قراءة في فاوست وغوثيه

قراءة في فاوست وغوثيه

هل تجسد “فاوست” تحفة غوثيه الأدبية، ام غوثيه هو تحفة فاوست الحقيقية؟

عزفت في أيامي البعيدة عن التأثر بكل ما هو ألمانيّ. وذلك لشعوري بالخنق من تعليمي المدرسيّ الذي كان المانيّ الطابع والأسلوب والنظام، ممثلاً براهبات متزمّتات شديدات لا يعرفن رحمة. طبعا كبرت في محاولات غير منقطعة بتكسير القوالب المتمسكة بداخلها تلك الأفكار السلبية عن كل ما هو المانيّ. وتغيّرتُ وتغيّرتْ افكاري بطبيعة الحال.

غوثيه كان أحد ضحايا جهلي وانا طالبة مدرسة، فكان يمثّل لي الاضطهاد الممارس عليّ في المدرسة.

طبعا، أحمل ما أنا عليه من طباع وصفات حميدة الى ذلك المبنى الألمانيّ الذي شكّل الكثير ممّا انا عليه اليوم، وكثيرات من بنات ذلك الصرح العلميّ، كما تأثير المركز الثقافي الذي يحمل اسم غوته.

مع نضوجي ونضوج قراءاتي واستيعابي، شكّل الفيلسوف الألماني نيتشه الكثير من مداركي وأضاف لي حلما ومعنى لكيفية رؤيتي وفهمي لما نعيشه من مدارك الفلسفة، واعتبر نفسي نيتشوية التفكير إذا ما كان لهذا المصطلح أي معنى.

ولسبب ما، تغاضيت دائما عن كون نيتشه المانيا، فكنت أفضل اعتباره نمساويا، ومع كل نضوج كان الألمانيّ في نيتشه يقترب منّي أكثر.

نيتشه كان رجلا لا يعجبه العجب كما يقولون. ولم يترك فيلسوفا قريبا من عصره الا وانتقده وأسرف في الانتقاص من أهميته. الا انه كان معجبا باثنين واعتبر واحدا منهما استاذه والآخر وصفه بالعبقري الذي لم تنجب من البشرية مثله الا القليلين.

الأول شوبنهاور والثاني غوثيه.

ابقيت دائما غوثيه على الرف. غير مستعجلة في الوصول اليه.

في قراءاتي الأخيرة هذا الشهر بينما أتحدى الكورونا في القراءة، وجدت نفسي كمن يمسك أطراف خيط نحو طريق مؤدي الى مكان واحد مهما تعددت الطرق: غوثيه.

وبعد الانشغال ببعض القراءات، كانت تبدأ دائما بحياة غوثيه (١٧٤٩-١٨٣٢). وكأن حياة غوثيه تعتبر اهم مما قدمه غوثيه من اعمال، إذا لم تكن على نفس القدر من الأهمية. وبالفعل، لا يمكن المرور عن غوثيه بدون التوقف مليا بحياته والانبهار بحياته الخاصة. وكأن حياته الخاصة رواية تشبه في احداثها أعظم الروايات وأكثرها اتساعا للمعلومات والاحداث. ميسور الحال، ولد بمعلقة ذهبية في فمه، ولكنه لم يكن ذات أصول أرستقراطية. عاش برفاهية منذ ميلاده، وكانت النساء في حياته كما التعليم والعمل، منسابة وفق اماله وتطلعاته ومراده.

عمل دبلوماسيا ونجح نجاحا ملفتا. تعلم مختلف العلوم ونجح. تكلم عدة لغات، واتطلع على الكتب السماوية واتقن فهمها، وصولا الى القرآن.

وقدم من الشعر لألمانيا ما شكل ويشكل اهم مقومات الشعر والادب الذي ارتقت من خلاله المانيا بصيت شاعرها الكبير.

أحيانا أفكر، كم انجبت الحياة من هذه الشخصيات. لا اعرف لم تذكرت محمود درويش وانا اتابع حياة غوثيه. هناك من يخلقون مع ملكة الموهبة.

فاوست تعتبر من أعظم الاعمال الأدبية في تاريخ الادب الألماني، كما هي العمل الأكثر شهرة لغوتيه. كتب غوثيه فاوست في جزأين يبعد الأول عن الثاني ستة عشرين سنة. فنشر الجزء الأول للمرة الأولى سنة ١٨٠٨، والجزء الثاني انتهى منه غوته سنة ١٨٣١.

الحقيقة ان انشغال غوثيه في هذا العمل فيما هو اشبه بالملحمة، او بالأحرى التراجيديا كما هو مقدر للعمل ان يكون، بفكرة الخلق والخالق. فاوست بعتبر شخصية خرافية بالموروث الشعبي الألماني، تحكي قصة رجل ورث الكثير من الأموال وتعلم كل ما يمكنه من العلوم، وبعد تقدم العمر به أدرك ان كل ما ناله من علم لا نفع له وندم على ضياع شبابه في سنوات بلا متعة.

اما فاوست في مسرحية غوثيه فكان طبيبا، حكيما، يمضي وقته بعد ان اوهنه الكبر في التفكير بالوجود وسعيه بفهم او اكتشاف جوهر الحياة.

تبدأ القصة بتمثيل لحوار بين الله والشيطان (مفستوفيليس) ، بدا وكأنه أكثر حواريا منه تحديا، بطلب مفستوفيليس من الله السماح له بأخذ روح فاوست الذي يناجي من اجل ان يلبى نداء روحه نحو التغيير الذي يتمناه. يتفق فاوست مع الشيطان (مفستوفيليس) على مقايضة روحه مقابل إرجاعه الى الشباب ولكن بشرط الوصول الى السعادة الحقيقية. فيمضي فاوست برحلته مع مفستوفيليس بطريق العثور على السعادة بالقتل والشر والفسق واتيان الرذائل، الى ان يعشق مارغريت. ومارغريت تجسد معاناة المجدلية ان أمكن الوصف. من جهة حررت روح فاوست بحبها ونقائها. الا انا العشق وضع موضع العاهرات في مجتمعها، ولكن ايمانها مكنها من حبها من مساعدة فاوست في هزم مفستوفيليس والنجاة.

المسرحية مليئة بالمشاهد العميقة والوصف الدقيق لكل مشهد. تشعر نفسك جالسا على مسرحك بير وتتابع المشاهد ببراعة، بدقة للوصف وعمق الشخصيات بوصف مشاعرها وتخبطاتها.

وتبقى القصة في معانيها تجسد تركيزا على مواضيع فلسفية وتناقش الظواهر الاجتماعية والسياسية والتاريخية كذلك. مليئة بالروحانية والتماهي ما بين الانسان والخالق. الحرب الدائمة بين الخير والشر. متاع الانسان وبيعه لروحه مقابل ملذات مؤقتة.

بقدر جمال النص والغوص في أعماق روح فاوست ولهيب عشقه لمارغريت الذي حرق قوة الشيطان، كانت الترجمة العربية بقدر من الجمال من ناحية، وقدر من القصة التي يجب الحديث عنها من الناحية الثانية.

كما لغوثيه حصة أكبر في الحديث عن اعماله عند التفكير به، كذلك فعل الأستاذ محمد عوض الذي ترجم المسرحية الى العربية سنة ١٩٥٨. محمد عوض (١٨٩٥-١٩٧٢) كان أحد علماء الجغرافيا في مصر وشغل العديد من المناصب منها باليونيسكو وإدارة جامعة الإسكندرية. عند قراءة تقديم الكتاب للمترجم، يمكن اعتباره كتابا بحد ذاته. عمل بجلد وجد كمنقب اثار عثر للتو على تحفة ثمينة. وان لم يكن هذا بكافي قبل البدء بقراءة المسرحية بصيغتها الأخيرة، فلقد قدم العمل المترجم للعربية الدكتور طه حسين، الذي قدم كذلك وصفا لرحلته بالتعامل مع الترجمة وصاحبها والنص وصاحبه بطريقة رائعة لا تقل تشويقا عن نص غوثيه.

الكتاب المترجم بتقديم الدكتور طه حسين حتى نهايته التي تقترب من الستمائة صفحة، يدخل القارئ في عالم داخل العالم. طه حسين واهتمامه بغوثيه ورحلته لتقديم العمل وقوف بحياة غوثيه ومرورا بترجمات فاوست المختلفة والإشادة بجرأة ومتانة ودقة ترجمة محمد عوض. ومحمد عوض وغوصه في عالم غوثيه واختراق دواخل فاوست كملاك ربما لو تخللت المسرحية نصوصا جديدة لكان محمد عوض وطه حسين متواجدان في جوقة الملائكة المحكمين للعلاقة ما بين فاوست وغوثيه امام حساب الله الأخير.

Leave a Reply