ماري وولستونكرافت- رائدة النسوية الأولى

ماري وولستونكرافت

رائدة النسوية الأولى  

في خضم انغماسي بقراءة جان جاك روسو وكتابه اميل، الذي تكلم فيه بإسهاب عظيم عن التربية، وجدت فيلسوفة و مفكرة معاصرة لروسو تدعى ماري وولستونكرافت، كتبت في معرض رد ونقد لجان جاك روسو على كتابه “اميل”، كتابا بنفس الحجم ربما من الصفحات والقيمة يدعى في ” الدفاع عن حقوق المرأة”. أطلقت النار وشنت حربا لاذعة على روسو التي كانت تكنّ له بلا أدنى شك عظيم التقدير، الا انها رأت في “اميل” عملا تتحكم فيه ذكورية البنى التي يتحكم فيها الحضارات والتي بسببها تنهار المنظومة المجتمعية. فتلوم ماري كاتب اميل بتركيزه على تربية الذكور في كتابه المهم، وتقوم برد على طريقتها بهذا الكتاب، الذي تضع فيه ربما ما تركه روسو، وتركز من خلاله على تربية الاناث. 

ذكرتني وولستونكرافت بابن رشد وكتابه تهافت التهافت في معرض رده على الغزالي وكتاب تهافت الفلاسفة. ما جرى بين وولستونكرافت وردها على جان جاك روسو كان في القرن الثامن عشر. فتعتبر وولستونكرافت من رائدات الحركة النسائية بلا أي شك بالإضافة الى كونها فيلسوفة. 

ولدت ماري وولستونكرافت في لندن سنة ١٧٥٩ وتوفيت سنة ١٧٩٧. تعتبرها الحركة النسوية مؤسسة للفكر النسوي في موجاته المختلفة التي ازدهرت في بدايات واواسط القون العشرين. واعتبار وولستونكرافت مؤسسة للحركة النسوية ليس فقط دعاية او مبالغة، لان ما قدمته في الدفاع عن المرأة وحقوقها كان غير مسبوقا، وجرأتها في تحدي عالم الفلاسفة الذكور وفكرهم والرد عليهم لا يزال كذلك غير مسبوق في جرأته وعمقه. بنت وولستونكرافت دفاعها عن المرأة بكونها مستقلة بكينونتها ولم تسع لتأخذ مكان الرجل ولكن اتاحة الفرصة للمرأة لتكون انسانا مستقلا له وجوده في الكون كما الرجل. اعتقدت بوجود المرأة الذي اعطته لها الطبيعة حقا لها تمتد من خلاله حريتها.

وهنا اكدت انها تريد للمرأة ان تكون قوية ومستقلة لتكون حرة وليس لكي تستقوي على الرجل. ارادت للمرأة ان تكون قوية من اجل نفسها وليس من اجل الاستقواء على الرجل وعلى غيرها. وعليه رأت ان المشكلة هي بالتعليم. 

تقول: ” إن أخطاء النساء راجعة كلها – تقريبا – إلى إنكار حق المرأة في تعليم مساوٍ لتعليم الرجل، وإلى نجاح الرجل في اقناع المرأة بأنها لُعبة جنسية قبل الزواج وحِلية للزينة وخادمة مطيعة وآلة للإنجاب بعد الزواج. ولكي نُعطي الجنسين فرصاً متساوية لتنمية عقولهم وأجسادهم لا بُد أن يتعلم الأولاد والبنات معاً (حتى مرحلة الإعداد للوظيفة أو المهنة) وأن يتلقوا المناهج الدراسية نفسها، بل وأن يشتركوا في الألعاب الرياضية نفسها، في حالة إمكانية ذلك. ولابد أن تجعل كل امرأة من نفسها إنسانة قوية البدن وذات كفاءة عقلية لتتمكن من كسب عيشها بنفسها عند الضرورة… وعلى أية حال فعاجلاً أو آجلاً ستلعب الوظائف البيولوجية والفروق الفسيولوجية بين الجنسين دورها. إن قيام المرأة بدورها كأم مفيد لصحتها، وقد يؤدي ما ذكرنا آنفاً إلى أن تصبح الأسر أقل عدداً وأقوى صحّة … إن تحرير المرأة بشكل مثالي يعني اتحاداً – على قدم المساواة – بين أم متعلمة وزوج متعلم.”).

ما لفت انتباهي خلال قراءتي والتي قد تكون بلا شك مكرسة لاستنباط ما ابحث عنه لأغراض بحثية امرا اظنه في غاية الأهمية. في وصف وولستونكرافت للمرأة وتصرفاتها ونقدها. كذلك في معرض رفضها لطرق التعليم ودعوتها لأساليب جديدة من حيث الاختلاط بالمدارس لتنشئة أفضل للذكور والاناث، تجعل الذكر فيها رفيقا للمرأة لا سيدا. يقدر فيها عقلها لا ينتظر تقارب مصالحة تعدها العائلات. وكذلك التركيز على مراد التعليم المهمة والاقل أهمية، والمساحات في الغرف الصفية وغيرها. فكرت كيف نعيش اليوم في مجتمعنا هذا بتلك العقلية التي كانت تحاربها وولستونكرافت قبل ٣٠٠ سنة. تحكم الرجل بالمرأة من حيث الميراث، وخضوع المرأة لأبيها ثم لأخيها وإذا ما كانت محظوظة لزوجها. دور الزوجة في الجفاء والحقد، ومن ثم فكرة تحول الخاضع اما الى عبد او دكتاتور في وصفها لتصرفات المرأة في المجتمعات الراقية. 

فكرت كيف جاءتنا المدارس في بدايات القرن العشرين على اشكال مختلفة، ولكنها تصب في محور واحد مع الحملات التبشيرية، لتكرس تحديدا ما كانت ترفضه وولستونكرافت من تداعيات التخلف الذي دب بأوروبا. 

كيف استوردنا ما تخلص منه الغرب خلال ثلاثة قرون لنكرسه في تربيتنا. 

الأفكار التي كانت تحاربها وولستونكرافت هي نفسها التي نعيشها اليوم. 

وولستونكرافت كانت بلا شك استثنائية. كانت متحررة، ثورية، ندا لعظماء معاصريها. ولكن لفتني في خضم ثورتنا ضد الذكورية تحميل ذنب التحكم بالمرأة الى “محمد”، وبالإشارة الى الخنوع كانت تصف المرأة\ة الشرقية بالأميرة الخاضعة، متناسية تماما الحضارة الذكورية التي ورثتها أوروبا وكرست لها خلال قرون من بطريركية الكنيسة التي شوهت صورة المرأة كما شوهت صورة كل من خرج عن الصندوق الذي اعدت وشكلت حدوده الكنيسة، وصولا لزمنها الذي كان ضحيته روسو الذي حارب طريقة الكنيسة في اعداد الانسان والتحكم به، او بالأحرى التحكم بعلاقة الانسان بالله. 

استغرب كيف نعيش اليوم الأفكار التي كانت تحاربها وولستونكرافت بالأمس، ونسميها اليوم بانها مخلفات دينية او شرعية خاصة بديننا، بينما تبدو في تفاصيلها من خلقات العصور الوسطى الأوروبية فبيل عصر النهضة. 

من انحياز القانون للرجل إلى قانون حق الابن البكر في ميراث أبيه، وحق الأب في وقف ممتلكاته على نسله أو أقاربه من الذكور، وذكرت أن الأعراف والعادات أشد قسوة على المرأة من القوانين فهي تُدين – وتُعاقب – المرأة للحظة واحدة فقدت فيها طهارتها، رغم أن الرجال يظلّون محترمين بينما هم منغمسون في الرذيلة.

وصفها للمرأة في حينها تشبه المرأة اليوم في مجتمعنا 

وراحت المؤلفة في كتابها تعدّد أخطاء النساء في زمانها: نزوعها إلى الضعف والجبن مما يغذي دعوى الرجل في التفوق والسيطرة ويُسعده، وإدمان لعب الورق والثرثرة والقيل والقال والتنجيم والتأثر العاطفي والتفاهة والاهتمام الزائد بالملبس والغرور. الطبيعة والموسيقا والشعر والكياسة، كل ذلك يميل إلى جعل النساء مخلوقات للإحساس.. وهذا الإحساس أو الشعور إذا ما زاد عن حده أضعف – بشكل طبيعي – قوى النفس الأخرى ومنع الفكر من الوصول إلى المرتبة التي يجب أن يشغلها… لأن التدرّب على الفهم والاستيعاب – كما تشير لنا الحياة – هو الطريق الوحيد الذي قدّمته لنا الطبيعة لتهدئة عواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا الجنسية.

وربما كما اليوم يتم بناء الإسلام على ما جاء به الغزالي وابن تيمية، لا بد ان هذه المرأة قد تعلمت عن الإسلام من خلال هؤلاء.

كانت وولستونكرافت بلا شك تحررية، ولكنها في محاولتها الرد على روسو ربما في استرضاء ما لرئيس الأساقفة الذي خاطبتها بمعرض اقتراحه للتعليم الأساسي للمرأة. ولكن بأقل حدية او مواجهة كما فعل روسو، حيث طالبت في كتابها اعلان حقوق المرأة كجزء من اعلان حقوق الانسان.، كانت هي نفسها تحاول الترويج لأفكار روسو بإعادة أصول التربية الى الطبيعة. الا انها اختلفت معه ووجدت مجالا للندية في حياديته بموضوع المرأة ووصفه لصوفي- المرأة التي يلتقيها اميل بكاتبه بالفصل الأخير وتشكل أبهى صور الانثىبنظره. ه. 

ماري وولستونكرافت، كغيرها من الكثير من النساء اللامعات على مر العصور، اشتهرت بعد موتها بالتركيز أكثر على حياتها الخاصة وعلاقاتها أكثر من التركيز على أهمية اعمالها، ولكنها مع هذا بقيت علامة أساسية في عالم النسوية.

تذكرت مي زيادة بينما كنت اقرأ هذا الكتاب المهم. ما قدمته مي زيادة من اعمال عظيمة لا نعرف عنها بإسهاب الا صالون مي وعلاقتها بجبران خليل جبران.

Leave a Reply