gender نسويات, مقالات ادبية

اميل” جان جاك روسو وثورة بالتربية لم تشتعل بعد”

في مقال سابق كتبت عن “هواجس المتفرد بنفسه”، للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو. في خضم قراءتي عن الفيلسوف الكبير تحدّيت نفسي ربما، او هكذا فكرت، بالغوص في اعماله. كان من السهل قراءة “العقد الاجتماعي” ومقالاته المهمة عن المساواة. و”الاعترافات” كما “هواجس الرجل المتفرد بنفسه”، لا تزال تشكل جرأة وشفافية غير مسبوقة في كتابة المذكرات او السير الذاتية. ولكن قراءة “اميل” كانت تختلف عن كل ما عرفته من قراءات. كيف يمكن ان يشدك عمل بهذه الضخامة وهذا الزخم بالمعلومات بمتعة وعطش لا يسده الا المزيد من جرعات الكتاب بأجزائه الخمسة. الجواب لهذه الكيف يكون بكتابة لعمل قدمه مفكر فيلسوف مفعم بالإنسانية. هذا هو الاستثنائي بطريقة قلّ ما نجدها بمكان واحد بهذا الزخم من كل شيء. 

مما لا شك فيه ان روسو تأثر بالكثير من عظماء التاريخ، من افلطون لأرسطو، ومن ابن رشد لابن خلدون (ربما). وكانت درايته بالأديان من الانجيل للقرآن جلية.

 ولأن “اميل” هو الانسان الذي انشأه روسو بمخيلته ليقدمه للكون. يبدأ الكتاب بمولد “اميل” وقدومه للحياة وينتهي بصوفي وعلاقتهما كنتيجة حتمية. ليؤكد على الرغم من إمكانيات القراءة النقدية في تركه لتربية الانثى وتركيزه على الذكر انه: “ويلٌ للعصر الذي يَفقد النساءُ فيه نفوذَهن، فلا يكون لأحكامهن عملٌ في الرجال! وهذه هي آخرُ درجةٍ من الانحطاط، وقد أكرمَتِ النساءَ جميعُ الشعوبِ التي كانت على شيءٍ من الأخلاق، وانظُروا إلى إسبارطة، وانظروا إلى الجِرمان، وانظروا إلى رومة، إلى رومة التي كانت مقرَّ المجد والفضيلة، لترَوْا ما كان لهن عند هذه الأمم من مقام. وفي روما كان النساءُ يُشِدْن بمفاخرِ أكابرِ القُوَّاد، وكن يبكين آباءَ الوطن جهْرًا، وكانت نذورهن أو حِداداتُهن الموقوفة عليهم أعظمَ ما في الجمهورية من حُكْمٍ احتفالي، وكانت جميعُ الثَّورات الكبيرة تَصدُر عن النساء، ومن ذلك أن نالت رومةُ الحريَّةَ بفضل امرأة، وأن نال العوامُّ القنصليةَ بفضل امرأة، وأن انتهى استبداد الحكام العشرة بفضل امرأة، وأن أَنْقَذَ النساءُ روما المحاصَرَة من يدِ طليلٍ. ويا أيها الفرنسيون من ذوي الشهامة، ماذا كنتم تقولون عندما ترَوْن مرورَ هذا المَوْكِبِ المثيرِ للضحك كثيرًا في أعْينِكم الساخرة؟ كنتم تقابلونه بصرخات الهزوء. ويا لاختلافنا في النظر إلى عينِ الأشياء! ومن المحتمل أن يكون الحقُّ بجانبي وجانبكم، وألِّفوا هذا الموكِب من حِسَانِ الفرنسيات تجدوني لا أعْرِف ما هو أكثرُ حشمةً منه، ولكنكم إذا ما ألَّفْتموه من رومانياتٍ كانت لكم كلكم عيونُ الفُولْسك وقلبُ كُورْيولان.”

لا اشك ان نظرتي للامر قد تقد مضاجع النسويات، فبناهية الامر روسو كان مفكرا ذكوريا يرى بالرجل افضلية بالخلق من الأساس. ورأى كابن تيمية بانه لا داعي لهدر الوقت بتعليم المرأة لأن عقلها لا يتسع للكثير من استيعاب المعلومات والمعرفة لانه هذا امرا خلقت فيه. 

عجيب كيف يتفق الرجال على الرغم من اختلاف أماكن وزمانهم وخلفياتهم الثقافية والايديولوجية عندما يكون الموضوع خاص بالمرأة. فمهما كان الرجل المفكر قريبا من المساواة ومؤمنا بوجوب إعطاء المرأة فرصة لأن المجتمع السليم يحتاج الى امرأة سليمة، كما فكر من قبل افلاطون وابن رشد وروسو على نفس الطريق، او كان على غرار ارسطو والغزالي وابن تيمية ولوك مؤمنين بسطوة الجنس الذكري بالخليقة على جنس الانثى فلا تساوي بالخلق أساسا، حيث روح الرجل اكثر اصطفاء عند الأكثر تعصبا واقل مقدرة عند الأقل تعصبا. 

ولكن في “اميل” هناك فرصة للتعقل ربما، فبين البداية والنهاية هي بدء الخلق ونهاية الانسان، وفيما بينهما تنشئة الطفل بما يقربه من الطبيعة بالتربية. أي ان التربية مبنية على الطبيعة. 

في “اميل” قام روسو بوضع تفاصيل مراحل التربية لنمو الانسان منذ ان يخلق. ويتكلم بشرح مستفيض عن طور نمو الانسان على الصعيد الجسدي والعقلي.  كتاب إميل يعد مصدرا أساسيا في الفكر التربوي وصيحة جريئة، وثورة مستمرة منذ زمنه الذي حارب حينه انحلال الاخلاق وبسط نفوذ الكنيسة وصايتها على المجتمع، كما هو الحال في أيامنا بعد قرون من بسط وصاية الديانات باختلافاتها وأماكن تواجدها على المجتمعات. كما يعتبر الكتاب اسهام حقيقي في ترسيخ دعائم الحرية من خلال عملية التحليل. حيث رأى ان مسألة فساد الأخلاق داخل المجتمع لها تأصيلا في التربية. فيعتبر ان الأسلوب الذي يعتمد على الحفظ والاستظهار لأفكار بالية فاسدة، تجعل من الطفل آلة طيعة في مجتمع منحل وتهبط بمستوى قدراته إلى الحضيض. في مقابل ذلك يقترح أن يكون التعليم بمثابة تجربة سعيدة في حياة الطفل، تنمي قدراته وتعتني بصحته وخلقه وذكائه وقدرته على الخلق والإبداع والابتكار

يعتبر روسو ان الفطرة الإنسانية هي ركيزة التنشئة السليمة.

 فالإنسان يخلق مع فطرة وإرادة. وارادته تجعله يعرف ويتعلم. وكل ما دون هذا هو تشويه للخلق الأساسي لما يجب ان يكون عليه الإنسان. 

اميل هو الطفل الذي سيكون روسو معلمه ومرافقه في مختلف تطورات نشأته التي يصر روسو على ان يجعلها طبيعي\ بقدر ما هو ممكن.

ركيزة التربية التي يتبعها روسو مع اميل تعتمد على تعزيز التجربة لترسيخ المعلومة ومعرفة جدوى العلم عن طريق الاستكشاف العملي 

والبحث عن الحاجة للاستخدام وجدواها، في دعوة غير منقطعة للتأمل في الطبيعة والتفكير عوضا عن القراءة. 

الكتاب الوحيد الذي يرشحه روسو لأميل في سنوات طفولته الأولى هو روبنسون كروزو، لأنه سيحث الطفل على الاستكشاف والبحث عن حاجاته والتأمل بمحيطه ويقوي من ارادته. 

ذكرني اميل بمحاولة روسو بجعله روبنسون كروزو الصغير بحي بن يقظان الذي طالما حاول الفلاسفة العرب المسلمين من قبله احيائه من ابن سيناء الى بن النفيس. 

ولكن قبل الذهاب مع اميل من خلال روسو الى طرقات حياته بينما يكبر، لا يمكن الا التساؤل مرة تلو المرة عن روسو الذي اعترف بمذكراته انه كان له من الأبناء خمسة، وضعهم جميعهم في بيوت رعاية اللقطاء. فهل كان اميل تعويضا لروسو عن ابوته التي تركها خمس مرات؟ 

بين تأكيد وتشكيك لاعتراف روسو بوجود خمس أبناء له، يبقى التساؤل مرافقا للقارئ. فهل كتب روسو اميل ليكفر عن فعله برمي أبنائه؟ ام ان الأبناء كانوا من صنع مخيلته التي كانت بحاجة لإثارة بهذا القدر لكي تشعل مكامن الفكر لتنتج اميل؟ 

اميل يأتي في خمسة أجزاء ترافق القارئ بحياة اميل وينهيها بالجزء الأخير بصوفية. وقد يكون الجزء الخاص بصوفية مربك بقدر الارباك الذي يصيب القارئ بينما يحاول فهم سبر عقل روسو وهواجسه. فكما علاقته بالأبناء وتقديمه هذا العمل التربوي الثوري بكل المفاهيم، تكمن علاقته بالمرأة ونظرته لها. قد يكون أقرب الى افلطون بنظرته للمرأة من ارسطو. فتراه كالسهل الممتنع، يقدرها ويجلها ويقدمها كانسان خالص لا يكمل الرجل فقط، ولكن وجودها كوجوده موجود من اجل اكمال دورة الحياة في أحسن صورها. لكل دوره ومكامن قوته وضعفه، وتفوقه على الاخر والعكس. ولكن لا يخفى عن القارئ نظرته التي تشوبها صفة الخيانة للمرأة والتي اخذت حيزا لا بأس به في علاقة اميل مع صوفية. 

من المهم فهم حياة روسو وشخصيته من اجل قراءته، لان كتاباته شخصية مهما امتلأت بالفكر والعلوم. واميل هكذا، مزيج من حياته الخاصة التي تعلم من اخطائها وتأملها في كتابه، وتجسيد لأفكاره بالعقد الاجتماعي ومقالاته بالمساواة وغيرها.   

ولكن، كما وجب التنويه، يجب التأكيد ان اميل ليس بالكتاب العادي. فعلى مدار أكثر من خمسين ساعة من القراءة لم تفارقني للحظة الدهشة والاستمتاع والاستفادة. ولم ابرح التساؤل في كل مرة، كيف لا يدرس اميل بالمدارس والجامعات ولا يرافق الأمهات والاباء والمعلمين والتربويين على مدار تغيرات حياتهم؟ 

هل يمكن ان يكون السبب بكل بساطة ان أفكار روسو بإميل على الرغم من انها قد تبدو للوهلة الأولى ككتب ” كيف تربي ابنك” هي بالحقيقة أفكار تؤسس لثورة على كل ما نعرفه من تحكم البشر ببعضها البعض من اجل الحفاظ على استهلاكية وسيطرة ممنهجة تجعل المرء يعتمد اعتمادا كليا على اخر، يبدأ هذا الاخر باعتماد الطفل على امه وابيه، ويستمر مع كل خطوة يأخذه نحو الحياة بالاعتماد على كتاب او مدرسة او معلم او دين او قبيلة او دولة، بينما يخلق الانسان ليكون ابن الطبيعة التي تنتجه. 

يبني روسو فكره في التنشئة الإنسانية على امرين، الفطرة والإرادة. الفطرة هي التي تجعل الانسان يبحث ويكتشف والإرادة هي التي تجعله يؤمن ويقرر ويسعى. من هنا يأتي يقينه بوجود الله، فلا يهم ان تثبت له ان الله موجود. هو يعرف ان الله موجود، لان فطرته وارادته قادتاه الى هذا اليقين. هكذا يبني الانسان باحتضان فطرته التي اعطته له الطبيعة لان الطبيعة هي خير للإنسان، وكل شيء بالطبيعة خلق الله جميل الى ان تمسه يد الانسان. فالطبيعة هي المعلم الرئيسي للإنسان. من خلالها يستطيع الطفل ان ينمي حواسه ويكتشف محيطه ويعي احتياجاته ليكبر قليلا ويبدأ البحث متأملا بالأسباب ويضع امام نفسه الأسئلة المتعلقة بالدين والوجود. وبين تربية إيجابية وسلبية تكمن التربية التي يريدها روسو لإميل. فالتربية هدفها بالنسبة له هي التنمية الكاملة للفرد وليس فقط اعداده ليكون مواطنا صالحا او مهنيا ما. “علينا أن نختار بين صنع إنسان وصنع مواطن لأنه من غير الممكن صنعهما في الوقت نفسه”.

قام روسو بهذا الكتاب بوضع والتقاط المفاصل المهمة والمختلفة بأبعادها البسيطة والعميقة بالتربية، بالإضافة الى الخوض بالقضايا والاشكالات المهمة التي تثيرها التربية في علاقتها بالمجتمع والثقافة والسياسة كنتيجة حتمية ممنهجة لحياة الفرد. فيحملنا روسو بينما يمسك بيد اميل في دروب تربيته الى ازمنة مختلفة تتأثر بها التربية وتؤثر عليها بتصورات وأفكار نقدية كانت ولا تزال تشكل محاور مهمة وبنيوية في معضلات التربية التي موست علينا ونمارسها. وقد يبدو من العجب ربما، ان تكون أفكار روسو هذه التي كتبها في القرن الثامن عشر، لا تزال فاعلة ويطالب أصحاب الفكر الحر تطبيقاه او الاحرى يتمنوا لو تطبق في مجتمعات اليوم. 

ان نتخيل ان أفكارا عمرها تجاوز ال٤٠٠ سنة تشكل اليوم مطلبا او تمنيا لمن يحاول ان يربي ابنه او يأمل في مجتمع أقرب الى انسانيته والطبيعة، متحررا من أعباء الاعراف المتوارثة بأشكالها المختلفة والمعقدة. 

“ولد الإنسان حرا وهو في كل مكان مكبل بالأغلال” أصبحت هذه العبارة شعار قرن بأكمله- قرن التنوير- واليوم تزداد هذه العبارة قيمة بينما نرى ثورة أخيرة تتمثل بما نشهده في أمريكا بهذه الاثناء كمثال.

.

Advertisements

Leave a Reply