الكورونا واستعداد الحكومة: هل من آفاق لحلول مجدية؟

الكورونا واستعداد الحكومة: هل من آفاق لحلول مجدية؟

منذ تفشي فيروس الكورونا واستيلائه على المشهد العام، ليصبح الحدث الوحيد والأوحد، وانا أحاول قدر الإمكان التحكم بقلمي عبثاً. فصارت مقالاتي لا يحتملها ما يمكن وصفه أي انفتاح بحرية التعبير. واي تعبير خارج عن النص المطلوب يصبح تهديدا لي وللجهة التي يمكن لها ان تنشر المقال. هذا التحول في الرقابة الذاتية اشد بؤساً وبأساً في تأثيره. فيجعلك خانقاً مُربّطاً لا تعرف اين تبدأ مجالات حريتك ومتى تنتهي بتعرضك لما هو ممنوع. والممنوع يصبح متناثراً لا يمكن حصره. وعليه، فإنّ قانون الطوارئ يفرض قوّته بحصر فضاء الحريات، ليتحكم بذلك أكثر من حصر الفيروس وانتشاره.

وعليه، لجأتُ الى القراءة أكثر، والكتابة الثقافية لعلّي أفرغ حاجتي بالكتابة بمواضيع ذات فائدة. واتابع بالكثير من الحرص المتباعد ما يجري من تحديثات. حوّلتني الى فكاهية وساخرة. فتحولَت كتاباتي بالشأن العام الى ما هو أقرب الى السخرية السوداء ربما. اكتشفت درجة من خفة الدم التي تبرز عند الشعوب البائسة في الازمات. صرنا نعيش مثل قول المثل شر البلية ما يضحك.

ولكن ما بين الجد والهزل هناك فيروس شلّ حراك العالم وسيغيّر بلا شك الكثير مما كانت الحياة عليه. وإن كان وقعه علينا في فلسطين أقلّ شراً وضررا كما تبديه الأرقام، وهذا امر غير مقنع. حيث تشير التجارب حول العالم ان عدم صعود الاعداد يدل على قلة الفحوصات، وعليه فإن هذا قد يكون مؤشرا اكثر خطورة اذا ما لا قدر الله تفجر الوضع فجأة.

ولكن ما سيترتب عليه الوضع بعد الكورونا او ربما قبل انتهائها إذا ما استمرت الجائحة شهوراً أخرى، بلا شك أكثر كارثية. لانّ من لم يقتله الفيروس سيقتله الجوع.

وعليه يبقى السؤال: هل الفيروس بهذه الخطورة؟ أم ما سيترتب عليه هو الأخطر؟

المتابع لما تقوم به الحكومة من عرض يومي يظن أننا في احتفاليات لجمع الأصوات سيترتب عليها فوز بانتخابات. سباق من سيقف امام منصة الايجاز الحكومي اليومي، ومن سيقدم المعلومة بالسبق اللازم. والمعلومة الأهم والتي لا يجب ان يتسابق عليها أحد هي عدد الإصابات. اما ما يتبقى من أمور ومعلومات فهي للتسلية والتطمينات والاستعداد لحملة انتخابية مرتجاة. نجوم الحكومة الساطعين اليوم يتمنون لو تنتهي هذه الازمة ليتم اعلان انتخابات فورية. الفرص على حسب توقعاتهم عالية وكبيرة جدا. فلم تحظ السلطة منذ قيامها بهكذا شعبية عظيمة.

الحقيقة ان الامر صحيح، فالحكومة تعاملت مع الامر ببدايته بحسم وجرأة وطيبة. الأداء الأولى من حيث التصريحات كان موفقا واستطاعت الحكومة كسب ثقة الشعب. الجميع في مركب واحد يريد النجاة من صخرة تختفي وسط امواج بحر هائج تهدد بارتطام مدمر.

بعد كثر من أربعين يوم على اعلان حالة الطوارئ، انحسر الفيروس على حسب المعطيات التي تدليها يوميا الحكومة الفيروس في اقل من ٤٠٠ شخص. ولأننا لا نعرف من الحقيقة الا ما تقوله لنا الحكومة، سنفترض ان الرقم حقيقي. هذا يقول ان السيطرة تحققت. وعليه يأتي السؤال، لم لا تعود الحياة الى طبيعتها؟

الا ان الجواب ليس بهذه السهولة، لان الفيروس لم ينته بعد، وعلى ما يبدو ان ما تقوم به السلطة هو ما تقوم به حكومات العالم، انتظار ما سيؤول اليه الامر. في العالم المتقدم هناك من يقومون على مدار الساعة بما يسمى بإدارة الازمات برصد كل ما يمكن من إمكانيات لإيجاد دواء للداء، بالإضافة الى إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي بدأت ولن تنتهي بانتهاء الوباء. في سلطة يعتمد أصحابها على الضرائب التي يجمعونها من الشعب بالقطاع الخاص وعلى إيرادات العمال في دولة الاحتلال والمقاصة الضريبية، بالإضافة الى المعونات الأجنبية، لا يمكن التفكير كباقي العالم. ولأننا شعب تعوّد على حالات متكررة على مدار عيشنا تحت الاحتلال من الطوارئ الضارية، فمن السهل ان يهبّ بالشعب حسّه الجمعيّ في التكافل والتضامن الاجتماعي. ولكن ان تنهج الحكومة نهج التكافل والتضامن من حساب الشعب فهذا امر لا يبشر ببعد نظر او تخطيط عميق. النهج نفسه من قصر في التخطيط وارتجالية. كان رئيس الوزراء قد أعلن عند بدء حالة الطوارئ ان وضعنا لا يحتمل الخطأ والتصويب. وهو محق. ولكن ما الذي يجري منذ تلك اللحظة؟

الالتزام بقواعد البقاء في البيوت لا يزال مخترقاً وغير مطبّق. تحت حجة التبضع للطعام والشراب والأدوية، تكتظّ المحلّات وتُخترق المعايير. التزاحم على ماكينات الصراف الالي، التزاور والافراح والتنقل بين المدن والمحافظات لكل من تملك يده واسطة من رجل امن الى لواء.

والاهم، المتضررون التي تتزايد اعدادهم مع كل يوم بلا عمل، لم يتم تقديم حلول حقيقية. ماذا سيفعل مئات الالاف بعد شهر او شهرين عندما تنقطع عنهم الكهرباء والانترنت والمياه بسبب عدم الدفع؟ هل يحتاج الانسان فقط الى رغيف خبز وتوزيع مواد تموينية لكي يعيش؟

نعم هناك ازمة في غياب الوعي لوباء لم تعرفه البشرية من قبل، ولكن من الصعب عدم فهم حالة الاستهتار الجمعية والذاتية لمجتمع تم تسطيح وعيه منذ أوسلو. فكيف لنا ان نحاسب الشعب على قلة وعيه، بينما نرى الحكومة في إجراءاتها التي تحوّلت الى استعراضية؟ لا يزال الشعب ينتظر على جمر حار يوميا الإيجازات لأنه يريد ان يسمع خبراً يقول فيه المتحدث أن هذه الأزمة انتهت. ولا يزال الشعب ينتظر كل اطلالة لرئيس الوزراء لأنه يتأمل ان يسمع حلّا يجعل المرء يجلس في بيته باطمئنان.

وإذا ما أردنا الخوض في التفاصيل ونسأل أسئلة بها أجوبة شافية، فلا جواب، لأن التدابير ليست من شأننا معرفة تفاصيلها. والخطط ليست مسؤوليتنا. ما علنيا معرفته ان هناك تدابير وخطط. هناك صناديق شملت وقفة عز وغيرها، هناك مقترحات خطط إنعاش وهناك أموال سيتم توزيعها على عشرات الالاف من العائلات ولكن ليس لنا ان نعرف ما هي معايير الاختيار ومن ولمن والى اين.

هناك ملايين دفعت من اجل المساعدة ولكن ليس لنا ان نعرف كيف ستوزع والى اين ولمن. علينا ان نلزم الصمت وننتظر التحديثات والايجازات الرسمية ونطمئن من تطميناتهم. ونحتفل بمشاهد التوزيع لأيدي الخير برتب “لواء” ادامهم الله لنشكرهم على كرمهم وعطاياهم.

ولكن يبقى هناك ما هو مطمئن ومهم، ان الشعب يريد بالفعل إعطاء الحكومة فرصة. يريد الشعب أن يشعر بالثقة والاطمئنان. وفي نفس الوقت، هناك افراد كثر متيقظون ويبحثون عن حلول ويعرضونها. لأنه ربما للمرة الأولى، إنّ ما يجري يؤثر وسيؤثّر على الجميع بدون استثناء.

ولكن هل ننتهي الى جهود مشتتة ومفككة سرعان ما تتحول الى استعراضات تتسابق على منصات النجومية الجديدة؟

هناك حقيقة وحيدة ترتبط بالوضع الاقتصادي المنهار. نحن نتكلم عن حكومة أعلنت عجز ميزانيتها قبل الكورونا، وتعتبر نفسها حكومة تقشّف قبل اعلان التقشف الجديد. اثار ما سيترتب على حالة الطوارئ هو الكارثة القادمة لا محالة. هل يمكن ان تستمر الحكومة بالإعلانات الحالية من مشاركة الرغيف، ولا أحد يموت من الجوع ووقفة عز؟

اختتم مقالي بمعلومات وتحليل مستفيض ومهم لرجل الاعمال الفلسطيني سمير حليله تناوله على منشور على منصة التواصل الاجتماعي:

ان الشراكة تتطلب وجود إطار مرجعي مشترك لدراسة الاثار المترتبة على حالة الطوارئ وسبل مواجهتها بقيادة الحكومة ومشاركة أطراف الانتاج ومراكز الخبرة، وهو أفضل بكثير من الاستشارات المتقطعة و’رسائل المطالب’ التي يتقدم بها هذا الطرف او ذاك قبل صدور القرارات او التصريحات. وثانيا وهو الأهم: غياب القرار الحكومي حتى الان في هذا الملف. حيث ان الصورة الحالية لمجالات التدخل الحكومي انحصرت في ترتيب وضع المالية العامة والمقاصة والدين الحكومي من اجل الانتظام في دفع الرواتب للموظفين الحكوميين باعتبارها الاولوية، والاعلان عن صندوق لجمع التبرعات من القطاع الخاص لدعم المصروفات الحكومية في القطاع الصحي والاجتماعي، والاعلان عن صندوق غير واضح المعالم لتمويل ٣٠ ألف عامل! وبدون تفاصيل. ومن الواضح ان كل الدراسات واوراق الموقف التي تصدر الآن تبتعد عن تحديد المبالغ والاليات المطلوبة لإنعاش الاقتصاد وتكتفي بالعموميات! في الوقت الذي تصر فيه الحكومة على استمرار وتيرة الحجر والاغلاق الحالية (وبالطبع قد تكون محقة في هذا الصدد). وللوصول لاستنتاج أولي حول مدى تغطية قراراتنا حتى الان لنتائج كورونا الاقتصادية أشير فقط الى الأرقام التالية التقريبية: يغطي موظفو الحكومة ١٥،٦٪؜ من العاملين بالضفة الغربية (تم الاهتمام بهم)، ويعمل في اسرائيل ١٨،٢٪؜ من العاملين في الضفة الغربية (لا يوجد توجيه لهم سوى توقفهم عن العمل في اسرائيل)، اما القطاع الخاص فيغطي عمل ٦٦،٢٪؜ من العاملين؛ منهم ٣٤٪؜صاحب عمل او يعمل لحسابه (وهؤلاء عليهم ‘الدفع’ لتمويل النشاطات الصحية والاجتماعية للحكومة!) بينما عدد المستخدمين بأجر (عمال وموظفين) ٦٦٪؜ (ويبدو ان الثلاثين الفا هم جزء من هذه الفئة).! ان المطلوب باختصار من أية خطة تدخل حكومي او خطة ‘ مشتركة’ ان تعالج وتتبنى حلولا لمجمل قوة العمل الفلسطينية وهي بحدود المليون عامل وموظف. اضافة لتوفير الحلول للمنشآت والشركات الصغيرة والمتوسطة لاستمرار عملية الانتاج، والخروج من الأزمة الحالية بأقل الأضرار، وذلك حفاظا على السلم المجتمعي ونمو ودعم اقتصاد فلسطيني مقاوم قادر على مجابهة المهمات والاستحقاقات الوطنية الصعبة في الأشهر القادمة..

Leave a Reply