المعتقلون… وعزل بلا وقاية. وقدر متروك لرحمة الله

المعتقلون… وعزل بلا وقاية. وقدر متروك لرحمة الله

يشغلني كما دوما التفكير بالآلاف من المعتقلين بزنازين الاحتلال. وفكري مكبل بقلة الحيلة وانعدام السبل.

فأنشغل بأمور تبدو وكأنها ممكنة بالتدخل بإثارة قضية صاحبها غير محكوم عليه بما لا يمكننا التأثير عليه.

ومع الأسف، ليس ابتعادنا عن قضية المعتقلين او بالأحرى استحياؤنا من الخوض فيه الا نتيجة تبدو معدة ويتم التهيئة لها في حسبة سياسية تستحوذ على كل ما نملكه من مساحات. فكما هم معتقلون بداخل زنازين القهر والظلم بسبب الاحتلال. نحن كذلك أسرى نجوب في مساحات تبدو أكثر اتساعا وحرية. ولكنها في حقيقة الامر تضيق علينا تدريجيا.

واليوم، بينما ننشغل في محاولة النجاة من تهديد فيروس الكورونا الذي يتسع في رقعة انتشاره ليشد الخناق أكثر علينا، فيحشرنا في مساحاتنا الضيقة، لنهتم بالكاد ما يمكن ان ينقذ ما نعتقد من مساحاتنا التي نريدها امنة. فتبتعد الامر الأخرى عنا تدريجيا، لتختفي اثارها من حساباتنا، او لتكون في أحسن الأحوال باهتة بعيدة المنال.

فلم نعد نهتم لما يجري من سياسات يشد فيها الاحتلال اوصاله ويمتد بسرطان انتشاره بسرعة الوباء الذي اقعدنا بيوتنا. لم تعد الأمور التي كانت مهمة، مهمة. قتل وعنف وهيجان شعبي مفزع. جرائم قتل بشعة قد تكون يومية، صرنا فقط نكتفي بذكرها لنرجع الى يومنا المغلق بوقايتنا المرتجاة من الكورونا.

وكما العمال تركوا لرحمة الله ربما، ليتولاهم وعائلاتهم. ننظر من بعيد الى ما يحل بالمعتقلين او ما قد يحل بهم وسط ظروفهم الصعبة غير المتصورة، ونصمت.

هل بالفعل نحن نعيش حالة العجز عن التصرف؟ عن الضغط؟ هل وضع ال ٥٥٠٠ معتقل في زنازين الاحتلال اقل أهمية في وضع استثنائي يمر به الكوكب عما كان عليه وضعهم من قبل؟

هل هناك فرصة بالضغط على الاحتلال في هذه الفترة من اجل إطلاق صراحهم؟

في وضع يعيش الاحتلال فيه الخطر نفسه من انتشار الوباء، قد تكون المطالبة بالإفراج عن الاسرى فرصة لهم.

أطرح هذه الأسئلة واعترف بشعوري بالعجز من جدوى الطرح.

تطاردني كلمات عاجزة تقول: ” هل هذا وقته؟”

في وقت يشتد الخناق على حرية التعبير فيما يبدو أقرب الى ” الحظر الذاتي” على الأفكار والكلام تحت وطأة جموح الطارئ من الوباء.

ولكن.. ذكرتني كلمات الصديقة هند شريدة، التي تعاني كالآلاف الزوجات والامهات والآباء والعائلات بألم القلق والأرق والعجز بانتظار لحظة فرج، وخبر عن معتقل حبيب وابن وأخ وقريب، بقلق حارق موجع لا تنتهي لحظاته بخوف فوق الخوف. هرع فوق الهرع. رعب فوق الرعب. وصلاة تلو الصلاة لرحمة وحماية لهؤلاء الابطال المحاصرين بظلم من تحتهم ووباء محدق بانتظار المزيد من الضحايا من فوقهم.

بلحظات عجز حقيقية، لا أجد الا مشاركة كلمات هند في أعمق تعبير ممكن لما يعيشه المعتقلين واهلهم في هذه الأيام التي صارت الكورونا عنوانها.  ربما يصل كلامها إلى وجداننا ويحرك سبات ضمائرنا. علنا شعرنا ولو للحظة بقسوة الشعور بالخنق في ظل انعدام السبل والخوف على احبتنا.

ربما يتحرك من يستطيع التحرك من اجل المعتقلين. ربما يضغط من يستطيع الضغط على الاحتلال وعلى المجتمع الدولي. فقد نكون امام فرصة في وقت تطلق الدول سراح المعتقلين. ربما يكو لهؤلاء فرصة ولو لفترة ما بلقاء أهلهم من جديد.

” في منفى لا يليق بقاماتهم، تماماً “كشرق المتوسط مرة أُخرى”، يعيش 5500 حُرّ وحرّة، ومن بينهم أُبَيّ، في عزل في المعتقلات وسط اكتظاظ مقيت في الغرف، وقيود قاتمة، كاللون البُنيّ الذي لا يشبه الشوكولاتة أبداً، والسّكني البعيد كل البعد عن الفضيّ الساطع، وأدنى مقومات الحياة للحفاظ على بُنيَتِهم صحية، إضافة إلى العقوبات التي تطالهم، وغاز القمعات القميء، والضرب بالعصي، والزنازين الانفرادية. يزدادون عزلاً في ظل كورونا لعين يتربّص بقربهم مرمى سجّان. منذ تفشي الوباء، كثرت الممنوعات على أسرانا وأهاليهم، بدأت بإلغاء الزيارات التي تحدث فعلياً خلف الزجاج العازل من دون ملامسات، وبوساطة هواتف مشوّشة لا يعبرها رذاذ إطلاقاً، كما أُجّلت المحاكم، ليس حرصاً على سلامة الأسرى بالطبع، وإنما تلافياً للأزمات التي قد تنشأ في حال إصابة أحد/إحدى أقمارنا بالعدوى، وهو ما سيضطر الاحتلال إلى التكشير عن أنيابه وكشف عنصريته وبغضه تجاهنا على الملأ في “عالم ليس لنا”. لن يضطر الصهيونيون حينها إلى حِكر أجهزة التنفس للاسرائيلي مُفاضلة، لأنهم سيفعلون ذلك بلا هوادة أصلاً.

وأمّا أنا، معطوبة القلب، مثلي مثل كثيرين من أهالي الأسرى، أظل معلّقة بين الاحتمالات، تباغتني سيناريوهات عدة حول أُبَيّ وجهازه المناعي الذي لا يَمتّ بِصِلة لِشاب في السادسة والثلاثين من عمره، بل لكهلٍ بضعف ذلك الرقم؛ سرق منه الاحتلال خمسة أعوام في اعتقالَين، الأخير ثالثهما. وعدت أستذكر سُعَاله إذا ما أشعل أحدهم سيجارة حوله، وأمعاءَه التي لا تستحمل نسمة، ونزلات البرد التي تطاله في الشهر أكثر من مرة وتُلزمه الفراش. ما هي احتمالات إصابة الرافض بكورونا؟”

  • من مقال هند شريدة: احتمالات كورونا بالمعتقل

Leave a Reply