الأداء الحكومي بين الاستعراض والمسؤولية الحقيقية

الأداء الحكومي بين الاستعراض والمسؤولية الحقيقية

“.بطبيعة الحال يجب أن أبدأ بالجملة الافتتاحية المألوفة: “نقدّر للحكومة استباقها في إعلان الطوارئ بشأن جائحة الكورونا

الحقيقة لا أعرف إن كنت صادقة بتقديري في تكرار هذه الجملة أم لا اليوم، بعد ما يقرب من انتهاء الأسبوع الرابع من إعلان حالة الطوارئ

مفهومي لحالة الطوارئ بسبب جائحة فيروسية يختلف عن حالة الطوارئ في حالة حرب عسكرية. هذا التراحم في استخدام حالة الطوارئ جعل الامر يتحول من طوارئ الى عطلة بالنسبة للمعظم. استثني هنا الطواقم الطبية بكافة اشكالها، لأنها بلا شك هي الجنود المجهولة في هذه الجائحة، بالإضافة لقوى الأمن المختلفة التي تحاول ضبط الوضع بقدر الأوامر المسموحة والممكنة من ناحية تبعيات الفصائل.

أخشى من تذكّري في هذه الفترة لما جرى في غزو العراق قبل سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. في أيام متتالية حوصرت بغداد واشتد الخناق من كل الاتجاهات ولم يبق هناك مصدر للمعلومات إلا ثلّة محددة من الإعلام. الجزيرة تنقل ما يريده الصحاف و(السي ان ان) تنقل ما تريده قوات التحالف. وكان وزير الاعلام الصحاف يخرج على مدار الأيام المتتالية ليوجز علينا انتصارات الجيش العراقي. بينما شبكة (السي ان ان) تنشر اخبارا عن سقوط المؤسسات الحيوية تباعا حتى سقط مطار بغداد. والصحاف يخرج في كل مرة منتصرا مهددا بملاحقة “العلوج” والحاقهم أشد الهزائم. وفي ليلة قمراء أو مَحَق فيها القمر لا يهم… كان الرئيس العراقي ذات الهيبة العظيمة مطارَد مختبئاً في السراديب، ولا يزال الصحاف يطلق تهديداته بمطاردة العلوج ويعدّ الانتصارات، ثم قبض عليه واختفى من المشهد والعراق كما عرفناه الى الابد.

منذ اعلان حالة الطوارئ وبرز المتحدث الإعلامي الى الصورة بقوة. طبيعيّ ارتباط المتحدث الإعلامي وإعلان حالة الطوارئ، من اجل توحيد الاعلام والتأكد من مصدر معلومات حقيقية واحدة. على الرغم من ان الفجوة بين ما تعلنه الحكومة من معلومات وبين ما يتم تناوله من مصادر مختلفة أخذة بالتزايد.

لا أقلل من أهمية ما يجري ومن العبء الواقع على المتحدّث الذي تحوّل الى وجه الحكومة الأول. فبالسراء والضراء عليه مسؤولية نقل الحدث.

في الأسبوع الأول، فهمنا، حالة التخبط وعدم معرفة الوضع بهول خطورته، وفهمنا كذلك اننا بلا إمكانيات، ووقفنا ولا نزال الى جانب الحكومة في هذا الحدث الجلل. نقدّر كذلك للحكومة تداركها للكثير من الأخطاء وردّها تباعا للكثير مما يتساءل بشأنه الناس.

نفهم كذلك صعوبة الامر بالنسبة للحكومة، فالشفافية والصراحة ليست من عادات الحكومة بالتعامل مع الشعب. فهناك طريق طويلة جداً لكسب ثقة الشعب.

كنّا ولا نزال بحاجة للاطمئنان. ولكننا بحاجة لمعرفة الحقيقة أكثر من أيّ وقت.

في مثل هذا الوضع، نتوقّع من الحكومة على لسان محدثها أن تضعنا كذلك بصورة الوضع العام. ننتظر أعدادا تتزايد أو تتناقص، هذا صحيح.

ننتظر كذلك إجراءات واضحة وملزمة كذلك، هذا صحيح.

 ولكن ننتظر كذلك أن نفهم كيف تتعامل وتتدارك الحكومة هذه الازمة من حيث ما يجري بالليل من انفلات وأسلحة. نحتاج أن نفهم كيف تتدارك الحكومة الأزمة مع الأماكن غير الملتزمة. فبعد مصيبة ما رأيناه بجنين و”أَسَف” المتحدث عمّا جرى، وقدّم عرضاً عن أهمّية تغيير سلوكنا كمجتمع وحاجتنا لعدم الاحتفالات بهذه الاشكال.  تكرَّرَ المشهد بعد يوم واحد ببني نعيم، والأعلام الصفراء سيدة الموقف في الاحتفالين.

كان مفهوماً ربما، افتتاح احدى الموجزات بتقديم العزاء في أحد كوادر حركة فتح، المغفور له الطيب عبد الرحيم. بالأمس مرّ خبر عابر، وفاة شابة إثر سقوطها من مكان مرتفع بنابلس (ربما) وانتهى الخبر.

الجرائم التي تحصل بينما نرقب انتهاء حالة الطوارئ. بين مقتل شاب في طوشة وبين سقوط شابّة عن علو. ألا يُنذر هذا بتفاقم لخطر أكبر من الكورونا؟

بينما نحمي حياتنا من الكورونا، نهدر حياتنا للقتل الأرعن؟

العرض الشمولي للأرقام، ماذا تحمل به كلمة شمولي عندما يتم ذكر الأرقام في غزة كجزء من كتلة الوطن، وترك القدس بأرقامها لقدر لا يعرفه أحد. ليتدارك الامر اليوم ويشمل اهل المدينة ويحمل وزرها للاحتلال. غزة ليست بنطاق تدخلات السلطة بنفس القدر.

كمسألة العمّال لدى الإسرائيليين، تكمن كذلك مسؤولية السلطة بموضوع أهل القدس. فإذا ما كان عامل الضفة يتعرض لخطر الإصابة بسبب الاختلاط، فالحال كذلك على العمال المقدسيين الذين لا يحتاجوا لتصريح حاجز ليتبين امرهم. الالاف من الشبان يعملون بالمصانع الإسرائيلية ويرجعون الى بيوتهم يوميا. هؤلاء كعمال الضفة في معظمهم كذلك، يعملون بالمياومة، فلن تغطيهم حكومة الاحتلال من ناحية البطالة. هؤلاء متروكين كما العامل في الضفة “لستر” الله وقدره، وعوائلهم.

لا يكفي ان تحمل الاحتلال مسؤولية العمال. ولا يكفي ان تقول للعامل لا تذهب للعمل. لا يكفي طرح نصائح بلا تقديم حلول. العامل من اجل الا يخاطر بحياته وحياة الاخرين وحياة الشعب، يريد ان يؤمن قوت بيته، ويريد ان يتم توفير مكان امن له في حجره. اين أماكن الحجر التي وفرتها الحكومة للعمال القادمين من مياوماتهم لدى الاحتلال سواء بالقدس او بالضفة؟

ما الذي ستقدمه الحكومة لهؤلاء لتأمين قوت عوائلهم؟

لا يمكن للحكومة تحميل الاحتلال ما سيترتب على اهل القدس من تدابير، لأنه وبالرغم من تبعية اهل القدس الرسمية لكيان الاحتلال، الا ان اهل القدس لا يدخلون ضمن مزايا المواطنين بالحالات العادية، فكيف في حالة الطوارئ، وهذا مرتبط بتبعية اهل القدس للسلطة الفلسطينية ضمنا، فبالمحصلة هناك محافظة ووزارة للقدس. واهل القدس لا ينتخبون بالمجلس البلدي التابع للاحتلال، لذا فمسؤولية اهل القدس في هذه الحالة وفي كل تقصير للاحتلال من واجب السلطة.

سلطات الاحتلال تعيش حالة طوارئ مثلنا، فهل نتوقع أن يقوم الاحتلال بواجبه الإنساني امام السكان؟ ماذا بعد تحميله المسؤولية؟

نرى ما تعيشه سلطات الاحتلال من تفاقم للحالات بتسارع مرعب، ينذر بتحول إسرائيل من حيث كارثية الوضع الى كارثية الإصابات في إيطاليا. يعني إذا ما كانت الأرقام بين جهات الاحتلال وبين السلطة صحيحة في التصريحات، فنحن نعيش في نعيم، سرعان ما نقدم المساعدات لهم. فلم لا تهتم السلطة بمواطنيها من اهل القدس؟

الأرقام الإسرائيلية تشير الى ان اعلى إصابات في الكيان الإسرائيلي موجودة بالقدس. أي ان بؤرة الخطر الحقيقي هي القدس. فاذا كان الرقم الذي يتراوح عند ٣٥٠ إصابة يتشكل في معظمه لإصابات اليهود، فهذا يعني ان سكان القدس من العرب يعيشون كارثة حقيقية. الأرقام التي تم رصدها من قبل جهات مختلفة (١٦ مراسل صحفي إسرائيلي)، و(١٢ مصادر فلسطينية مختلفة).

والكل يؤكد على ان الرقم الحقيقي آخر بكل تأكيد. وبعد إعلان وزارة الصحة التابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي عن أخطاء في الفحوصات، فهذا يعني ان الكارثة أكبر. وإذا ما كان هذا الاعتراف بالخطأ وارد بمراكز الفحص الخاصة باليهود منهم، فلنا ان نتخيل كم الخلل الممكن في تشخيص الإصابات الخاصة بالمراكز العربية التابعة لهم.

  ما تحتاجه القدس بشأن الأسماء والحالات هو ما سيجري ف المرحلة القادمة عندما تبدأ الجهات الإسرائيلية بإقصاء الفلسطينيين من حيث الاهتمام والاختيار إذا ما تفشى الفيروس بصورة أوسع.

ماذا تعني كلمة “تجنب” و”ابعد” في وقت هناك حظر تجوال؟ إصابات اليوم التي وصفها المتحدث لمصابة من بدو للقبيبة؟ من ارطاس لقرية أخرى؟ انفهم ان العالم غير واعية وغير ملتزمة، ولكن اين تدابير الحكومة في هذا الشأن؟ ان يكون هناك أناس يتزاورون حتى هذه اللحظة فهذه ليست فقط مشكلة وعي، ولكنها مشكلة في الإجراءات. لماذا علينا ان نصل الى مرحلة يقف فيها الامن الفلسطيني امام المواطنين بالعصي والهراوات؟

حركة الجسد الأخيرة للمتحدث اليوم بينما يطلب من الناس اتباع الإجراءات والابتعاد، فضلا عن وجود المتحدث الآخر الى جانبه بمسافة قريبة جدا، انتهى تصريحه بملامسة حاضنة للرجل.

كيف يتوقّع أحد، ان يلتزم الناس المنتظرون والمتابعون يومياً لتصريحات المتحدث عندما لا يشكّل هو نفسه مثالا للالتزام الذي يطلبه؟

اتخيّل المصابين المعلن عنهم، بحزما، وبدو، وارطاس، سكاريا كم من رجل لامسوا وصافحوا؟ كم من جسم صلب مسكوا؟ كيف تعاملوا ببيوتهم مع التفاصيل البسيطة التي تنشر الفيروس بلا رحمة؟ كم من زوجة وابن وابنه وجار وجارة وعم وخال وصاحب دكان وحافلة مواصلات قد تم ملامسة ما عليها من أسطح وما بها من بشر؟

وختاماً، انتظر في كل تصريح توضيح لتحذيرات نقيب الأطباء. ما هي حقيقة الوضع الى جانب الاعتراف بأن هناك نقص واحتياجات؟

تكلم المتحدث عن “تقييم” يجرى على مدار الساعة للوضع. ما هي الخطط والتدابير إذا ما انتشر الفيروس – بصورة جامحة ـ واضطرت الجهات الصحية استقبال ١٠٠٠ مصاب مرة واحدة؟

ما هي السيناريوهات المطروحة؟  قريبا، سننتهي من مرحلة “الحجر الصحي والبيتي” وسندخل في مرحلة توسع رقعة الإصابات والحاجة الى العلاج.

Leave a Reply