Monthly Archives: July 2020

كيف يمكن ان نصف مشاهد العنف والاجرام والشراسة في حق العجول بفيديو غزة؟ 

يعجز اللسان عن وصف بشاعة المشهد. كما يعجز العقل على الاستسلام بأن بشاعة البشر لا حد لها. ولكن عن أي بشر نتحدث؟ 

ما الذي يجري بمجتمعنا؟ متى وصلنا الى هذا القدر من الانحطاط والاجرام؟ 

اليوم عجول يتم قتلها ببشاعة، وبالأمس والغد سنسمع عن ضحية جديدة، قد تكون امرأة او صبية او طفل او رجل او ما طاب لمجتمع متعطش للدماء من السفك. 

لا يوجد ما يمكن قوله عن بشاعة واجرام ما جرى من ذبح وسفك وفتك بعجول من المفترض ان يكونوا اضحية العيد. 

ولكن متى نسى البشر من هؤلاء ان حتى للأضاحي حرمة واخلاقيات. 

كيف يتغنى أبناء هذا الشعب بأخلاق دينه وسماحته حتى مع الحيوانات، ويقبل البعض ان يمارسوا هكذا أفعال مشينة. ضد الإنسانية قبل ان تكون ضد الحيوانات. 

كيف وصلنا الى هنا؟ 

هل الجوع يجعل من الانسان وحش مفترس؟

هل هؤلاء جياع ام وحوش بشرية متعطشة الى الدماء؟ 

هل يجعل الظلم من المظلوم وحشا مختبئا متربصا ليكون هو ظلمات من هو أضعف متى سمحت له الفرصة بذلك؟

لا اريد ان أكون سكينا يضرب في صدر هذا الشعب الذي طالما عاش كضحية ولا يزال. ولكن ما يحدث من عنف قد تكون الصور التي شاهدناها بالاستقواء على اضحية والتمتع بدمها وشربه او مسح الوجوه به، وسن السكاكين والهرولة للطعن لكل من استطاع الى جسد العجل سبيلا، وهذه الهرولة المتوحشة والتسابق ليكون المشاركين جزء من قتل ذبيحة، يؤكد على ان مصابنا جلل. 

لا اعرف لمن يكون ندائي هذا…

كيف وصل بنا المصاب ليكون علم فلسطين على جبهة تتفاخر بالاستقواء على أضحية؟ فما الذي فعلته هذه السلطات المتسلطة على هذا الشعب بنا لنتحول الى وحوش متعطشة لسفك الدماء؟ 

لم يبق لنا الا رحمة الله ورأفته بنا…. 

استغفرك يا إلهي، فلا يمكن ان يكون هؤلاء هم من يمثلون شريعتك. 

هرطقات جوله في الوطنيه

بالنسبه لموضوع المقاطعه :
تداول البعض موضوع المحلات التجاريه التي تنتظر انتهاء المخزون من البضائع الاسراييليه حتى البدء بالمقاطعه .
والسؤال الذس يطرح نفسه هو ، كل الاحترام وكثر خيرهم . ولكن من المفروض ان يشتري البضائع الاسرائيليه المكدسه بالمحلات ؟ اليس هو المواطن نفسه ؟
الا يرى بعد صاحب المحل ما الذي يفعلونه الاوروبيون والاتراك بالبضائع الاسرائيلىه ؟
موضوع اخر اثارني ايضا ، بالنشبه للستيكرز التي تم وضعها على المنتجات الاسرائيليه . الفكره حلوه كثير ، ولكن الم يحن الوقت بعد لدراسه الامور قبل وضعها ؟ هل يظن البعض ان الضريبه هي ما يذهب للجيش؟ اليس معلوما لابناء شعبنا الذين اختاروا ان يعيشوا في فقاعه لسنوات بان الناتج القومي الاسرائيلي يعود بنسبه معينه فيه تخصيصا للجيش؟ الا يعلم المواطن الفلسطيني ان الشركات الاسرائيليه طوعا وقهرا تخصص من ريع بيعها مباشره للجيش؟
ما اقوله ليس في سبيا اللو م ، فالاحداث تتزايد ، ولا بد من الاشاده للحس الوطني الذي عاد ليشتعل ، ولكن ، اعود اوشدد على اننا شعب بحاجه الى اعاده تأهيل . فمع الاسف الشديد ما حصل بين العشرين عاما الماضيه عمليه مسح لمفهوم الهويه الفلسطينيه من فحواها ومضمونها .
ربما عمليه النقض الحاليه مهمه ، لان الشعب اصبح اكثر وعيا لما يحيطه . مثل موضوع التي شيرتس المصنوعه باسرائيل .
ولكن حان الوقت ان نستعد لدفع الثمن من خسائر ماليه . فما يجري في غزه سيجري غدا في رام الله والقدس والخليل وجنين وكل انحاء فلسطين . اسرائيل تتصرف بعدوانيه ونقمه ولن تترك فلسطيني تستطيع ان تتخلص منه باي طريقه .
علينا ان نستفيق من حاله السبات التي كبلتنا لاكثر من عقد من الزمن .
علينا ان نرجع لكتب المقاومه ، لادوارد سعيد ، لابو اللغد ، لاميل حبيبي …علينا ان نرجع بشعورنا وكياننا لاسترجاع هويتنا التي كنا شركاء في منهجه طمثها …
الدمار بغزه سيطولنا … المت بغزه قد يطولنا ايضا… ولكننا لسنا كغزه .. فلا زلنا نحسب مرابحنا وخسائرنا ..
علينا ان ننتفض على خنوعنا وهواننا وسباتنا الغبي
علينا ان نبدأ باعاده تنظيف نفوسنا وبيوتنا من الاحتلال …

في خضم كل المجريات لابد وان الكثير منا يتساءل ماذا بعد.
قد يكون من اسوأ مخرجات اوسلو هو فقداننا للبوصله . تحديد هدفنا كشعب .
في خلال عشرين عام من انشاء السلطه ذهب جل اهتمامنا الى رؤيه المشروع الوطني الفلسطيني من خلال بناء مؤسسات وطنيه .وفي ظل معطيات كثيره نتحمل نحن كشعب مسؤوليه كبيره فيها ، ضاع مشروعنا الوطني الاكبر. مشروع القضيه الفلسطينيه الذي اضمحل بوعي احيانا وبلا وعي احيانا اخرى الى اسم تآكل معنويا وجغرافيا.
وبينما نشهد اليوم كشعب ، حاول الاحتلال منذ الانسحاب من غزه ان يفتته ونجح الانقسام بتجسيده بانه لا يوجد فرق بين فلسطيني واخر …فكل الدم الفلسطيني مهدور في فكره الصهيوني الاجرامي .
قد تكون المأساه الحاليه موحده لاوجاعنا ، فالدم المتدفق عبر الشاشات لضحايا العدوان الغاشم على اطفالنا ونسائنا وشبابنا وشيوخنا انطق حتى الحجر. فالظلم اغشى بظلاله على حتى الد الخصوم
ولكن ماذا بعد،
ولقد حزنا وتعاطفنا وانفطرت قلوبنا ..وتدافقنا شجبا ولوما ..وخرجنا الى الشوارع منددين ومتظاهرين ، وتدافعنا في حملات انسانيه كل على حسب امكانياته
ماذا بعد…وقد يستمر العدوان في شد وطأه طغيانه ، وقد ينكسر وينسحب بقدره قادر..
ما علمته لنا هذه التجربه العصيبه بان الدول العربيه لا يعول عليها . ليس هذا فقط ، بل هم شركاء بالعدوان . فدور مصر بدا جليا ، وكذلك الدور السعودي . فما بدأ بحملات اعلاميه طائشه اصبح واضحا بانه يحمل في طيه نهجا حكوميا . فاسرائيل تتباهى من جهه بالدور المصري بالمساعده من جانبه بهدم الانفاق ، السعوديه لا تفكأ عن اصدار الفتاوي في حق المقاومه ودعما للعدوان الصهيوني . والباقي من الدول وضعها اخفى . ودور السلطه ممثله بابو مازن لا يزال في وضع التأرجح بين لعب بالخفاء مع محور العدوان المتمثل باسرائيل امريكا ومصر والسعوديه من جهه وبين قوه المقاومه بانجازاتها على الارض من الجهه الاخرى
قد يكون من المؤسف بان شده بأس المحتل هو المحرك لما يجري من رده فعل على الارض في الضفه الغربيه والقدس ، وليس قرار قيادي بالتحرك نحو النضال الشعبي.
فاستمرار اسرائيل باستباحه الدم الفلسطيني والقمع واستهداف الشباب اما بالضرب او الحبس او القتل لن يزيد الا بانحدار الامور نحو انفجار سيطول الجميع .
واعيد واكرر السؤال ماذا بعد؟
الم يحن الوقت في ايجاد برنامج وطني نبدأ العمل من خلاله ؟ لا يوجد خلاف اليوم باننا نعيش في زمن اختفت فيه القياده ، فالقدس خاويه على عروشها ، فمفهوم القياده اصلا لم يعد مفهوما . فمن هو القائد ؟ وكيف ممكن ايجاده ؟ وكيف يمكن تأهيله؟
وبعد القائد نقع في مطب السؤال الاكبر والاهم .والذي كان بالاصل سؤالا بديهيا ، الا انه اختفى مع اختفاء معظم المضامين الاصيله .ما هو هدفنا كفلسطينيون ؟ مالذي نريد ان نحققه بالمرحله القادمه . او لربما ما الذي نريد ان نخرج به من خلال ما يجري الان
من المؤسف باننا فعلا فقدنا البوصله . فقدنا المفهوم الحقيقي لهويتنا ، ولكن ربما ان يكون من المجدي ان نبدأ بهذا الحوار . اليوم وبعد اكثر من عشرين عاما على قيام السلطه ، وفي ظل ما حققته وما اخفقت به ، وقياسا بما يجري الان في غزه . ما الذي نريده نحن الفلسطينيون ؟ ما هي فلسطين التي نتحدث عنها . ما هي العلاقه التي نريد ان تربطنا باسرائيل . ما هو بالضبط حل الدوله او الدولتين . نحتاج ان نضع الامور في نصابها . لقد عملنا على مدار عشرين عاما كحقل تجارب لكل من اراد ان يصبح خبيرا استراتيجيا ومحللا سياسيا في هذه المنطقه . فقد تم تناول كل الحلول والامكانيات ، لقد تم بناء تصورات لسيناريوهات حكومات ودويلات وحلول ومدن فاضله ومدن فاسقه ….فلا بد اننا نستطيع ان نجري حوارا مع انفسنا لنحدد فيه خياراتنا كشعب . ولابد من ان نبدا بالسؤال الابسط والمحوري طبعا …ما الذي نريده ؟ ما هو تعريفنا لانفسنا ؟
لن يكون عيبا ان نقول بان مشروعنا الوطني انتهى ونريد الانخراط مع المشروع الصهيوني. فهناك دولا عربيه تصهينت . طبعا هو مش عيب ، ولكنه عار ، ولكن ما هو العار في خضم ما يجري . ربما علينا ان نستسلم ونسلم
ونشتري حياتنا بدل رؤيه الدم المستباح من ابناء شعبنا وندعو لوقف المقاومه ونسلم . ما هو مش معقول ايضا ان نبقى في حاله ضياع يوم سلام ويوم حرب . كل تلك الاموال التي ضخت من اجل السلام تذهب هباءا هكذا …كل مشاريع السلام القائمه ، كيف بدها تتكمل وفي ناشطي سلام قد تم قنصهم في هذا العدوان ؟
. والاسرائيليون من جانبهم تركوا موائد السلام وانضموا لقوافل جيشهم المعتدي النازي
واذا ما اردنا الالتفاف نحو المقاومه . هل نعي ما هي المقاومه . ما هي ادوارنا المختلفه ؟ هل نحن مستعدون لدفع الثمن ؟ للاستغناء عن الحياه الهادئه المرهفه التي منحتنا اياها سنوات اوسلو ؟
وفي كل الاحوال ، ما هو برنامجنا القادم كشعب.
نحن بحاجه لبرنامج واضح نعيش من خلاله ، وليس وصلات لردود فعل . اذا ضرب صاروخ نفكر في المقاطعه واذا ارتفع عدد الضحايا نقاطع واذا حصلت مجزره ننطلق الى الشوارع ،اذا هدأت الامور نرجع للبيوت ونشرب التيبوزينا ونعود للتسوق بالمولات ونكل مشاريع السلام ،واذا انتهى وقف اطلاق النار واقترفت مجزره جديده عدنا ….
لنبدأ من مكان ما …
آي مكان ولكن تحت عنوان واضح …
وخارج من اطار رد الفعل الى الفعل المدروس ولو مرحليا

كيف لنا ان نطلب الحماية لأنفسنا من سلطة تتسلط علينا وتعتقلنا وتنكل بنا وتحرق ممتلكاتنا وتطاردنا؟ اللجوء الى الاحتلال ام اللجوء الى الامبريالية؟ 

في حمى الوضع القائم الذي لم يعد يميزه الا الاحتقان من مجهول مرتقب. اعترف باني لم اعد أجد موضوعا مهما للكتابة. فالمواضيع تتكرر والحال ولا يتغير. أعود مع نفسي لأفكار وهواجس سابقة فأجد انني قد دونتها بمناسبة ما سابقة، اعلنت فيها شعوري نفسه الذي يتكرر ولا يتغير الحال الا الى الاسوأ.

كنت كتبت مقالا بهذه الفقرة قبل سنوات عنوانه ” هل اللجوء الى إسرائيل هو الحل”. كنت أفكر حينها بنفسي. انا ابنة القدس التي تتمتع بظروف تعتبر جيدة، وتتحرك أكثر ولها حصة من هوامش الأمان. ومع ذلك فكرت بالأمر وانا انسانة متمسكة بهويتي الفلسطينية الوطنية التي تشكل كل قطرة دم تجري في عروقي. 

أفكّر كيف آلت الأمور إلى الأسوأ، وتحول ما ظنناه ازعاجا وخطرا مرتقبا الى حقيقة تحيط حياتنا كمن وقع في شرك نار تتسع رقعة انتشارها ولا مفر منها. تحول ما كنا نخشاه الى حقيقة مرة صعبة خطرة. عشنا متسترين تحت ظلم الاحتلال، لنجد أنفسنا مكشوفين امام حرب بشعة نعيشها. حرب كنا نظن اننا لن نعيشها، على الرغم من اننا قبلنا ان يكون الانقسام فاصلا اساسيا لمعيشتنا. فمن يرضى بالعيش بانقسام على مدار أكثر من عقد، تحول فيه الاخوة الى اعداء، من البديهي ان يعيش مغبة الوضع القاتم الحاصل. وضع بينما يستمر الاحتلال فيه بالتوغل والتربص، صار الاقتتال الداخلي سمة حياتنا. فلا مكان لمختلف. مطاردات وقمع واعتقال وتهديد وقتل لمن يخالف الرأي الواحد المثبت على حقيقة واحدة: فساد ودكتاتورية وتطويع استبدادي لرأس المال.

فكما سكوتنا عن الانقسام أخصب الارضية لتفعيل خلايا التفكك الخامدة فيها، كان سكوتنا الذي بدأ عندما مرّرنا مقتل نيفين عواودة التي صرخت ضد فساد كان مبلغه لا يتجاوز بضعة الالاف، ورضينا بحبكة تحول ملقط الحواجب فيها الى دليل ورجل عاشق يقتل ويحمل خمسة طوابق ويرمي من شرفة جثة ومنشد وفنجان قهوة دية قتل. تسارع الاحداث التي تنبئ بانهيارنا لتصير يومية. نشهد اعمال قتل علنية لرجل هدرت حياته من اجل مصف سيارة، وحلبة حكم داعش تعفي عن سارق بعدم قطع يده، وامين سر اقليم يقتل بنيران صديقة وسط شجار دامي، وشاب يقتل لان القاتل لم يرقه ان يدفع مقابل خدمة تلقاها، واب يقتل ابنته ويخرج بعد أسبوعين من السجن، وجرائم قتل يومية لم نعد نستطيع رصدها. سلاح منتشر وجهته الاب نحو ابنه والزوج نحو زوجته او ابنته، والابن ضد ابيه وأمه، والاخ ضد اخيه، والجار ضد جاره، وعابر السبيل ضد عابر السبيل. والدحية تراثنا الجديد. الكورونا والاحتلال هما الوباء الذي يجب قلعه…

لننظر حولنا ونرى رأفة الكورونا بانتشارها واذيتها امام تفشي العنف والآفات الاجتماعية بكافة انحائنا. والاحتلال يتقدم بخطوات لم تعد تعنينا، فعن اي ضم نخاف، وعن اي جامع يحرق نقلق، وعن اي اجتياح نرتعب، وعن اي هدم نخاف، وعن اي مداهمة نختبئ؟ فالسلطة المتسلطة علينا صارت أخطر من الاحتلال والوباء.

شد الخناق من كل الاتجاهات بينما الوباء والعنف المسلح في سباق، وسط ازمة اقتصادية مرعبة وبنوك تتربص من اجل عقاب “للمندسين” من اصحاب الشيكات الراجعة ( هذا ما جاء على لسان رئيس سلطة النقد الفلسطينية). وعشرات الشبان في المعتقلات تهمتهم رفض تكميم الافواه وفضح الفساد. معتقل بعمر جهاد عبدو يصارع من اجل حياته… معتقل في سجون السلطة … وكأن عذاب السلطة وقمعها مسموح وعادي. التنكيل والاعتقال الذي جرى لصهيب زاهدة مع طفله عادي،  ومطاردة لناشط جريء بحجم نزار بنات، الذي صدح بصوته الجريء الحقيقي على مدار السنوات من اجل رفعة مجتمع يستحق الانسان الحر ان يعيش فيه.

ولكني اليوم أفكر بقضية الناشط الاجتماعي البارز نزار بنات المطارد من قبل أجهزة الامن الفلسطينية منذ أكثر من أسبوع واتساءل الى اين يمكن ان يلجأ انسان مثله؟ فهو ناشط جريء شرس ضد الاحتلال وضد الفساد وضد المحاباة وضد التطرف الديني والقبلي وضد الظلم الواقع على شعوب الأرض المظلومة في كل مكان. صوت عاقل بزمن غوغائي. قد نختلف معه أحيانا ونتفق، ولكنه صوت يجعلنا نتأكد اننا احياء.. اننا مختلفين.. اننا نملك مقومات الانسان الذي يستطيع بعقله ومعرفته وصدقه ان يحمل لواء حريته  وتحرره بلا خوف ولا مواربة.   

نزار بنات الشاب الذي يمثل الملايين منا برأيه وتعبيره في كل مرة دق على خزان الفساد عاليا بلا خوف ولا هوادة. كسر ما نحن عليه من فصائلية وعنصرية وخمود، وصرخ عاليا في كل مرة امام قضايا عادلة. قضايا تؤكد في طرحها ان الانسان منا ليس مجرد عبدا ولا سخرة لصاحب سلطة. ان الحياة باستحقاق لا تمنح بل تؤخذ. جعل نزار بنات من صوته “فشة غليل” لكل من لا يستطيع ان يعبر عن نفسه في هذا الوطن المسلوب حريته ووجدانه.

اتابع ما يجري مع نزار بنات المطارد منذ اسبوع من قبل اجهزة السلطة الامنية بسبب “آرائه” وأفكر بالمشهد التالي الذي سيصيبنا. هل سنرى باسل الاعرج من جديد؟ الفرق الوحيد هنا ان المطارد الخفي والعلني في هذه المرة هو واحد… السلطة التي يفترض ان تكون حامية لنا من الاحتلال. بالوضع العادي يفترض ان يكون صوت نزار وصوت كل انسان حر مركز على الاحتلال، ولكن لم تبق هذه السلطة المتسلطة مجالا لأي نزيه وحر الا بمواجهة فسادها الذي صار خطرا علينا

وصلنا الى مرحلة صرنا نعيش الخطر المتربص لنا من السلطة. كيف تسلطوا علينا هكذا، وكيف تحولوا من مشروعنا الوطني الى المتسلطين على حياتنا المهددين لها؟ 

منذ الحادث الإرهابي الذي تعرضت له بحرق سيارتي، التي كانت من الممكن ان تودي بكارثة تلحق بي وعائلتي، تأكدت بأن هؤلاء ليسوا أصحاب سلطة وطنية، ولكن من يقبل بأن يكون مقابلة الرأي بمحاولة القتل هو طريقة التعامل لا يمكن ان يكون الا متسلطا ظالما ومجرما وارهابي. 

كم حاربنا الصاق كلمة الإرهاب بنا، وكم يتم ممارسة الإرهاب علينا اليوم من قبل من يفترض ان يحمونا؟ 

كيف يمر اعتقال شباب الحراك وتتآمر عليهم الجهات القضائية والنيابية والسيادية بأفعال تحكمية استبدادية يحكمها قانون الغاب الذي لم تعد فيه اسود. فقط ضباع ظالمة ومظلمة. 

كيف نقبل ان نكون نحن أنفسنا الشعب الذي يحارب من اجل إطلاق سراح معتقليه في سجون الاحتلال، ونندد بقمع أبنائنا القابعين في معتقلاتهم ان يكون شبابنا في معتقلات السلطة الفلسطينية التي تنكلوا تعتقل بلا أي وجه حق الشباب بسبب آرائهم؟ 

كيف نسكت بينما نعرف ان جهاد عبدو مريض ومكبل على حافة سرير مشفى وكأنه مجرم حرب؟ كل هذا يجري في غرف تحقيق السلطة الوطنية الفلسطينية ومعتقلاتها؟ 

أي وطنية هذه الذي تطارد رجلا جريمته ابداء رأي؟ 

كيف يحولون بهذه اللحظات نزار بنات الى النديم وأدهم الشرقاوي وجيفارا؟ 

ام هل يريدون ان نرى اغتيالا اخر كاغتيال ناجي العلي وغسان كنفاني؟ 

كيف أصبح نزار بنات كابن حنبل في محنته؟ 

كيف يحولوننا من مناضلين مقاومين ضد الاحتلال الى مرتعبين هاربين من سطوة سلطتهم وفسادهم لأننا نحارب من اجل حريتنا وتحررنا؟ 

 كم خسارة يتقبلها وطن محتل عندما نخسر صوتا كصوت نزار بنات وشباب الحراك وغيرهم من الأصوات التي نسمعها من كل الاتجاهات ولو متفرقة، عندما لا يبق للأصوات الحرة مكان لها في وطنها؟ 

هل يكون مصير نزار ان نجا من الاعتقال او القتل اللجوء او الهروب الى مكان يكون أكثر قربا له من وطنه، وحاضنا له لا مستبعدا ولا مستقصيا؟

هل هذا هو حلمنا من رفع العلم الفلسطيني؟ 

ان يكون علمنا علم استبداد واقصاء وتهجيج وترحيل؟ 

هل اللجوء الى عالم يحترم اصواتنا وحريتنا وانسانيتنا سيكون هو مصيرنا؟ 

هل اللجوء الى إسرائيل قد يصير هو الامل من اجل حياة بأقل خطورة وتهديد مباشر على الحياة؟ على الأقل فإن الاحتلال لا يحرق سيارات ولا يقتل غدرا برصاص طائش. يرصدنا ويعتقلنا ويحقق معنا … كيف اوصلونا الى هنا.. الى مكان صارت فيه غرف التحقيق الإسرائيلية ولائحة اتهاماتهم واعتقالاتهم وحتى قتلهم ارحم؟ 

ام اللجوء الى دول نقتلع من خلالها جذورنا الفلسطينية ونرحل اليها تكون هي ملاذنا بالنهاية؟ 

كيف لنا ان نطلب الحماية لأنفسنا من سلطة تتسلط علينا وتعتقلنا وتنكل بنا وتحرق ممتلكاتنا وتطاردنا؟ 

حديث صعب وحقيقة أصعب منظومة مهترئة واحدة : حوار السفير الفلسطيني حسام زملط ببرنامج “هارد توك” على شبكة الإذاعة البريطانية 

شاهدت مقابلة ببرنامج “هارد توك” -حديث صعب- الشهير مع سفير فلسطين بلندن السيد حسام زملط، الذي عمل سابقا سفيرا في واشنطن. 

في معرض حديثه مع محاوره، قرر السفير تصويب معلومة عمله كسفير لدى السلطة الفلسطينية قائلاً: “أنت تقول لي أنني أمثل السلطة الفلسطينية. لكن انا لا أقوم بذلك. انا أمثل منظمة التحرير الفلسطينية. مكتبنا في لندن اسمه مكتب منظمة التحرير وكذلك كان اسم مكتبنا في واشنطن. لا يوجد للسلطة الفلسطينية أدوات دبلوماسية.”

وفي نهاية البرنامج عندما سأله المحاور عما يقوله الفلسطينيون ولقد ضرب له مقولتين لكل من هاني المصري وديانا بوتو، ابدى عدم الارتياح والانزعاج من كيفية استخدام المحاور لبعض “المقولات” على انها تمثل الحال الفلسطيني العام.

وكأنه على قناعة تامة باستحواذه على المشهد من الفه الى يائه. وما يقوله للإعلام الأجنبي هو الحقيقة الوحيدة.

خطر لي زميلة السيد زملط السفيرة في احدى الدول الأوروبية  (- أبو رمضان) التي هددت المتجمهرين امام السفارة قبل حوالي أسبوع من اجل الرجوع الى البلاد باستدعاء الشرطة. ثم زميل آخر لهما رجعت ابنته من الخارج ولم يرق لها الحجر الصحي المتاح- ومعها حق- فتم اخذها على سيارة اسعاف خاصة- ملك الدولة- لبيتها.   مما جعلني اسأل نفسي مرة أخرى من هؤلاء؟ 

هل من الممكن اننا لا نعرف من نحن، ونخدع أنفسنا بكوننا شعب بينما الحقيقة انهم هم السلطة وكل ما يخرج عن اطار صفوفهم الأولى هو نحن-الشعب- مجرد حطب دفئهم، وظلال فيئهم قبل اقتطاعنا إربا  لهم؟

طبعا افكاري متعثرة بتعثر الحوار الحاصل كما انعكاسه على الحقيقة. فمن الصعب التفكير باتزان بينما تختلط كل الأمور. فما يقوله السفير لا يختلف عما يقوله المتحدث باسم الحكومة من حيث التصريحات: لوم الاحتلال والاستعلاء على الشعب. كل بلغة يتقن الحديث بها. والمحصلة استغلال الشعب من اجل مصالح يستفيدوا هم منها وعلينا تقديم الولاء والعرفان وشكر الله كثيرا على وجودهم بيننا.

استمعت للسفير ولم أتوقف عن تساؤلاتي بين الواقع المرير الصعب المأساوي الذي نعيشه بسبب هذه السلطة، وبين الواقع الاخر المتمثل بالاحتلال واستخدامهم- السلطة او المنظمة- او هم- له كعلّاقة دائمة لكل اخفاقاتهم. 

وطبعا لم يخلو الامر من ديباجة تضحيات(هم) اليومية بأطفالنا وانتهاكهم لنا، ولم يوفر الفرصة في التكلم عن الشهيد اياد الحلاق.

ولكن أولا اريد ان اسأل: لمن تتبع السفارات؟ لمنظمة التحرير ام للسلطة؟ وما الفرق بين السفارة والمكتب؟ هل الاثنين جسمين في موقع واحد ام ان هناك سفارة وهناك مكتب؟  يعني السيد زملط في هذه الحالة إذا ما كان منصبه هو سفير لمنظمة التحرير لمكتبها بلندن، فهل يتقاضى راتب سفير السلطة من وزارة الخارجية؟

ام علينا ان نفهم ان هناك جسم مستقل يدعى وزارة الخارجية وجسم مستقل اخر يدعى منظمة التحرير تفرغ عليه موظفيها. هل هذا يعني ان هناك إمكانية بأن نرى سفير فلسطيني ممثل سلطة رام الله وسفير فلسطيني ممثل منظمة التحرير؟ طبعا يجب ان يكون هناك سفير فلسطيني ممثلا لسلطة حماس. وسفير ممثلا لديوان الرئاسة؟ بالنهاية فلقد تمرر(حيث لم نر أي الغاء رسمي) قانون ديوان الرئاسة واستقلاله بلا تبعيات ولا نعرف الى اين انتهى!

وسؤالي هنا حيث لا تزال كلمات رئيس حكومة السلطة تدوي في اذني عندما خاطب الشعب مخيرا: تريدون وطنا ام تريدون مالا؟ يعني إذا ما كان خيار الشعب للوطن، فهل يذهب المال لهؤلاء الذين لا يعملون لدى السلطة ولكن يعملون لدى المنظمة؟ ام ان الامر مرتبط بخطة عنقودية لا يفهم مداها الرعاع امثالنا؟ 

عندما قررت وزارة الخارجية اقتطاع يومي عمل من رواتب افرادها ( عند عروض الكورونا قبل اشهر قليلة) هل كانت تعني رواتبهم من أموال السلطة ام من أموال منظمة التحرير. 

يعني بجد، من يدفع لمن ومن أي صندوق؟ هل للحكومة او السلطة او الرئاسة او المنظمة؟ من يحكم من وماذا وبأي صلاحية؟ 

هل أموال منظمة التحرير منفصلة عن أموال السلطة؟ وإذا كانت منفصلة كيف تصرف المنظمة على نفسها؟ 

وزارة الخارجية لمن تتبع؟ للسلطة ام للمنظمة؟ 

حسام زملط من شخصيات فتح المتعلمة الذكية المتحدثة القليلة جدا، بل النادرة، خصوصا في قدرته على التكلم باللغة الإنجليزية، وهو حاصل على دكتوراه حقيقية وعلى الأرجح معدله بالتوجيهي كان عاليا. 

زملط القادم من غزة سرعان ما تربع على سماء النجومية في الدبلوماسية الفلسطينية لذكائه وتعلمه وقدرته على التحاور. ولكن شأنه شأن كل من يتربع مناصب سلطوية في سلطة غير منتخبة حزبية فصائلية ان تذوب صفاته المهمة من تشكيل أكاديمي رفيع وذكاء وشخصية جيدة في سائل رخو عكر تلبده في قاعه المنظومة السياسية. 

استوقفني الحديث الدائر في البرنامج عندما قال المحاور لزملط في معرض سؤاله عن هدف السلطة من التهديد بقطع التمويل لأنشطتها (أي السلطة) في كل المجالات من الامن، الصحة، التعليم الى كل شيء والذي اعتبره المحاور وكأنه أقرب الى الايذاء الذاتي إذا ما تم الضم حيث يبدو الامرغير عقلاني، وسيؤدي هذا الى احداث ازمة إنسانية كبيرة للشعب الفلسطيني.

فكان رد زملط ان ما ينبغي علينا عمله هو “المثابرة وبناء مؤسسات وطنية أكثر، تحسين خدماتنا، تحسين عملية التشاور في إطار عملية ديمقراطية. “واستطرد ان هدف السلطة عند قيامها كان “اخذنا من الاحتلال الى الاستقلال. هذه هي مهمتها الأساسية ولهذا السبب قمنا نحن والمجتمع الدولي بتأسيس السلطة الفلسطينية. بينما إسرائيل تريد ان تبقي السلطة الفلسطينية كمزود للخدمات تحت الاحتلال. وبالتالي تخدم إسرائيل بالمحافظة على الوضع الحالي.”

هل احتاجت السلطة ٢٧ سنة لتفهم ان إسرائيل أهدافها لا تمت لتوقعات قيام الدولة التي يتمسك زملط بها على حدود ال١٩٦٧؟ 

عن أي مهام تقوم بها السلطة يتكلم زملط؟ “نحن نعلم اننا بحاجة لمؤسسات وطنية، نحن بحاجة للسلطة الفلسطينية فهي تقوم بمهام ضرورية في الصحة، وانظر مثلا اليوم لوباء الكورونا. وفي مجال التعليم، انظر مثلا الى الناجحين في نتائج الثانوية وهم مصدر فخر نحن لدينا أكبر عدد من حملة شهادات الدكتوراه في العالم.”

 وعن أي اشادة بالتعامل مع وباء الكورونا يتحدث؟ عن أي نظام صحي، الا يسمع عن المآسي التي تحصل بالقطاع الصحي يوميا؟  وهل يعتبر المفرقعات المصاحبة لنتائج التوجيهي إشارة لنجاح العملية التعليمية وتفوقها على غيرها؟ ما الذي صنعته لنا شهادات الدكتوراه عندما يتخرج ابن صاحب السلطة من الجامعة بتحصيله العلمي الأول ويجد نفسه مديرا عاما. وما هو استحقاق النجاح والتفوق عندما يحصل ابن المسؤول على معدل لا يصل الستين ونراه وكيل نيابة بعد سنوات قليلة؟ 

حملة الدكتوراه الحقيقيين في هذا البلد لا مكان لهم (الا اذا كانوا من عظام رقبة الفصيل). لأن الكفاءات الحقيقية يتم طمسها وتهميشها والاستغناء عنها واستبدالها بالمحسوبية والواسطة. 

في معرض سؤال المحاور له عما جاء من تصريحات لحسين الشيخ قائلا: “انت تتحدث عن التخلي عن شعبكم.. حسين الشيخ المسؤول عن العلاقات مع الجانب الإسرائيلي قال لو قام الإسرائيليون بالضم فليتحملوا المسؤولية كمحتل في كل الضفة الغربية”.

كان رد زملط بأن حسين الشيخ معه حق لأنه لا يمكن لإسرائيل ان تحصل على كل شيء في نفس الوقت. وأردف:  

“شعبنا يريد شيئا واحدا وهو التحرر. الحرية، العدالة وهم يسعون الى حياة طبيعية.”

والحمد الله ان المحاور رد على جوابه بسؤال كان على طرف لساني:  

“هل تعتقد ان موظفيكم وافراد اجهزتكم الأمنية يريدون لرواتبهم ان تنقطع؟”

ليكون رد زملط:  

“ليس بالخبز وحده يحيا الانسان. نحن نعيش بكرامة”

ذكرني بمقولة رئيس الحكومة من جديد: بدكم فلوس والا بدكم وطن!!!

وقد يكون رد المحاور له هو الرد الصحيح، لأن ردي او سؤالي كان سيبدو سؤالا حاقدا. وسأنقل هنا السؤال والجواب ذهابا وإيابا بين المحاور وزملط، ربما ليكون اكثر تعبيراعن مكامن المأساة الحاصلة معنا… وتكشفها امام العالم اليوم.

المحاور: من السهل عليك قول ذلك فانت تعيش في مكان مريح في لندن كسفير للسلطة الفلسطينية. ماذا عن عشرات الالاف من الناس الذين لن يحصلوا على رواتب؟ 

زملط: يعلم هؤلاء العشرات الالاف ان قضيتهم ليست قضية اقتصادية، هم يعلمون انهم ليسوا في حالة فقر بسبب كارثة طبيعية. هم يعلمون انهم يعيشون ويمتلكون ارض من أثرى بقاع الأرض. وبالمناسبة قبل كل هذا، قبل تأسيس إسرائيل، كنا نحن من اغنى شعوب المنطقة ونحن ما زلنا من اغنى شعوب المنطقة، هذه ليست قضية اقتصادية. 

المحاور: لكنها قضية اقتصادية للعديد من الناس. ماذا عن قطاع غزة؟ فالسلطة لا تهتم كثيرا بغزة لأنها مسيطر عليها من قبل حماس وليس فتح.

زملط: انا من غزة. ولدت في غزة لعائلة لاجئين ونعلم جيدا ما حصل في غزة. فهو بالدرجة الأولى الحصار الإسرائيلي. يجب الا نرفع المسؤولية عن إسرائيل.

المحاور: عندما يقول زميلك المسؤول حسين الشيخ انه سيقوم بقطع ال ١٠٥ مليون دولار التي ترسلها السلطة الفلسطينية الى غزة شهريا لتغطية نفقات استهلاكية وصحية وكل شيء. عندما يقول انه سيقوم بقطع هذا التمويل بسبب مبدأ عدم الرغبة في العمل كوكيل لإسرائيل، ماذا برأيك سيقول الناس في غزة حيث معدل الفقر يصل الي ٥٣ ٪ ومعدل البطالة الى ٥٠ ٪. كيف سيشعرون بذلك؟” 

هنا رنت ببالي عبارة من كتاب عن ادوارد سعيد لصبحي الحديدي يصف فيه استثنائية سعيد، ولقد عدت ادراجي الى فقرة جاءت كما يلي: ” ان مكانة سعيد لم تنهض في أي يوم، على استثمار حكايته الشخصية، ونهضت، في المقابل، على استثمار عبقري ذكي، دؤوب ومبدئي، لكل ما في القضية الفلسطينية من ابعاد إنسانية وتاريخية وثقافية وجيو-سياسية.” 

وفكرت… اين نحن من زمن كان به ادوارد سعيد؟

من أين يأتي السيد زملط؟ هل غزته وعائلته اللاجئة تختلف عن غزتنا وعوائلنا اللاجئة؟ 

الحقيقة كذلك لا اعرف متى كنّا اغنى شعوب المنطقة وما زلنا! ربما يتكلم السيد زملط عن شعب يتشكل هو منه اليوم بهذه القيادة التي هي بالفعل غنيّه غنى فاحش بينما يقتات الشعب على الفتات… إذا ما تبقى له فتات. 

كيف لا يرى السيد زملط الوضع الاقتصادي المنهار. الا يرى كيف يخاطر الفلسطيني بحياته من أجل لقمة عيش في مستعمرة؟ هل ما نراه من معاناة ومصائب لا يرونها هم؟ 

نعم النخب من قيادته التي تتكون منه قيادته بأفرادها لا يعاني من مشاكل اقتصادية. فهم يتعلمون بمدارس خاصة ويتخرجون من أغلى الجامعات الأجنبية ويعيشون برخاء البارونات والامراء. يقودون سيارات بمئات الالاف ويسكنون ببيوت بالملايين. عندما يمرضون يتشافوا بالخارج لا مستشفيات سلطتها العامة. بدلاتهم التي يلبسونها من اجل التصريحات تتجاوز سعر الواحدة منها راتب عشر موظفين أحيانا. ساعاتهم التي يرتدونها تمكن موظف بالعيش سنوات.

عندما سأل المحاور السيد زملط عن توقعات السلطة عن الضم وعن حل الدولتين. حمل زملط إسرائيل المسؤولية بذلك. كما حمل فساد نتانياهو تمسكه بالسلطة مسؤولية تردي الأمور.. كما أعلن لنا ان حل الدولتين هو مطلب إسرائيلي منذ بدئه، ونحن الشعب الذي يريد التحرر قَبِل بذلك، ولكن إسرائيل لا تزال تتنصل من ذلك. 

زملط يريد لإعلان الدولة الفلسطينية ان يحصل كي تسجل عملية التحرر التي يريد إعلانها وبالتالي انتصار دبلوماسيته من خلالها. لا اعرف كيف يستطيع انسان ولد وتربى لعائلة لاجئة من غزة ان ينسى او يتغاضى عما يحصل ويتكلم وكأن المنبر الذي يجلس عليه هو ما تدار عليه الأمور على الأرض.

لا اعرف كيف يستطيع الانسان ان يمتهن مأساة شعبه ويتكلم بهذه الاريحية، وكأنه تربى وترعرع بدولة سويسرية المعالم. يتكلمون عن المعاناة وعن الموت وعن الضحايا وكأن لوم الضحية التي تكلم عنها ادوارد سعيد حالها نفسه. 

وعندما قدم له المحاور ما يقوله الإسرائيليون بشأن ما يرونه حقهم بالضم. اخذ الحديث بين سؤال وجواب كالاتي:  

“زملط: …. الحسابات لدى نتانياهو ولدى إسرائيل هي نفسها. والحصيلة النهائية لهذه الحكومة هي واضحة. فبالنسبة لنتانياهو القضية هي قضية نجاحه في الانتخابات واحكام قبضته على النظام، والافلات من القضايا الجنائية والذي نجح في فعله حتى الان. كما ان هذا يخدم كوسيلة استراتيجية مهمة الا وهي تدمير حل الدولتين. وهو الامر الذي يعلنه منذ انتخابه للمرة الأولى سنه ١٩٩٦. فهو مناهض لفكرة وجود دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وهذا يخدم كذلك سياسيا فالان يتحدث الجميع عن الضم على الرغم من ان الضم هو أحد العديد من الأفعال التي كانت تقوض جهود السلام.  فالجميع يطالب بوقف الضم على الرغم من ان الواقع يجب ان يكون انهاء الاحتلال. وعليه فان نتانياهو مرتاح. العالم لم يقم باتخاذ إجراءات كفيلة بإجبار نتانياهو على التراجع.

المحاور: لقد اعطيتني إجابة تصب في صميم سياسة نتانياهو والحكومة الإسرائيلية كما تراها، ولكن لم تعطني إجابة عما يشكله الضم لنتانياهو وحكومته. الموضوع ليس فقط ذا علاقة بالسياسة ولكن في معتقدات اليهود والحقوق الأساسية المبنية على القانون والتاريخ وحتى التوراة.

زملط: هل بإمكانك ان تتخيل عالما تحدد معالم علاقاته هذه الاطروحات؟ 

هل بإمكانك تخيل عالما تحكمه الاساطير ووجهات النظر والمشاعر؟ 

هل تقبل ان يأتي الرومان ليقولوا ان جزيرة بريطانية ما هي حق لهم لأنهم عاشوا فيها؟ 

اسمع كلام زملط وأفكر، لماذا لا يجري هذا الحديث داخليا؟ اين مداخلات زملط لحكومته عن تفعيل قانون العشائر والقبائل واستخدام سيداو كعدو المجتمع؟ او ربما اين كلام زملط عن غياب الشرعية وقانون الغاب والمحسوبية والفساد المستشري بأوصال السلطة عن هذا الحديث؟ كيف يعرف زملط عن فساد نتانياهو ويريد محاسبته بينما تغرق سلطته بوحل الفساد؟

كيف يتوقع ان لا يرتكز الآخر على الرواية والاسطورة والدين وهي صلب ما نتداوله بحياتنا. وقد يكون موضوع تحويل أيا صوفيا هو بالضبط اخر ما يترجم هذه الحقيقة. 

ما يقوم به اردوغان هو ما يقوم به الإسرائيلي من اجل الاستيلاء على استحقاق تاريخي اسطوري ديني وبصكوك بيع، سنشهد تداولها قريبا من قبل الإسرائيليين. الخطاب الديني الذي يتربع على منابره الهباش الذي يحلل ما أراده ولي السلطة ويكفر ويجرم ويحرم ما أراد.  

زملط: القضية هنا هي السلطة الفلسطينية وهي مؤسسة كان من المفترض ان تبقى لفترة خمس سنوات فقط من عام ١٩٩٤ لعام ١٩٩٩ طبقا لاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وطبقا لالتزامات إسرائيل. هدف الخمس سنوات تلك هي بناء قدرة السلطة الفلسطينية لتصبح دولة كاملة…” 

بجد، السيد السفير، ما الذي اخّر سلطتك عن بناء قدرتها ببناء الدولة على مدار ما يقرب من ال ٣٠ سنه. لماذا عليكم اليوم وبعد انتهاء مدة أوسلو بخمسة اضعاف مدتها الاصلية ان تقرروا بناء المؤسسات الوطنية التي من الممكن ان تغنيكم عن الاحتلال؟ 

إسرائيل تنكرت على حسب قوله عن الاتفاقيات ولكنها تركت السلطة ولقد تم ضخ أموال بهذه السلطة يمكن بناء دول منها. فما الذي جرى؟ 

نعم على إسرائيل اللوم بانها لم تلتزم بالاتفاقيات من حيث الحدود والأرض وكل شيء. ولكن هل تلام إسرائيل على الدمار الاقتصادي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف عنه السيد زملط الا قدرته الاقتصادية وثرائه وتحصيله العلمي المنقطع النظير؟ 

المحاور: الشيء الاخر الذي ذكره مسؤولو السلطة الفلسطينية هو انهم سينهون التنسيق مع الإسرائيليين

زملط: لقد أنهينا كل التنسيقات. 

المحاور: انهيتم التنسيق الأمني؟ 

زملط: نعم

المحاور: إذاً نحن نتحدث هنا عن حالة فوضى وعن انعدام للأمن قد يخرج عن السيطرة. هل تريدون انتفاضة جديدة؟ 

زملط: لا نريد هذا، ما نريده هو وضع حد للوضع الحالي. كفانا ٢٧ عاما وإسرائيل ببساطة.. سئمنا هذا الوضع. نحن سئمنا من القول للجميع ان إسرائيل مراوغة وليست جدية. مع كل حجر تم بنائه منذ ١٩٩٣ بعد التوقيع على اتفاقية السلام.. انظر للوضع الحالي.. عندما بدأنا كان هناك اقل من ١٢٥ ألف مستوطن والان يتحدثون عن ٧٥- ألف مستوطن وتسعى حكومة المتطرفين في إسرائيل الى زيادتهم لمليون خلال عامين.

المحاور: لكن ما الذي سيحدث الان والتعاون الأمني مع إسرائيل قد انتهى، وقد قلت الان انه انتهى. 

مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط يقول انه يخشى ان يكون هناك اشتعالا…

هل هذا ما تريدونه؟ 

زملط: لا، ما نريده هو محاسبة ونريد تطبيق القرارات الدولية. نريد العدالة ان تتحقق، للشاب في القدس الذي قتل الشهر الماضي….

نحن قررنا وقف التنسيق الأمني وأعلننا اننا في حل من كل الاتفاقيات الموقعة من اجل سببين

الأول إسرائيل قامت بإلغاء كل هذه الاتفاقيات في اللحظة التي أعلنت بها في خطاب تشكيل حكومتها والتي شكلت أحزابا من اقصى اليمين الى اليسار، من حركة المستوطنين، مرورا بالليكود وحتى عزب العمال انهم سيقومون بضم الأراضي بشكل غير قانوني فهم قاموا فعليا بإلغاء كافة الاتفاقيات. هذا الامر انتهى لذلك فليس باستطاعتنا الاستمرار بالالتزامات بهذه الاتفاقيات 

المحاور: هنا لدي مشكلة عميقة مع موقفك هذا. تقول ان كل شيء انتهى وتقول انه لا شريك هناك في إسرائيل للحديث معه ولكن في نفس الوقت طرحك الاستراتيجي الوحيد هو جعل السيد نتانياهو يوقف تحركه تجاه الضم. وبعدئذ طبقا لمسؤولين رفيعي المستوى ستعودون الى طاولة المفاوضات. تريدون ما يسمى بالرباعية بان تشارك القوى الدولية من اجل استئناف عملية مفاوضات كنت قد قلت لي للتو انها لم توصلكم لأي مكان على مدار ٢٧ عام هل هذه رؤية استراتيجية؟

  الحقيقة تابعت اللقاء واعدت سماعه عدة مرات وحاولت تدوين كل كلمة فيه لكيلا اخرج بمفاهيم خاطئة عن الحوار. 

ولكني في كل مرة توقفت امام حقيقة وحيدة هي ان هذه السلطة سواء اطلقت على نفسها منظمة تحرير او ديوان رئاسة او حكومة او جهاز أمني او ما طاب لها من التسميات التي يلحقها مناصب لثلة من يديرونها، هي النقمة الأكبر على هذا الشعب. 

لقد حان لنا نحن الشعب ان نقول كلمتنا ضدهم. فما جرى منذ أوسلو لم يجر بموافقة الشعب ولا رعايته. ولكنهم اختطفونا تحت مسميات التحرر والدولة والعلم، وباعونا شعارات وسلبوا منا الوطن والأرض والموارد. وصرنا شعبا يقتات على الفتات. يخاف ان يعبر عن نفسه. وويله ان شكي او بكى. المطلوب منا ان نكون فقط رعاع لأولي السلطة والسيادة الذين يعتقدون انهم يجيدون فن الخطابات، ويعتقدون ان الغرب كالشرق يخاف من المواجهة. يخاف من تكميم الافواه الحاصل ويشتري ما يبيعونه من شعارات لم يعد أحد يقتنع بها، الا أولئك الذين يقتاتون على فتاتهم ليعيشوا معهم على قوت الشعب وارضه وخيره. 

الشعب لا يأبه لضم… الشعب لا يريد سلطة فاسدة تسمى وطن. 

الفساد لا يبني الأوطان. 

ولا لوم الاحتلال يخلصكم او ينجيكم من فسادكم. 

لقد طفح الكيل فعلا…

كلكم وجوه واحدة لعملة لم تكن ابدا تمثلنا.

Hard Talk…Hard Truth: We are a hijacked nation 

I was watching Hard Talk with Hussam Zomlot, the Palestinian Ambassador to London. Mr. Zomlot is the superstar of the Palestinian diplomacy. Eloquent, witty, and smart… However, nothing more than a man who represents a corrupt regime that continues to sell our cause as a nation to serve its notions… Notions that do not present except a regime that represents its officials. 

Hard Talk was nothing but a real reflection of the bitter truth of our reality: We Palestinians who allowed ourselves to be hijacked under the promises of liberations with nothing more than opportunists who continue to buy and sell in our names, first a land, prisoners, martyrs and now what is left of us as people. 

Somehow, this coincided with my reading a book on Edward Said, and while thinking of Blaming the victim notion that Zomlot mentioned, I could not see but Said’s argument on a far more important need today not less important than before : “We cannot fight for our rights and our history as well as future until we are armed with weapons of criticism and dedicated consciousness.” 

It is such discourse of a detached from reality but that of the people of the PA that created the polemic of Said on the PA. I think of every word and think of how vicious we are on those who speak the truth. How hypocrites we are in compensating our just cause as people into these people who continue to suck out our resources, land, blood and souls.

Zomlot expresses himself brilliantly thinking he is trying to convince a Palestinian journalist who cannot but agree obediently with his allegations. Allegations with a strategy that he starts his discussion with ends with admitting that there is nothing strategic anymore. Allegations of our prosperity as a nation that has no economic issues and ending with a cry out on food parcels. 

Zomlot who is from Gaza, shamelessly thinks he represent Gazans or Palestinians. The Hard Talk host told him boldly: You cannot say that people don’t need salaries, but you are sitting here in the cozy office in London with a nice salary that he is not willing to give up. 

Zomlot sounds as if he lives or comes from another state. A state that could be a great one if it was not for the brutal Netanyahu. 

Interestingly, Zomlot sees himself representing the PLO not the PA. I have to say I cannot but laugh or more precisely slap my face thinking of his maneuvers in the discourse. 

It is true that the PA was supposed to build a state that takes out of occupation as he stated, but it ended up building a state of a bunch of rich people that these people really think is part of Switzerland or maybe Norway. 

I am not sure which land is Mr. Zomlot talking about the PLO or the PA or whoever he means he represent does he mean when he says that Gaza, Refugee Camps, and Jerusalem are taken care of … I guess he means it is his “faction” first level that is taken care of on the account of what is called people. 

Between selling a lost cause diplomacy that nobody believes and contradictory statements and 

I really call for MR Zomlot, not to use another martyr, don’t use autistic people. We did not hear you condemning what your official tv station program that ridiculed disabled people. Stop using our victims to your political benefits. Go ask for a state of yours. your people. Those who call themselves PA or PLO and leave us the PEOPLE of this country alone… We are sick of abusing all what Palestine once meant to us. 

Don’t speak on our behalf. Don’t speak of a democracy in a regime that practices dictatorship on its people, for people who cannot even express their minds. and if they do … they are handcuffed in hospital beds like Jehad Abdo now. 

There is only one victim: US THE PEOPLE who are perishing under your corrupt rotten regime. 

The truth is that the real problem is YOU, name its PA or PLO. The truth is that Palestinians who are holding on in resilience for their basic rights are sick of corruption more than occupation. 

The truth is that you proved to us that colonial occupation is better even in its worse than what we are living today. 

The truth is that people at this moment are hunted or detained because they dared to say loud what most Palestinians want to say: LEAVE US ALONE 

We’ve really had it. 

Enough is enough. 

لا مكان لأنثى على مسرح الحياة: من عشتار الى أميرة… من إسراء الى نورا

المشهد الثقافي الفلسطيني والمشهد السياسي والاجتماعي يصب في نفس الخانة. خانة واحدة لم تعد تعرف الا التطرف والاقصاء والانقسام والفرقة والحقد والاغتراب.

كل يعيش في انقسامه وفرقته واغترابه، وكل يعيش بإصرار لأن يكون هذا المكان له ولعشيرته وفصيله وعائلته فقط. صرنا نتزاحم على مكاننا في حيزنا العام والخاص، ولم يبق للاحتلال في حياتنا الا المزيد من التحكم بنا على حيز نتزاحم على السيطرة عليه بينما يسيطر الاحتلال على المكان كله ويتركنا في زوايانا كالفئران نتجادل على قطعة جبن عفنة: هولندية او سويسرية، والجبنة لا تصلح للأكل ولا علاقة لها بالأجبان. 

نعود مرة أخرى لنطلق نداءاتنا التشجيعية او المليئة بالشجب بهاشتاغات ممكن ان تعمل “ترند” لنقول “كلنا فلانة أو علانة”. كلنا ضحية قتلت او ضحية يتم التنمر عليها. وعندما نمل من السجال والقتال والدفاع والهجوم وعرض كل ما نملكه من معلومات او مسبات نهدأ لنلتفت لما يقوم به الاحتلال ونصرخ ضد الاحتلال لشهيد او لأسير او لمصادرة ارض او هدم بيت.

امورنا كلها متشابكة ومتهالكة ومتآكلة، لم نعد نعرف ان كان هناك ما يمكن إصلاحه في هذا النسيج البالي. 

بينما ننتظر ببلادة تصفية أخيرة لقضيتنا الفلسطينية في مشهد قد يكون الأخير، كمن يشاهد مسلسلا في اجزائه الكثيرة وقد وصلت الاثارة فيه الى ذروتها مرات كثيرة ومللنا، وعليه ننتظر الموسم الأخير لننتقل في تركيزنا لمسلسل اخر. فلم يعد في هذا المسلسل ما يمكن اجتراره من احداث وإعادة اختلاقها لتتناسب مع ذائقة المشاهدين وتشدهم اليها.

مسألة الضم التي تبدو وكأنها ستكون تحصيل حاصل بين يأس شعبي من أي صلاح في سلطة فاسدة وبين سلطة تنتظر دعما لموقفها الدائم بانتظار لتفعيل مفاوضات بإملاءات مع كل صاحب قوة ونفوذ واموال يضخها في جيوبها، فتلهي الشعب بشعارات وزحف وجمهرة ويصفق الشعب في بعضه ويسكت يأسا في بعضه بانتظار كارثة تحل عليه فتلهيه من جديد. 

والكوارث صارت يومية، وحدّث ولا حرج. 

إذا ما كان المسلسل الفلسطيني في موسمه الأخير يشتعل بالمشاهدات والاحداث، كما في المسلسلات التركية التي نظن ان المسلسل قد شارف على الانتهاء فلم يعد هناك احداث يمكن افتعالها، فنرى تزاحم جديد يخرج من كل اتجاه تكون عين المخرج فيه والمنتج على المشاهدات ليقرر ان كانت الحلقة الأخيرة في دقائقها الأخيرة ستغلق المسلسل ام تجره الى موسم جديد. 

من الناحية السياسية لا افق لحل سياسي على الرغم من حل الرئيس للاتفاقيات التي لم نفهم ابدا ما عنى بكلامه بها. 

وكما في مسرحية الزعيم، لا يزال الرئيس ممسكا ببواطن القوة، فكلما ظن المشاهد ان الرئيس قد اقترب من الموت بسبب طعونه الواضح بالسن، كلما خرج لنا ببوادر حياة من جديد ليسقط فيها حسابات ومخططات المقربين منه المتربصين للحظة الصفر للجلوس على كرسيه. فالكل عينه على الكرسي وعينه الأخرى على التغير الإقليمي والسباق على استرضاء من سيتوج الرئيس القادم. والايدي والارجل بين دعس على المواطن وبين تكميم فمه. 

اما المرتزقة من أصحاب المقامات الموجودة والمحتملة فينتشرون بين ترعيب وترهيب وفتنة والهاء من جهة، واقتناص أخير لفرصة في تعيين او تثبيت او ترقية له ولأقربائه وعشيرته ومواليه. فمن جعل المتربصين نحو كرسي الرئاسة بالأمس بيادق مهمة اليوم سيجعلهم بالمستقبل مهمين كذلك. 

نحن شعب افراده المشكلين لحجم وطن يمكن ان يملئوا خريطة العالم إذا ما وزعنا حجم وطنهم الذاتي الشامل وقد تحتاج البشرية لكوكب اخر. 

والشعب بين كارثة جديدة ترعبه يفتح عينيه عليها يوميا لجريمة قتل جديدة، وبين توضيع للفكر ينحسر بين الحلال والحرام، الشريعة والقبيلة، ونصرة الإسلام القادمة من حفيد ارطغرل المزعوم او الالتفاف بصمت او علانية نحو أبناء صهيون. والهامش في الأغلبية محاصر في زوايا تملؤها الفئران التي تكبر لتكون جرذان تهدد بطاعون.

امرأة شابة – كان اسمها نورا- قتلت منذ عشر سنوات واستطاع قاتلها إخفاء جريمته وابنته بلا شك ولا ريبة من محيطها. جريمة تشكل حقيقة مدوية في بشاعة ما تشكله حياة الاناث في هذا الوطن. رخيصة، مستباحة، لا تعني أي شيء. للرجل كان ابوها او اخوها او زوجها او جارها او عابر طريق ان يتخلص منها بلا رقيب ولا حسيب. فالتهمة دائما جاهزة ليتقبلها الجميع ويخرس عن الخوض بها كذلك الجميع.

كم جريمة اخري نحتاج لنتأكد ان التغيير لا يأتي بالتمني ولا الاستجداء. كم نيفين واسراء ونورا ستلتحق بقوافل قتل الاناث؟ 

كيف يمكن ان نتغير او تتوقف دائرة القتل الغاشمة بينما نعيش في مجتمع انزل عشتار عن المسرح لأن جسد الانثى فتنة، واخرس اميرة لأنها تجرأت وخاطبت متحدث الحكومة متسائلة عن حق الفنانين.

كيف يمكن ان نعيش في مجتمع رجاله ونسائه المتلحّفين المتستّرين بالدين لا يرون من المرأة إذا ما تكلمت وظهرت الا عاهرة وفاجرة وجب قتلها او اغتصابها والتحرش فيها فعل مستحق؟

كيف لا والعذر المبيح بالقتل مقدم على طبق من فضة، تملؤه فناجين القهوة ودية اذا ما تقرر بعض القيمة للضحية او اهلها. 

ولكن… منذ سكتنا عن إيقاف رقصة على مسرح ترعاه وزارة الثقافة بحجة الدين والعرف والتقاليد، وتغاضينا عن إنزال عشتار عن المسرح، من الطبيعي ان تصبح الانثى مجرد عاهرة إذا ما كان الفن مهنتها. فذكورنا هؤلاء لا يعرفون عن النساء بعد امهاتهم الا تلك اللاتي يشتهون بالخفاء وراء شاشاتهم من فيديو كليبات بخيسة الى فن تروجه نتفليكس وتركيا اذا ما كان هذا الذكر في احسن احواله متطور..وما يخفى من مواقع اباحية فلا تُحدّث لكي لا نصيب العطب خرما اكبر.ا. 

الحق ان الانثى منا لا تحتاج الى ان تكون فنانة ليرى بها المعتوهين المتشوهين فكريا واخلاقيا زانية عاهرة، فما ينتجه المجتمع مؤخرا لا يرى الا الفجور والعهر والخيانة والعمالة والنصب والاحتيال والفساد وسيلة لبناء عروش الأوطان.

فلقد رأينا الهجوم على وزيرة المرأة والصحة وهن من “عظام الرقبة” لهذا النظام.

رأينا التكاتف والتلاحم كما رأينا الهجوم والتعدي على مجرد التلويح بقوانين حماية الاسرة. 

فلا عذر لمقتولة او مغتصبة او متحرشه او مضروبة الا استحقاقها لما حل بها… فالأنثى فتنة يجب ان تتستر او تخنق حتى تذبل او تفنى.

لا عذر لطفل قتله ابوه ضربا وتحرش به قريب وغدر فيه. 

.ولا عذر لضحية لأن الجاني ذكوريّ سلطويّ يحق له الاستباحة في كل شيء. والذكورية السلطوية لا يتفرد بها الذكور، فهي منظومة شاركت في تركيبها أنثى. فهؤلاء ربّتهم أمّ ربّما يعاملوها إن برّوا على أنّها مدخلهم إلى الجنة.ء.

وما علينا الا السمع والطاعة او الموت. 

قتل الشرف في مجتمعاتنا ووأد الوطن 

نعم يا سادة.. لم يعد هناك من جرائم ترتكب الا جرائم بحق شرفنا نحن المجتمعات التي جعلت العنف جزء من مركبها، والخنوع والسكوت عن الحق آفة تمثلها. 

تفرقنا كعرب في كل شيء تقريبا، الا بتفشي العنف وجرائم القتل. فلا تختلف مصر عن الاردن عن فلسطين.

لن تكون مبالغة إذا قلت ان جرائم القتل التي نشهدها صارت يومية. وكأن الاجرام والقتل صار سباقا من مدينة لأخرى. 

لا اعرف ان كان الحديث عن جريمة قتل لامرأة أكثر حاجة عن الحديث عن قتل أب لطفله او طفلته، أو زوج لزوجته. ولا اعرف ان كان الحديث يختلف بالحاجة الى طرحه عن جرائم القتل الناتجة عن العنف والضغينة التي صارت عادية. 

بالمحصلة هناك ضحية ماتت، ومجرم سينجو من العقاب. 

شهدت الساحة الفلسطينية جرائم قتل ضد النساء تحديدا على مدار السنوات كانت تتصاعد بوضوح، من الشمال، الى الوسط، الى الجنوب. لم تترك هذه الجرائم مفرا لنا  برمي المشكلة على الاحتلال، ولا على هذا الفصيل او ذاك. فمجتمعنا عند الجرائم متوحد. توطن التطرف فينا حتى صار هو الوطن والشريعة والدين ! 

العلة واضحة ولا تحتاج الى تحليلات ودراسات. فطالما القتل مباح سيستمر. وطالما للقتل ثمن يدفعه المجرم وأهله فلكل ضحية دية تنتهي بفنجان قهوة وعطوة عشائرية ومنشد. وكأن القتل صار صفقات، يستفيد منها شيوخ القبائل الجدد الذين تربعوا فوق القانون وصارت صكوك الغفران متاحة لكل من يلبس ثوب عشيرة. 

وبالطبع جرائم القتل الاسهل هي تلك المتعلقة بالنساء. فالرجل الذي يقتل ابنه الطفل او ابنته هو بالمحصلة رجل اقترف جريمة داخلية، لا دية ولا منشد. بضعة شهور في السجن ويخرج بحجج كثيرة يتحها له القانون. فالفجوات والاستثناءات في القانون كثيرة، وكل ما يحتاجه القاتل واسطة لا تحتاج أكثر من رجل امن بالعادة، وكلما كثرت المعارف والوساطات استطاع الجاني ان يفلت أكثر بلا عقاب. 

من جانب اخر، تبدو الأرضية خصبة للجرائم، فالوضع الاقتصادي قاتم، والفساد مستفحل بالمؤسسات من أخمص الاقدام الى الرؤوس. المخدرات صارت عادية كما انتشار الأسلحة. 

يعيش المجتمع فيما تبقى منه بحالة من اليأس والخوف.

كم هو مقيت ان نعيش في حالة يأس يملأها الخوف. وويل كل الويل لمن تجرأ على اليأس بمواجهته بلا خوف. 

انقسام المجتمع بين من يريد ان يبسط سيطرة وبطش الذكورية تحسبا من ان ترفع المرأة رأسها في يوم، وبين من يريد للنظام الحاكم من سلطة البقاء تحسبا من فقدان رزق ينقطع مع تهديد بزوال السلطة، يضعنا جميعا بداخل شرخ يضغط عليه من الاتجاهين يزيد من التصدع الحادث صداعا مدويا يتركنا اما بحالة أكثر كربا او يأسا او يفر منا من هذا البلد الذي لم يعد للوطن فيه متسعا حالَما سنحت له فرصة. 

أتساءل كيف وصلنا الى هنا؟ 

منذ مقتل نيفين العواودة واسراء غريب ورائد الغروف، تُركنا لنصدق ان هناك ضغطا شعبيا قد يساعد على إحلال بعض العدل. ولكن الضغط الشعبي ليس الا ضغطا مؤقتا حتى القصة التالية. يشتعل مثل فتيل المفرقعات ويخمد بعد دقائق إلى الأبد. فمنذ تغاضينا بقضية نيفين العواودة ليكون ملقط حواجب الدليل وسائق تاكسي عشيق، وتركنا بجبن صرخاتها واستنجادها ضد الفساد على صفحتها الخاصة بالفيسبوك. وسمحنا للجنّ ان يكون محور جريمة قتل اسراء واغلقنا آذاننا عن صوت صراخها بالمستشفى مستنجدة. وسكتنا عن مقتل الغروف بكاميرات لا تعمل وسيناريو آخر لتلفيق تهمة لغير قاتل، ليس بغريب ان نصل الى هنا. ان نصل الى مكان نناقش فيه أحقية القاتل بقتله لضحيته. كما جرى مع الاب القاتل من غزة والأب القاتل من الضفة والأب القاتل من الأردن واب قاتل اخر في مصر (كلها حوادث قتل جرت في الأسابيع الاخيرة). قتلة يكونوا في أحسن احوالهم آباء يحق لهم تربية بناتهم واطفالهم وغسل شرفهم، او يمكن ان يكون القاتل من اخ لابن عم لزوج لطليق او لعابر طريق. ما دام العقاب ينتهي على فنجان قهوة ودية. 

والفساد الذي رأيناه بينما كبر وترعرع وعشعش، واكتفينا بتناول الفضائح كأنها نميمة، نتداولها على فنجان قهوة وبين رسائل التواصل الخاصة بالمجموعات المختلفة. وجعلنا من التعامل مع الكورونا انتصارا واستحقاقا وجزاء، بتنا ندفع منه جزية وجودنا بهذه البلد… ومن لا يدفع يسحل او يسجن او تحرق سيارته او يقتل. فلا رقيب ولا حسيب. والتهم جاهزة بالعمالة والاجندات الخارجية. 

كلما سكتنا عن الفساد وعلقنا أسبابه وحججه على الاحتلال كلما استفحل بنا. 

ارتبطنا بمصالح واهية، وتنازلنا من اجل ان يرفع العلم عن ارض ومن اجل بقاء السلطة عن وطن. 

سكتنا سكوت الضعفاء حتى صار الوطن مصلحة نتسلق عليها ونرفع الويتها برجل نصبناه وطن.

 سكتنا وغرسنا رؤوسنا بالتراب وهللنا بأننا أحياء…

وصرخنا فداء لشرف حملناه بأضحية اسمها انثى، ووطن وأدناه وأعلننا حدوده رجل يسعى الى الرئاسة أملا!