الجمعيات السرية في العالم : عبد الوهاب المسيري

الجمعيات السرية في العالم

عبد الوهاب المسيري

كتاب الجمعيات السرية في العالم للمفكر المصري عبد الوهاب المسيري (١٩٣٨-٢٠٠٨) هو محاولة لوضع اليهود بين كونهم صهيونيين وبين انتمائهم للحركات السرية، في دراسة لكيف يقوم النموذج الاختزالي الأمرين والصهيوني بتجريد أعضاء الجماعات اليهودية واختزالهم الى عنصر واحد يسمى “اليهود” لا علاقة له بالأنماط او الوظائف الإنسانية العامة. ليصبح اليهودي صهيوني. هذا العدو الخارق الذي يحيك المؤامرات ويسيطر على كل منافذ العالم من قوة وموارد، ويتحكم بالسياسات ومصائر الدول.

الكتاب ربما يكون فرصة لنا، في زمن تغيب فيه الموضوعية عن تفكيرنا. فيقدم الكاتب لنا أهمية ذلك من خلال تشخيص للحركات السرية ووضعها في نصابها الحقيقي.

 ينقسم الكتاب الى ثلاثة أبواب يتناول أولها النموذج الاختزالي التآمري (والمعادي لليهود) كما يتبدى في بعض الاساطير والمفاهيم التآمرية (بروتوكولات حكماء صهيون- البهائية – الماسونية- تهمة الدم).

على سبيل المثال، بينما يركز العالم على بروتوكولات حكماء صهيون، التي تأكد تزييفها، لاستخدامها ضد اليهود، لا يحاول أحد ابدا استخدام كتاب “التربية” وهو كتاب اشد عنصرية وتآمريه ومأساوية يطبقه اليهود في إسرائيل ويتم تداوله. وعليه تبقى الاتهامات ضد اليهود باطلة لأنها ترتكز على بروتوكولات مزيفة، وينجو الصهيونيين من اتهامات بينما جريمتهم التي يستمرون باقترافها وفق مسانيد أخرى لا يهتم بمحاسبتهم عليها أحد.

فتحول مع السنين بروتوكولات حكماء صهيون الى دفاع يصب في مصلحة الصهيونية لا هجوما عليها.

ما يحاول الكاتب تقديمه بالدراسة هو عملية “تفكيك وتركيب من اجل صياغة نموذجا تفسيريا أكثر تركيبية من خلال فصل الوقائع والتفاصيل التي تستخدمها النماذج الاختزالية (التآمرية او الصهيونية). ومن ثم وضع الوقائع والتفاصيل في سياقها التاريخي والاجتماعي والإنساني. ثم ربط الأجزاء والتفاصيل والحقائق بالكليات التاريخية والاجتماعية، ثم اظهار عجز النموذج الاختزالي عن تفسير كثير من المتغيرات وعناصر الواقع، والبرهنة على مقدرة النموذجة المركب على انجاز ما عجز عنه النموذج الاختزالي.

باختصار، الكتاب عبارة عن فكفكة الفكرة او النموذج الاختزالي الذي اتسم بالجمعيات السرية وربطها باليهودية.

وعليه قام بسرد تاريخي عن كل من الجماعات المذكورة أعلاه وذكر علاقة اليهود فيها منذ نشأتها. فيقودنا الى بعض الاضاءات في الهوية اليهودية وأزمة الدولة اليهودية، يمشي بمضارب التاريخ بين اختزال وتفكيك للقصص التي بنت عليها الصهيونية اساطير احقيتها في فلسطين، ويستخدم قصة مسادا كمثال.

الكاتب يضرب فكرة نظرية المؤامرة، يمكن اعتباره على نقيض ما اتى به كتاب احجار على رقعة الشطرنج. هنا نرى معلومات صحيحة وعلمية وتاريخية من قبل باحثين، ولكن أحدهما يستخدم المعلومة لتأكيد نظرية المؤامرة، والأخر يستخدم المعلومات لدحضها.

ما ارداه عبد الوهاب المسيري بهذا العمل الهام، هو فصل “اليهودية” عن “الصهيونية” أولا، فليس كل يهودي صهيوني. وثانيا، أراد ان يوضح ان الصهيونية استخدمت نظريات المؤامرة التي صنعت من الصهيونية اليهودية قوة لا تقهر. وهو هنا أراد ان يبدد هذه القوة عن طريق تفكيك النموذج الاختزالي للصهيونية وارتباطها بالحركات السرية العالمية كمثال.

يقول:

“ينسب هذا النموذج الى اليهود قوة عجائبية ويجعل منهم ظاهرة خرافية من المستحيل ضربها وإلحاق الهزيمة بها. ولذا بالصهاينة يروجون للنموذج التآمري اذ ان صالحهم تفخيم دور اليهود عبر التاريخ والمبالغة في مقدرات الدولة الصهيونية في كل المجالات، فهذا يكسبهم شرعية غير عادية (في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية)، ويؤدي شيوع هذا النموذج الى بث الرعب في قلوب العرب، ويجب ان نتذكر ان كثيرا من الدول الكبرى تبنى أسلحة ولا تستخدمها لمجرد ان تبث الرعب في قلب اعدائها. بل انها أحيانا تلوح بمقدرتها على انتاج سلاح ما دون ان تفعل لتدعم موقفها التفاوضي. واصطلاح “توازن الرعب” يعني ان توليد الرعب في قلب العدو هو أحد الأهداف الأساسية في الحروب ومسألة يحسب حسابها، والفرضية التآمرية تنجز هذا بالنسبة للصهاينة دون جهد من جانبهم. “

قد تكون أحيانا كثيرة بالنسبة للقارئ الفلسطيني تحديدا والقارئ العربي بالعموم، صعوبة بأنسنة الصهيوني وعليه يصبح كل اليهود صهاينة وحوش في قوالب منظمات سرية لا يعرف عنها الا قلة. وأحيانا ننساق في مواقفنا الاختزالية كذلك، بالمقابل، المؤامرة ضدنا كشعب لم تكن كذبة. ولكن في محاولة فكفكة ما جرى وفهم الأمور بسياقاتها المتعددة والمختلفة ووضعها في نصابها الفلسطيني، نستطيع ان نرى بوضوح أكثر. وكما يصف المسيري “ان تبني النماذج الاختزالية هو تعبير عن كسل عقلي، ولكنها في الوقت ذاته تزيد من هذا الكسل اذ انها تزود العقل بالإجابات الواحدية الجاهزة الى ان يصاب العقل بالشلل ونصبح موضوعيين متلقين لكل ما يأتينا من حقائق صلبة دون تساؤل او ابداع.”

البحث الحقيقي التفكيكي بتاريخ اليهود من شأنه ان يجعلنا أقرب لفهم ما جرى معنا كفلسطينيين وعرب. بينما استطاع الإسرائيليون اليوم الى جرنا لمربع تاريخي ديني اخترعته في معظمه الحركة الصهيونية وعممته. ونكرر ما يصب في مصلحتهم وخدمتهم من سيطرتهم على الحركات السرية وشيطنتها، وسيطرة اليهود على الاعلام ونفوذ اللوبي الصهيوني في أمريكا، وكره الأوروبي التاريخي لليهود وظلمه، الخ. صرنا نكرر ما صاغوه من تاريخ مفبرك وخضعنا طوعا لتلك الأكاذيب واختزلناها بصياغتها الجديدة، فأعطيناهم حجما أكبر من حجمهم، ونصبناهم ملوكا على رقعة شطرنج اكتفينا ان نكون فيها مجرد متفرجين على لعبة لا نعرف قواعدها وننتظر بفارغ الصبر والحماس ان يموت الملك فننتصر للعبة.

فالعقل العربي يبقى “مشغولا بحشد الحقائق دون الانشغال بطريقة التوصل للحقيقة من خلال تناول الحقائق – بل وأصبح كل ما ينشر حقيقة. ولذل يقوم الاعلام العربي بحشد الحقائق والاخبار التي توردها وكالات الانباء العالمية دون تحليل او اختبار. ولا يختلف الامر كثيرا بالنسبة للنظام التعليمي العربي فهو لا يزال مشغولا بحشد الحقائق في الكتب المدرسية دون تدريب الطلبة على كيفية الحصول على الحقائق وكيفية ربطها بغيرها من الحقائق، وصياغة النماذج التفسيرية واختبارها.”

Leave a Reply