ملخص الكورونا: في قبوي ام الانسان الصرصار؟

“في قبوي” او “الإنسان الصرصار”

العزلة التي تفرضها علينا الكورونا، تضعنا في حيرة من امرنا. هل نغلق على أنفسنا القبو وننتظر نزوح المصاب لنخرج من جديد بأفكار واقتراحات تناسب الحال الجديد. بين تصفيق او تنديد. اثبات اننا كنا على صواب او الاعتذار عن خطأ التقدير ونمضي قدما مع ما يراد منا كقطيع؟ او ربما نبقى لنؤكد من قبونا ان الانسان بالمحصلة ليس الا قدر صرصار؟ او نكتب مذكرات لتكون روايات تروج فيما بعد عن اسطورة الانسان وانجازاته او اخفاقاته في قوالب بطولية.

رواية “في قبوي” او “الانسان الصرصار” او “رسائل من باطن الأرض” للأديب الروسي فيودور دوستويفكي، تعتبر العمل المؤسس للفلسفة الوجودية التي برز من خلالها المفكر الفرنسي سارتر. ربما وضعتني امام هذا السؤال الوجودي هذه المرة ليس بشأن الفكرة الإنسانية ولكن بالحاجة الى العزلة عن القطيع الذي صاره الانسان.

كان هذا العمل الروائي هو رد دوستويفكي على رواية “ما العمل” لتشرنشفسكي التي تروج لنظرية التفاؤل العقلاني في صورة مثالية، مفرطة التفاؤل، بتعبير عن المزاج السائد في أوروبا ابان ذروة الثورة الصناعية. حيث ترجّح رواية
“ما العمل” انانية الانسان كجزء من طبيعيته. وعليه، فقراراته تأتي وفق مصالحه الشخصية دوما. وهو كذلك عقلاني بالفطرة وعليه، فان حسابه لقراراته تأتي وفق قواعد المنطق والعلم بقدر معرفته. ومن اجل ذلك ما يقوم به الانسان من اجل مصلحته سيكون بالضرورة متسقا مع مصالح المجتمع وتتابع الحضارة.

ويأتي دوستويفكي في رواية “رسائل من باطن الارض” بالحديث عن الامر بالسؤال التهكمي: “بالله عليكم ألا أخبرتموني من هو الذي أعلن بأن الإنسان لا يفعل الأمور الكريهة إلا لأنه لا يعرف مصالحه الخاصة… نحن نعرف أنه لا يوجد ذلك الإنسان الذي يعمل ضد مصالح نفسه مدركا، وعليه وبالضرورة لا ترونه يفعل إلا الخير.

 آه، يا للطفل النقي البريء! ترى أهنالك في كل هذه الآلاف من السنين التي مضت إنسان كانت دوافعه الوحيدة إلى العمل مصالحه الخاصة؟ كيف سنبرر ملايين الحقائق التي تشهد بأن البشر تركوا مصالحهم جانبا ً مدركين ذلك جيدا ً. أي أنهم كانوا مدركين لمصالحهم الحقيقية، واندفعوا إلى طريق آخر، وواجهوا المخاطر ولم يكن ليرغمهم على ذلك شيء أو أحد إطلاقا ً، وإنما لعلهم كانوا يكرهون أن يتبعوا الطرق التي اتبعها غيرهم من قبل، وهكذا راحوا يشقون بعناد وعزم طرقا ً أخرى أصعب وأشد تفاهة باحثين عنها حتى في الظلام. وهكذا فإنني أظن أن هذا العناد وهذا الخروج على المألوف كانا أشد امتاعا ً لهم من أية مصلحة شخصية.. مصلحة! مصلحة! ترى ما هي المصلحة؟ وهل تستطيعون أن تأخذوا على عواتقكم إيجاد تعريف دقيق لما تتألف منه مصالح الانسان؟ وماذا لو حدث أحيانا ً أن مصلحة الإنسان يجب، وليس لعل، أن تتألف من رغبته في بعض الأحوال فيما يضر نفسه وليس فيما يقيدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، ولو وجدت مثل هذه الحالة فإن تلك القاعدة تتحول إلى تراب.”

.

بين رد دوستويفكي على لتشرنشفسكي، وبين تذكّر كل من نيتشه وانسانه المتفوق، وكافكا ورجله المتحوّل في الميتامورفوزيز الى صرصار، يشعر القارئ انه وسط حلبة أدبية فلسفية رائعة.

هذا الكم من التأثر والتأثير في فكرة يتمركز فيها الانسان بين كونه خارقا او صرصارا، ان دل على امر فيدل على روعة حقبة انتجت فيها الثورة الصناعية ثورة فكرية بها من الأصول ما استمر القرن العشرين بمفكريه وفلاسفته بتقطير لأوصاله…. عبثا ربما. نعيش في هذه اللحظات العصيبة من جديد على وجودنا بين احتلال عسكري وعقم تفكير مجتمعي يروج بقوة أكثر من أي وقت مضى الى تدجين الفكر والعقل والمنطق للمضي قدما نحو قانون الراعي والقطيع. رافض بشدة لكل من يخرج ليقلق إيقاع الامن بالاحتماء من الذئب المتربص بالمحيط.

جاءت رواية “الانسان الصرصار” او “مذكرات في الباطن” لتبدد إنجازات الانسان الأوروبي وقمع نشوة انتصاراته، فاعتبرها الكثيرون خطرا على الفكر الإنساني، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى التي كسرت صورة الانسان المثالي.

ليضع دوستويفكي في روايته، الانسان في موضع نفسه الصغيرة والوضيعة الى قدْر صرصار.

تشكل الرواية في محاكاة الراوي مع أعماق ذاته دقا على ناقوس خطر الانهيار الإنساني من جهة، والحاجة لبنائه بصدق وصراحة وحقيقة فجة ان صح التعبير.  رحلة الانسان نحو غاياته ورغباته وقراراته واختياراته. سعيه لنظام ما يروضه، ورغبة جامحة له ابدا بتكسير كل ما يقيده. وكأن صراع الانسان الازلي في حريته المرتجاة كهدف حياة، وتكبيله نحو تحقيق غايات.
“آه أيها السادة، لو تعرفون أنني أعتبر نفسي رجلا ً ذكيا ً، لسبب بسيط: هو أنني ظللت طيلة حياتي غير قادر على أن أبدأ أو أنهي شيئا.
وإنني لأعترف لكم بأنني ثرثار أتحدث بما لا تفهمون، وقد أضايقكم ثرثرتي هذه، إلا أنني لا أوذيكم بها، ولا أختلف عن غيري في ذلك. ما العمل يا ترى إذا كان هم كل ذكي هو أن يثرثر وحسب، أي أن يصب الماء في غربال.”

تأخذ الرواية في قسمها الأول طابع المونولوج، حيث يقدم الراوي وهو إنسان بغيض ومكروه. كان يعمل موظفاً مدنياً، أقعده المرض. يفسر سبب انزوائه في عزلة القبو، ويسترسل في شريط مطوّل بوصلات تلفظ الانفاس مع كل انتهاء، وكأن القارئ امام احاجي متقطعة سيقوم الراوي بتركيبها له بالفصول التالية عما يشكل بواطن الانسان. يطرح الراوي ما يفكر به وما يعتقد ويُشرّحه امامنا كطبيب يحاول فهم سبب مرض فتك بالجثة الهامدة امامه.

كما عنوان القسم الأول من الرواية ” تحت الأرض” ينزل بنا الى أعماق النفس الإنسانية بواقعية صريحة وفجّة في أكثر الوقت. وفي كل انحدار يقوم بازدراء نفسه وطبيعته بمقت وغضب أقرب الى الاحتقار. فأحيانا تفكر بأن حالة الغضب التي تملأه وازدرائه المكون في نظرته السلبية مبرر لان الرجل مريض. وأحيانا تبرر ان الرجل في مراجعة بصحوة ضميرية تهزمه دائما.

أفكار قوية وصعبة عن الفكر والأخلاق وقوانين الطبيعة واشكالية الوعي، ليؤكد “ان زيادة الوعي ليست وحدها مرض. وانما كل وعي مرض.”

 

انانية الانسان وتغليب مصلحته وترجيحها، وتجريح الراوي لشخصه بتشويه مشهد البطولة المتوقعة منه كالشخصية المركزية في هذه الرواية. وكأنه يقف امام الإنسانية ليريها مرآتها الحقيقية. وكم تصعب الحقيقة في رؤيتها امام من يريد ان يعش نشوة الانتصار الإنساني الزائف.

“إن كتابة القصص الطويلة، وتدميري حياتي كلها بانعزالي الخلقي في زاويتي الحقيرة وبعاداتي اللا اجتماعية، وبفقداني الاتصال بالحياة، وبإغراقي في حقدي وأنا في قبوي المظلم – أخشى أن يكون هذا كله أمرا ً لا طرافة فيه….لقد جمعت كل ما يمكن أن يؤدي إلى اظهار شخص بصورة مناقضة تماما ً للصور التي يجب أن يكون عليها البطل… إن ذلك كله جدير بأن يُحدث تأثيرا ً مؤلما ً، لأننا جميعا ً قد فقدنا صلتنا بالحياة، اننا جميعا ً مقعدون – لا نزيد ولا نقل…… لقد فقدنا صلتنا بالحياة إلى درجة أننا لا نملك أحيانا ً إلا أن نشعر بالاشمئزاز من “الحياة الحقيقية”. لهذا فإننا نغضب عندما يذكّرنا الناس بذلك. بل إننا ذهبنا بعيدا ً جدا ً في هذا، وصرنا ننظر الى “الحياة الحقيقية” باعتبارها عبئا ثقيلا. ونحن جميعا ً متفقون على أن الحياة كما نجدها في الكتب هي أفضل بكثير. ولماذا نحدث كل هذه الضجة في بعض الأحيان؟ لماذا نخدع أنفسنا؟ ماذا نريد؟ إننا أنفسنا لا نعرف ذلك. والحق أننا سنكون أسوأ لو استجيبت دعواتنا السخيفة. حاول فقط أن تهبنا استقلالا ً أكثر وأن تطلق يدي أي واحد منا وأن توسع نطاق فعالياتنا وأن تخفف من شدة النظام، سترانا نستجدي ذلك النظام في الحال ونتوسل أن يعود ويطبق علينا.

أعتقد أنكم ستغضبون لأنني أقول هذا، وستبدؤون بالصراخ وتضربون بأقدامكم على الأرض وتقولون تحدث عن نفسك وعن حياتك الشقية في قبوك المظلم. ولا تجرؤ على أن تقول “جميعنا”.

ولكن، أيها السادة، إنني لا اريد أن أبرر نفسي باستخدام كلمة “جميعنا”. فقد ذهبتُ إلى أبعد حدّ في حياتي في أمور لم تجرأوا أنتم على سير نصف الطريق إليها. وبالإضافة إلى ذلك فإنكم تخطئون في فهم جبنكم فتحسبونه ادراكا ً أو شيئا ً مألوفا للجميع، وقد لذ ّ لكم ذلك، لذ ّ لكم أن تخدعوا أنفسكم.

في الواقع أنني ألوح أكثر حياة منكم انظروا إلى الأمر بإمعان! لماذا؟  بل أننا لا نعرف أين يمكننا أن نجد الحياة الحقيقية، أو ما هي، أو ماذا تدعى. اتركونا بلا كتب وسترون حيرتنا، وكيف أننا سنضيع أنفسنا في متاهة، ولن نعرف شيئا ً نتمسك به أو نحبه أو نكرهه أو نحترمه أو نحتقره. وسيصعب علينا أن نكون بشرا ً، بشرا ً بلحم ودم حقيقيين، بلحمنا ودمنا، اننا نخجل من ذلك ونعتبره أمرا ً مهينا. ونحن نفعل كل ما في وسعنا لنكون بشرا ً أسوياء من الناحية النظرية. ً

اننا نولد أمواتا ً، وقد ظللنا منذ عهد بعيد نولد بآباء غير حقيقيين. ويبدو أننا نميل إلى ذلك يوما ً بعد يوم ونتذوقه. وسيأتي يوم نولد فيه بفكرة. ولكن كفى – انني لا أريد أن أكتب أكثر من هذا من “قبوي المظلم”.

Leave a Reply