق في ذاته، وليس مع الحياة أو مع نوايا الفئات. ولكن مع مظهر أو مظهر للحياة، بأنّ العمل نفسه يمتلك بحكم قدرته على المحاكاة لتمثيل التعبير اللغوي، والذي يوصف على أنّه يشارف ومُطل على الحياة. ما هو ضروري للفن، ومع ذلك ما يميّزه عن مظهر من مظاهر الطبيعة هو “التعابير”.”[ix]

إنّ الصّور تمثّل الحفاظ على الذاكرة من الماضي. في الحالة الفلسطينيّة، فد تُمثّل الصور أكثر من الذاكرة الشخصية العاطفية للماضي المعاش. بل دليلٌ وسطَ تاريخ الهوية المضطرب تحت الاحتلال.

قد تكون هذه الصورة مثالاً جيداً لفهم التناقضات التي لا تزال تواجه المرأة  بالمجتمع الفلسطيني تحديداً والعربي عموماً. الحجاب كأداة لعكس مدى السيطرة علي المرأة بما يبدو سيطرة مقبولة اجتماعيّاً. بينما تظهر معظم النساء في الصورة بلا جاب ، فانّه بلا شك، هناك صور لنفس النساء في مناسبات أخرى بحجاب.[x] هكذا صور كانت تعمّم أو يتمّ تداولها بالصحف والمناسبات الاجتماعية والسياسية المختلفة. هذا يعني أنّ النساء في الصورة، غير المحجبات منهن، على وعي بأن الصورة لم تكن للاستخدام الخاص، على الرغم من وعيِهن الى أنّهن سيغادرن تلك الغرفة محجَّبات.

يرتبط اللباس الى حدٍّ ما بالحداثة التي تجمع فيما بين المجتمعات العالميّة. في مجتمعات كالمجتمع الفلسطيني ، إن التّغيير في رمزيّة اللباس يعتبر موشراً يساعد على فهم المجتمع ومحيطه التركيبيّ. بينما لا يعُرِّفُ لبس الحجاب أو خلعه المرأة في مجتمع ما. إلّا أنّه بلا شك، يكشف تركيب وهوامش الحرّية في المجتمع. مسألة ربط الجندريّة والحداثة الوطنيّة سيشكّل جزءا من النقاش في هذا البحث. إنّ شعارات الحداثة التي تم إصدارها واعادة تصديرها كنتيجة للفحص مع الانشطارات الحديثة التي تتراوح بين حداثة\ بدائية الفلسفة وعلم الانسان، مقابل الحداثة\التقليد في نظريات الحداثة والغربية الاجتماعية.

 

 

[1] Masalha Nour. The Palestine Nakba. Silencing Palestinian women’s Voices within the subaltern story. Pg 226-228.

[2] Kassem Fatma. Palestinian Women: Narrative Histories and Gendered Memory.

[3] Hammami Rima. Gender, Nakba and Nation: Palestinian Women’s Presence and Absence in the Narration of 1948 Memories.

[iv] Khalili, Laleh. Places of Memory and Mourning: Palestinian Commemoration in the Refugee Camps of Lebanon.

[v] Masalha, Nour. The Palestine Nakba. Silencing Palestinian women’s Voices within the subaltern story. Pg 226-228.

[vi] Husseini, Seren. Memories from Jerusalem (Translated from French). Trans: Barada, Mohammad. Amman:Ashurouk. 2009. Introduction by Edward Said. pg. 17.

[vii] Graham-Brown, Sarah. The Portrayal of Women in Photography of the Middle East 1860-1950, Images of Women. Columbia University Press. New York, 1988.

[viii] Heidegger, Martin. Trans. David Farrell Krell. The Origin of the Work of Art: The Basic Writings. Harper Collins. NY. 2008. Pg 143-165.

[ix] Osborne, Peter and Charles, Matthew, “Walter Benjamin”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (fall 2015 Edition), Edward N.Zalta (ed.), <http://plato.stanford.edu/archives/fall2015/entries/benjamin/&gt;.

[x] الرجاء الرجوع الي ملحقات الصور

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: