Monthly Archives: August 2020

 

منذ يومين وانا احاول ايجاد وليد للجمل المتعسر المخاض في ما تبقى من القضية الفلسطينية. الشرخ الصارخ بين ما يجري بالشارع الفلسطيني الذي يقود ثورة فردية يجسدها شخص واحد “عشوائي” ، قرر بلحظة واحدة ان يأخذ زمام المرحلة ويقود مسيرة ثورة لم تعرف نفسها بعد. وبين السلطة الفلسطينية التي لا تزال بارحة على مقعد القيادة ولا تريد الاعتراف بعد أن المفتاح لم يعد بحوزتها.

أعترف بأني لم أعد أترقب ما يمكن أن يتمخض عن لقاء أو قمة . لم أعد أستطيع وبكل صدق أن أسمع أو أرى أي من المتحدثين الرسميين او المحللين المحليين في شأن الوضع الحالي. لقد وصلنا إلى مرحلة وكأن زلزال مدمر قصمنا إلى شعب وقيادة منقسمون أصلا ومتشرذمون بين اشطار وطن منقسم بين حزبين وقطع من أرض محاصرة ومتبعثرة.

إلا أن هناك جزء من تمني ،لا بد وأنه نتاج فسحة ما بداخلي من أمل ، أن يتغير الوضع إلى أفضل. لا أعرف إن كان ما يجري اليوم على أرض الواقع الفلسطيني هو الأفضل لنا أم لا . ولكن ..بلا أدنى شك ، أننا بدأنا بالوصول إلى مرحلة فهمنا جيدا أن الحل لن يأتي لنا من الخارج . وصلاح الدين لن يعود لتحرير القدس . والشعوب العربية المنغمسة بخريفها الدامي لا تلبث تلملم أوجاعها وأحزانها حتى تتفجر فيها مصائب من حيث لا تحتسب. والحكومات العربية اليوم في معظمها باتت تتسابق على دعم إسرائيل. وأسرائيل تعامل المجتمع الدولي “كالفزاعة” تنقض عليه كلما اقترب من تأييد أو شجب أو تصريح أو أي حراك والآخر يهرب فزعا .

لقد مضى زمن خروج الشعوب العربية للتضامن والتظاهر من أجل الفلسطينيين . فالعربي الساكت اليوم نعمة في زمن صار الفلسطيني يلام فيها على عنفه ضد الإحتلال والإسرائيلي صار مدافع عن نفسه أمام الهمجية الفلسطينية. اليوم نحيا زمن تفتتح فيها سفارات إسرائيلية في دول عربية يغتال الفلسطيني على أرضها . وتدشن احتفالها بدم مئة شهيد فلسطيني شهد العالم إعدامه على الشاشات بدم بارد.

نحيا اليوم زمن التبادل العسكري مع إسرائيل . ونحيا اليوم زمن احتضان إسرائيل لجرحى النصرة وداعش، وشكر نتانياهو بعض حكام العرب العلني لدعمه له..

نحيا اليوم زمن دفاع الإعلام العربي عن إسرائيل جهارة ومنع التظاهرات من أجل فلسطين ورسم قبة الصخرة في المدارس.

ولى زمن أناديكم ووين الملايين ….فكيف لا …ولقد صارت أغنية المقاومة الرسمية في تلفزيون فلسطين هي إزرع تفاح إزرع زيتون.

كيف لنا أن نتوقع يقظة عربية في وقت هناك سبات فلسطيني متمثلا بسلطة تعيش بواد والشعب بواد.

كيف لنا أن ننتظر مظاهرات العرب ونحن في مدننا تزعج البعض منا مواجهات الشباب على الحواجز ، والبعض منا تؤرقه عبثية السكين .

كيف لنا أن ننتظر الجيوش العربية لتأتي وتنصرنا وتحارب من أجلنا بينما يختفي رجل الأمن الفلسطيني عند دك الدبابات الإسرائيلية للشوارع ، وعندما تفتك آليتهم وجنودهم بالمستشفيات وتخطف المريض والسليم وتسحل الشباب وتنكل بالأطفال وتهدم البيوت ..وأمننا آمن بنفسه بعيدا عن المواطن .

كيف لي أن أنتظر حاكما عربيا ليخرج بتصريح أو تنديد ضد ما يجري من قتل يومي للأطفال والشباب على آعين البشر. فما من بيان خرج ليطلب حتى رحمة الشهداء في تسليم جثامينهم لذويهم الثكالى. والسيادة الفلسطينية تعيش وكأن ما يجري في وطن آخر.

لقد خرج نتانياهو ليتحدث مع شعبه في الأحداث الحالية أكثر ما تحدث في حملته الإنتخابية . ورئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة التحرير الفلسطينية خرج علينا منذ الأزمة بعدد صفاته السيادية.

وجاء كيري وذهب كيري ولم نفهم ولم نسمع كلمة واحدة مفهومة ، الا ما خرج من كيري نفسه في التأكيد على لومنا وحث السلطة على تصويب أمر الشعب الذي خرج عن الطوع .وتخرج أصوات متمتمة بأمور يبدو أنه يتم الترتيب لها في مصيبة جديدة تكون أوسلو فيها حلم فلسطيني بعيد المنال ومستحيل الرجوع إليه . ترتيب نترحم بعده على ما فقدناه من أوسلو ومخرجاتها .

ثم نستقبل رئيس وزراء اليونان الذي لم يحرجه إعلان القدس عاصمة تاريخية لإسرائيل بسابقة لرئيس وزراء في أقل ما يقال تقع قنصلية بلاده في القدس على حسب “الوضع القائم” منذ ال٤٨ من قبل الأمم المتحدة،ونهلل في تصريحاته

المنافقة او الملفقة (العلم عند الله) عندما أعلن كذلك ان القدس “الشرقية” عاصمة دولة فلسطين الأبية.

هناك حديث هامس منذ مدة بتصريح “فلت” من الرئيس انه قريبا سيتم نقل المؤسسات الحكومية الى القدس. ثم يأتي رئيس الوزراء اليوناني ويتكلم عن القدس الشرقية العاصمة الفلسطينية ويصرخ عند إسرائيل بالقدس التاريخية عاصمتها الأبدية. وتفلت عبارات من هنا وهناك عن بضيع (تصغير لكلمة بضع : الوضع يحتاج حتى استحداث للكلمات) نسبة مئوية من الأرض يريد نتانياهو التنازل للسلطة عنها ، ويعاود سحب هذه الإشاعات طبعا بعد يومين معلنا انه لن يتنازل حتى عن سنتيمتر واحد. ثم لا نفهم كيف ، تعلن إسرائيل بعد لقاء كيري التاريخي العابر ، بأنها ستزود السلطة الفلسطينية بقطع أسلحة اكثر وتنسيق أمني متماسك بين الطرفين.

لا يحتاج التنسيق الأمني طبعا إلى اي تصريح ، فهو ثابت والكل شاهد عليه. للحق التنسيق الأمني هو أفضل إنجازات السلطة منذ ولادتها.

الهمس في التصريح بأسم القدس مؤخرا يبدو مريبا . هل هناك ترتيب لإعلان قدس عاصمة كما تم الإعلان عن فلسطين دولة في الأمم المتحدة؟

هل ستصبح القدس رمزا كما أصبح يوم التضامن من أجل القضية الفلسطينية يوم يتضامن فيه الفلسطينيون في رام الله من أجل القضية الفلسطينية؟

في ظل الصمت المريب من قبل سيادة السلطة الفلسطينية ، والذي قد يفهم منه كذلك هو صمت “قليل الحيلة” ، فبالنهاية ما الذي يمكن ان تخرج القيادة وتقوله لهذا الشعب؟ ينسحب البساط امامها ولا تزال في غيابات الفقاعة التي أقحمت نفسها واقحمتنا بها . وللحق لا أعرف أيهما أفضل: التصريحات المتخبطة ام هذا الصمت المتخبط. فحالنا تخبطه اخترق جدران الصمت حتى .

وبينما يسيل الدم الفلسطيني وسط إعدامات علنية في ظلم جديد للإنسان الفلسطيني في غياب الضمير الإنساني . تنشغل السيادات الفلسطينية بأشطار الوطن بالداخل والخارج ، مصالحة بين أقطاب قيادة رام الله مرجوة ، وكأن الوطن رهين مصالحتهم. وتوزيع أراضي لمن قرر والي غزة إرجاءهم تحت راية أولي العزم.

ودعوات لعقد مجلس وطني هذا ينادي بانعقاده بالداخل وذاك ينادي له بالخارج….

وعندما تصدر القرارات ….تخرج من أجل تحديد الأعياد الدينية وتنسيق لأغنية وطنية والتأكيد على إجازة قطف الزيتون وإعلان الدولة “المستقلة”.

ولا يزال الاطراف جميعها…. تلك التي لم تكن لتقم لها قائمة لولا طفل الحجر بالأمس. لا تستوعب أن حامل سكين اليوم لم يعد يرضى بهم .

لا يزال أولئك الذين اكتفوا بقطعة أرض يبنى عليها قصر او عمارة او فيللا ، وحسابات بنوك واستثمارات ومكتب خلفيته صورة الأقصى يرفرف علم فلسطيني على جانبه ، يعتقدوا بأن الوطن تصريح وتأشيرة وامتيازات .

لا يزال اولئك يعتقدون أن خطابهم ، عندما يخرجوا به …يسمع او يصدق به أحد.

الشعب اليوم يعي جيدا بأن المخاض لن يتمخض حتى بفأر كما بذاك الجمل.

بعد سنوات من تشكيل الأفكار في كيفية حصول المشاهد الحقيقية لحريم السلاطين، شاهدناها على الطريقة التركية والمصرية من خلال المسلسلات تباعا.دخلنا لنعيش النسخة الفلسطينية منها…

خرجت ارملة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن صمتها مؤخرا في حديث مع التلفزيون الإسرائيلي. لا بد ان خروج ارملة الرئيس الراحل الى محطة إسرائيلية ترتب عليه الكثير من الضغط، ولكنه غير مبرر، ومهما حاولنا التبرير، فلقد أطلقت على نفسها عيارا بالرأس. وربما علينا جميعا اخذ العبرة هنا، فعلى الرغم من كون ما قامت به السيدة سهى عرفات خاطئا جدا، الا انه يفسر الحالة العامة في الأراضي الفلسطينية من يأس حقيقي بما يخص دور السلطة بالحفاظ على امن المواطنين. ان تصبح إسرائيل هي ملجأ ارملة الرئيس الفلسطيني الراحل، ان عبر عن شيء، فإنه يعبر عن حجم الرعب والخوف الذي يعيشه الفلسطينيون في غياب منظومة قضائية وقانونية يمكن الرجوع اليها بنزاهة. فالحال على الأرض مرعب مع توغل الفساد والمفسدين في كل مناحي الحياة. 

عودة الى ما صرحت به السيدة سهى عرفات وتوجيه الاتهام في كل ما يجري من تهديدات على ما يبدو طالت عائلة السيدة سهى، حيث حملت المسؤولية لشخص بعينه وهو السيدة انتصار مديرة مكتب الرئيس الفلسطيني. وبدى الامر وكأنه حرب نساء. والرئيس كان بريئا وسط مؤامرة يبدو وكأن هذه السيدة هي التي تديرها. 

منذ تصريحات السيدة سهى عرفات وتهديدها بحرق الأخضر واليابس -على حد تعبيرها- إذا ما خرجت على الملأ بمذكرات الرئيس الراحل والناس تتكلم عن انتصار. من هي انتصار صار السؤال الأهم. 

كل من تعامل مع الرئاسة يعرف انتصار أبو عمارة وتأثيرها على القرارات وعلى كل ما يدور ويدار. توصف السيدة انتصار بأنها الرئيس الفعلي وان بيدها كل شيء، والاهم ان مرسوم الرئيس بشأن ديوان الرئاسة يدور حولها ولها وعنها- كما يقال أيضا-.

طبعا، تبقى الحقيقة كما نرى، وفق كلام نميمة – قيل وقال- لا نعرف عنها الا ما يخرج لنا من تهديدات الفرقاء في سلطة فتح وابتزازهم لبعض. 

لا اعرف لما عادت الى ذهني قضية ناجي العلي ورشيدة مهران التي يقال انها السبب باغتيال ناجي العلي. تخيلوا اننا تربينا على مفاهيم البطولة والشهادة والمقاومة ضد احتلال استعماري، ونستيقظ اليوم على حقائق مروعة يظهر فيها الاحتلال مجرد أداة لتصفية حسابات شخصية بين ارباب القيادة. 

وتبقى هذه القصص كذلك في عداد قصص النميمة الفلسطينية الممنوعة من التداول لأنها تمس بالرموز. وكأن القضية هي عبارة عن الرمز لا ما تحملها من واقع الحياة لشعب لا يزال يناضل من اجل التحرر من الاحتلال. وقد نرى هنا قوة الابتزاز عند التلويح بنشر الفضائح كما جرى في قضية ناجي العلي التي لوحت الحكومة البريطانية بفتحه امام العلن.

مرة أخرى نكتشف ان الشعب في واد والقيادة على مر زمانها في واد اخر. بل في عالم اخر لا يتصل بنا ولا نتخيل وجوده. وكأننا في حلم كلما طال تبين انه كابوس حقيقي. 

وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى نقع في فخ تحميل مسؤولية الكارثة التي نعيشها على شخص ما. وعندما يكون هذا الشخص انثى تصبح الحرب أكثر اثارة وابعد عن أصلها. فنقع جميعا بالتفاصيل التي لا ترتبط بأصل المشكلة. 

اليوم صار حديثنا عن “انتصار” و “سهى”، وفي كل يوم تتجلى حقائق أكثر عن المرأتين بطريقة أكثر فضائحية لينشغل الشعب أكثر بالنساء وكيدهن واساليبهن الملتوية، ونترك طبعا أصحاب المشكلة الأصليين كأنهم هامش. 

سواء كانت السيدة انتصار هي رأس حربة الرئيس أبو مازن او كانت هي الحربة نفسها، فالقوس الذي تحتاجه الحربة هو الرئيس نفسه. فلا مكان للسيدة انتصار ونفوذها وكل ما توصف به بدون الموافقة والمباركة والدعم الكامل من الرئيس. 

يتم وصف انتصار وكأنها الوحش الكاسر المسيطر وكأن الرئيس مجرد لعبة تتحكم هي به. إذا ما كانت هذه حقيقة لم لا تترأس انتصار حركة فتح، لم تحتاج ان تختبئ وراء الرئيس بينما تستطيع هي نفسها ان تكون الرئيس. 

طبعا، انتصار جزء مهم بهذه المنظومة، ولكنها لا تتعدى كونها سكرتيرة – مع احترامي للوظائف كلها وتشديدي على أهميتها الكبيرة. ولكن السكرتير في كل مكان هو من ينفذ أوامر رئيسه بالعمل، ولا يمكن ان ينفذ امرا بلا موافقته المطلقة. وإذا ما كان الرئيس ضحية انتصار الماكرة، فأين الناس الاخرين من حوله واين عائلته؟ 

معروف – ما يقال – عن الرئيس أبو مازن انه رجل عائلة. لا يسمح بأن يقترب أحد من أبنائه وعائلته. ورأينا ما جرى مرارا وتكرارا. فاذا ما اردت ان تسقط قائدا عظيما في فتح، كل ما عليك فعله ان تدبر له مكيدة او تسجل له جملة او تنقل خبرا للرئيس بأن ذاك القائد العظيم قد ذكر أحد أبناء الرئيس او عائلته بسوء. وانتصار مهما قربت ليست الا صندوقا اسودا في هذه الطائرة الرئاسية. قيمتها تظهر فقط عند تحطيم الطائرة. ولكن الأهم هو نجاة من في الطائرة وتأمينهم، والصندوق الأسود كما أجزاء الطائرة الى حطام. فما يهم  هو داخله، لا قدرة حفاظه على نفسه. 

ولنقل ان انتصار هي الشخصية النافذة التي يتم وصفها – وهي كذلك على ما يبدو- وهي بلا شك مسؤولة وجزء من منظومة الفساد التي نعيشها، فمن يصدر الأوامر ومن ينفذ لا يختلفان عندما نضع الأمور في ترجيحات الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة. في موضوع ديوان الرئاسة، هل المشكلة بالقرار نفسه وتفاصيل القوانين المنبثقة عنه ام المشكلة بكون انتصار صاحبة المصلحة او هي رئيس الديوان الذي نتكلم عنه؟ 

ما يتم تداوله من رمي مصائب ما نعيشه من فساد متفشي على ظهر شخص بعينه هو الكارثة، ولفتني أكثر، ولا اريد هنا، كما لا أحب الخوض في الأمور النسوية، لكن لا يمكن عدم ملاحظة ما يجري. فلو كانت انتصار منتصر هل سيكون الامر مختلفا في الهجوم؟ ان يتم تهديد او الحديث عن انتصار واخلاقها “المشبوهة” في سياق الربط بعلاقتها بالرئيس او غيره، والحديث عن بناتها وكأنه باللحظة التي يكون فيها الموضوع “انثى” تصبح الاخلاق في غيابها هي الأساس. 

انتصار مذنبة – والتهمة واضحة ومباشرة وجاهزة لكونها امرأة- في علاقتها بالرئيس. ولكن اين الرئيس؟ اليس هو المذنب الأول والاهم والاكبر فيه هذه المعادلة؟

انتصار- كما يقال- تحابي عائلتها في الوظائف، وتقوم بالسيطرة على موارد السلطة وتتحكم بالأموال المنقولة وغيرها، فهل تقوم بهذا وحدها؟ ما تقوم به من اتهامات ضدها – نميمة- لا يمكن لشخص واحد ان يقوم بها، انتصار جزء من منظومة لا يمكن ان تقوم بما تقوم به بلا موافقة كاملة من الرئيس ومع فريق كامل للقيام بكل ما يتم القيام به من اتهامات فساد. 

ولكن كيف لنا ان نفهم الفساد في عرف الرئيس الذي تحدى امام اهم المنابر الدولية بأن يكون هناك فسادا في السلطة؟

والامر نفسه على سهى عرفات. منذ ان فتحت فمها بتصريحها بشأن الامارات والهجوم عليها يخلو من اخلاقيات من يدافع عن قضية. وكأن مشكلة عرفات كانت بسهى. فلو كانت سهى بهذا القدر من المأساوية بحق عرفات، هل كنا سنراها وابنتها تعيشان في منفى؟ 

سهى كانت اول من دفعت ضريبة الفساد التي انشأها رئيس السلطة الأول. منظومة يتكلم عنها كل من يعايش ويعاصر ويتعامل مع “فتح” في إدارة كل شيء واي شيء. وما جرى بسهى سيحل بانتصار وعائلة الرئيس الحالي بلحظة غيابه، ولن يكون لهم وسط القيادة الجديدة مكان. لأن القيادة هي نفسها، تعيد تشكيل نفسها بنفس النهج والأدوات. بالنهج العرفاتي الذي يتم التفاخر به على السنة الكبار في فتح جميعهم، وكأن أبو مازن يختلف في شيء. 

المشكلة ليست في انتصار ولم تكن يوما في سهى وان كانتا جزء من المشكلة. المشكلة بالمنظومة المشكلة للقيادة الفلسطينية التي لا تتغير وتزداد سوء وقبحا مع مرور الزمن. 

انتصار وسهى ـ على سبيل المثال لا الحصر- تشكلان كما غيرهما من كل ربيب في السلطة ما نراه ونعرفه ونسمع عنه ونعيشه من منظومة ترتزق على السلطة ويكبر ليرى بنفسه القائد المفدى.

وان قلنا اننا نعيش في زمن لم يعد للحقيقة الا ان تتكشف وسط أدوات التكنولوجيا الحديثة، فهذا لا يغير شيئا الا مرارة شعورنا، لأن النظام الحاكم للقيادة الفلسطينية قادر على قصم الناس بين مشكك ومؤيد، ويستطيع ان يرمي في كل مرة بامرأة لتكون اضحيته. فكما تم استغلال قانون حماية المرأة واتفاقية سيداو لتجيير المجتمع في ذكوريته العارمة للالتهاء عما يجري من تمرير قوانين وتغييرات وسط قيادة تتسابق وتتزاحم وتتقاتل من اجل السطو على رئاسة قادمة، فاستخدام انتصار كأنها رأس حربة الرئاسة لا يختلف بعملية الالهاء الحاصلة. 

استخدام كل من سهى وانتصار في عملية تكسير الرؤوس الحالية من اجل التقليل او زيادة الفرص لكل من المرشحين الفرقاء بنفس الدائرة هو استمرار لما عودتنا عليه فتح.

مؤسفة حقيقتنا…

تابعت ما جرى مع السيدة سهى عرفات بعد تصريحها بشأن الامارات بقلق . فكرت لوهلة ان السيدة سهى ارادت الا تعيد الخطأ التاريخي الذي ترتب على وقوف زوجها الرئيس الراحل ياسر عرفات ضد الكويت اثناء احتلال العراق للكويت، والتي ترتب عليها مصائب وكوارث لا يزال الفلسطينيون يعانون منها. ربما رأت ان الاندفاع نحو عداء الامارات بهذه الطريق سيجلب الضرر على الفلسطينيين بالخليج كما حصل قبل ثلاثة عقود. وربما هي على حق . وربما يقول قائل ان ما اقترفته الامارات بحق الفلسطينيين اكبر من ان يلتفت المرء الى مصلحة بعض الفلسطينيين حتى لو كانوا الاف العائلات بالخليج والامارات تحديدا. الحقيقة انني رأيت موقف السيدة سهى بالموقف العاقل، ولكنه بدا وكأنه غريب بعض الشيء لاننا قل ما نسمع منها او نعرف مواقفها. والحقيقة اننا كذلك لا نعرف اي شيء عن عائلة الرئيس الراحل الا القليل جدا جدا. وفي زحام ما يجري من تحالفات الاضداد بدا كذلك تصريحها اكثر غرابة. وقد يكون تصريحها به بعض المبالغة باستخدام مصطلح الشرفاء بالتعبير عن رفض الهجوم على الامارات ، والذي اؤيدها بأنه هجوم صبياني بلا ادنى تحمل لمخاطر و تبعات ، وما يظهر من هجوم يختلف عما يجري في الغرف المغلق والتي كانت المكالمة المسربة لابي مازن تشكل اكبر دليل على ان ما يتم الظهور به بالعلن ليس كما تبطن به الامور. ولكن هناك شرفاء كثر رفضوا التطبيع من حيث مبدئيته وهذا حق . لكن ما يجري لا يحتاج الى الكثير من التحليل ، فيبدو ان موضوع تطبيع الامارات وغضب السلطة الفلسطينينة مرتبط بتغيير اللعبة السياسية الداخلية من حيث مشروع السيطرة على القيادة بعد رحيل ابو مازن (بعد عمر طويل) . تطبيع الامارات اعطى قوة لمنافس السلطة اللدود محمد دحلان، وكأن الاتفاقية تصب بمصلحة دحلان مباشرة من حيث تقوية وضعه كمرشح بديل لابي مازن باحتمالات مضاعفة. فما نشهده منذ اشهر وتزامنا مع اعلان حالة الطواريء حرب خفية وعلنية بين الفرقاء المتفقين في فتح ضد الدحلان على من سيكون الرئيس القادم في لحظة فراق ابو مازن للحياة. التسليح الخفي والجلي، التسابق على فرض السيطرة والقوة لجماعة هذا على ذاك وهكذا . الانفلات الامني الواضح. قمع الناس وتكميم الافواه. وعليه اصبح اعلان التطبيع الاماراتي مع اسرائيل كفرط المسبحة ، خرّب الحسابات كلها لتصب في مصلحة الدحلان . وهنا ، يبدو تصريح السيدة سهى وكأنها تأخذ جهة تحالف اخر ، ومن الممكن جدا ان يكون استخدام ابنة ياسر عرفات كرأس حربة في معركة من سيستولي على القيادة القادم. على الرغم من انه لا يوجد من يأبه بالفعل للشعب ، الا انهم يعرفون جيدا انهم يحتاجون للشرعية من الشعب ، وكل من يطرح نفسه كرئيس قادم من دائرة فتح المركزية يعرف تماما ان الشعب لن ينتخبه ، وعليه يحتاج كل منهم الى وجه اكثر قبولا على المستوى الشعبي ، وقد تكون عائلة عرفات هي اكثر قبولا من غيرها…. او هكذا فكروا حتى رأينا ما رأيناه من هجوم عنيف ضد سهى عرفات. ولكن باعتقادي ان سهى عرفات اصابت في مقتل ، وهنا في مقتلها هي، عندما صرحت ما صرحت به للقناة الرسمية الاسرائيلية . افكر انها كانت تستطيع ان تقول ما تريده لاي قناة عربية اخرى، والقنوات التي لا تحب السلطة وخصوصا خارج فلسطين متاحة. ما قالته كان يمكن ان يكون اكثر تأثيرا لو قالته بحوار او حديث صحفي بلا غضب ومحطة اسرائيلية .قد اتفهم حالة الغضب ، ولكنها ليست شخصا عاديا ، وبالنهاية ما قالته كان موجها لابو مازن ، كيف تطالب او تناشد ابو مازن بحمايتها من زبانيته من خلال تلفزيون اسرائيل ؟ افهم ان السيدة عرفات قد تعرف ان ابو مازن يشاهد ما يبثه التلفزيون الاسرائيلي ويأخذه على محمل الجد اكثر ، وهنا افهم ما قامت به سهى عرفات . ولكنها اخطأت بالتأكيد واضرت بنفسها وبمكانتها عندما عبرت عما تريده من خلال اسرائيل. مع الاسف ، لم يعد لما قالته اهمية ، سواء مذكرات عرفات وفضحهم وما تتلقاه او لا تتلقاه من معاش وتهديدهم لعائلتها … مع الاسف كذلك، هي سكتت عن مقتل زوجها ورضيت- يمكن ان يكون ذلك بالاكراه- بما قدموه لها سواء بمعاش شهري او مناصب رسمية لافراد اسرتها ، ومن الطبيعي ان يهددوا ..وهي بالتأكيد الاعرف بهؤلاء سواء كتب ياسر عرفات مذكراته ام لم يكتب. هي اختارت ان تنأى بنفسها وحياتها بعيدا عن رام الله – او هكذا نفكر- ولم نعرف عنها وعن ابنتها الا القليل القليل ، نعم قد نكون مقصرين بحق ارث الختيار يترك زوجته وابنته لتعلكهم الافواه التي تعتاش على الاجترار ، ولكن لا يمكن لوم الشعب كثيرا لهذا الاغتراب ، فما لا نعرفه اكثر بكثير مما نعرفه، وعليه نعبر فقط عما نراه ونحكم عليه، ولهذا تكون احكامنا قاسية وغير عقلانية ومجحفة. لو كنت مكان ابو مازن وسلطته الآن لاتعظت مما يجري مع ارملة الراحل ياسر عرفات. الغضب والاستياء الكامن في اعماق الشعب عميق لدرجة لم يعد الانسان يأبه لرمزية الامور. واذا ما كان هذا الغضب منعكسا على عائلة الشهيد الرمز ، فكيف سيكون مصير عوائل الاخرين اذا ا تركوا لغضب شعب ساكت على مضض؟

تكميم الافواه واضطراب الحكومة 

لم اعد أحاول ان اكتب من اجل تصويب ما بنهج السلطة او تحسين الأداء في أماكن الخطأ. فلقد وصلنا الى قعر الحضيض وما نحتاجه تدبر في كيفية الخروج من هذا القاع، قبل ان ننتهي الى اختناق او انهيار يدفننا احياء. 

لم أعد حتى أفكر بنشر المقالات على وسائل الاعلام لأنني لم أعد اميز ما هو المسموح وما هو المحظور. فصرت جزءا من الية التكميم او الحظر الذاتي. وكما دوما، نحتاج هذه الفترة لتكون ربما استراحة محارب، او انهزام محارب لا يهم.

ما يهم هو مكاننا في هذه اللحظة التي يبدو وكأنها ستخرجنا من التاريخ. 

عند بدء ازمة الكورونا، اعجبتني عبارة منشورة لإحدى الصديقات تقول فيها: نحن امام مرحلة اما سندخل فيها التاريخ او نخرج فيها من الجغرافيا. وبما ان كل شيء اختلط، وأزمة الكورونا امتزجت مع الازمة السياسية لطول امدها. أصبحنا وكأن ما يحدث معنا مآله على الأرجح بالخروج من الجغرافيا. 

من السهل لوم السلطة ومن البديهي. ولكن أصر كذلك اننا والسلطة في نفس المكان من تبيعة ما يحصل. فلقد وصلنا الى مرحلة القاع، وفي القاع لا يهم من هو المسؤول أكثر. كلنا في نفس القاع ونحتاج ان نفكر كيف نخرج سالمين او بأقل الاضرار. ولكن ما يحدث هو ان النجاة تحولت الى مشروع فردي لانعدام الثقة ما بيننا وبين السلطة. فبينما نصارع نحن الشعب من اجل بقائنا في هذا الوجود، تصارع السلطة من اجل بقائها علينا. فبقاء السلطة مرتبط بالصعود علينا، وبقائنا مرتبط بمحاولاتنا الدائمة للبقاء نفسه. 

وهنا نقف امام ما تقوم به السلطة من اجل بقائها. أنا على يقين ان الشعب في معظمه مثلي، استيائه من السلطة وادائها كان دوما يصب في مكان الأسف والتمني بتصويب الأحوال. ولكن ما اعاني منه اليوم وغيري، هو كذلك ما يعاني منه المعظم من خوف ورهبة وتهديد حقيقي لم يعد مجرد هاجس او حرص زائد. وليس القول بأن تكميم الافواه هو أسوأ ما يمكن ان يمارسه نظام على شعب بالقول المبالغ فيه. فحرية التعبير تمثل المجرى الامن للشعوب والأنظمة، وسدها واغلاقها يعني طفح وتفجر وفيضان. 

ولكما ضاقت افق التعبير ومساحاته، كلما ازداد وعي المواطن حتى لو ظهر غير ذلك. وقد يكون هذا الوعي سلبيا كما نرى اليوم من ممارسات يومية وظواهر اجتماعية جديدة لم نعتد عليها، من عنف وقتل، واستهتار، وتسيب. نعم تستطيع الحكومة ان تقمع الافواه من التعبير، ولكنها تترك المجال للتعبير عن النفس في سياقات أخرى، حتى صارت الجريمة والعنف والقتل أسهل من التعبير عن الرأي. 

وعليه، نحن نعيش بلا شك في الأسوأ. 

ما تقوم به أجهزة السلطة من مطاردات وترهيب وتهديد واعتقالات يجعلها بأسوأ احوالها بلا شك. وكأنها انتقلت من مرحلة إطلاق النار على الأصابع الى مرحلة إطلاق النار على الصدر. وهذه عملية تدمير ذاتي بجدارة. فالسلطة تحول بهذه الممارسات المنتقدين لها الى أعداء. وشتان ما بين الانتقاد والعداوة. وكأننا ينقصنا فرقة أكثر وعداوة أكثر في هذا الوطن. 

استخدام السلطة لحالة الطوارئ واستغلالها من اجل تنفيذ مخططات لا أحد يعرفها الا اربابها، وعليه يصبح تكميم الافواه بلا حساب ولا سؤال حيث يصبح القانون هو الغطاء لهكذا ممارسات، لا يمكن وصفه الا بكبس زر الدمار الذاتي للسلطة. كما يقال، ان الشمس لا تغطى بغربال. فالفساد لا يمكن ان يسود مهما طال الوقت ومهما كثر الظلم. لأن الفساد لا يؤذي فقط المتضرر ولا يعود بالفائدة فقط على الفاسد. ان أثر الفساد كانتشار الوباء، لا يمكن ان يكون مسألة فردية. انتشاره يستفحل بكل مكان وبالتالي يفسده. فمحاربة الفساد واجب لو كانت السلطة تملك أدنى درجات الذكاء لاستخدمت المنتقدين كسلاح لها لا عليها. التاريخ ترك لنا الكثير من العبر. حتى في أكثر الأنظمة قمعا، كان هناك فسحا للتعبير تسمح به تلك الأنظمة. والأنظمة الدكتاتورية البوليسية تملك بالعادة اليات ومعدات ومساحات من الأرض والبشر تستطيع ان تخفي جرائمها وتتنصل منها مؤقتا، الا ان في حالنا الفلسطيني، فلا ماكن لجريمة او فعل بالتستر والاخفاء طويلا. فاذا ما همس أحدنا سمعه اخر. والناس هنا تعرف بعضها، فليس من السهل إرساء صفة العمالة والتخوين وصقل كلمة اجندات خارجية وداخلية على الناس. فأن تصل الأمور بنا ان يصبح من يعارض ممارسات السلطة وافعالها وفسادها بالخائن والكافر وصاحب اجندة عميلة جعلت من السلطة نفسها خارجة عنا. فكما تتكاثر الاختلافات والخلافات لتصبح عداوة بيننا، تتزايد الأسباب في تعارض المصالح وتضاربها فتتقلص فرص السلطة بتعاضد الناس حولها. 

لا يمكن الا يكون أصحاب السلطة قد لاحظوا كم الاستياء الحاصل منهم. الشعب نفسه لذي التف وراء السلطة بتعاضد غير مسبوق بداية ازمة الكورونا، هو نفس الشعب الذي تنافر في تباعد غير مسبوق كذلك عن هذه الحكومة. والأسباب واضحة وجلية تتمثل بالإضافة الى عجز الحكومة عن تأمين ابسط احتياجات الناس في ظل هذا المصاب العالمي، علنية التلاعب بالقوانين وبالتالي الفساد، والتعامل مع كل من ينتقد او يحاول الدق على الخزان كعدو. 

حالة الاضطراب التي نعيشها منذ أشهر، والتي لا يمكن عدم ربط وجود حالة الطوارئ بها، كسرت ثقة المواطن بالحكومة وجعلتها حكومة فاسدة بلا مواربة. وجعلت من الماسكين على جمر الحريات ابطالا. فكان هؤلاء بضعة اشخاص نتفق معهم ونختلف معهم. نحبهم او لا نحبهم. تعجبنا طريقتهم بالتعبير او لا تعجبنا. نضحك مع كلامهم ونصفق لهم ونقول في سرنا او علننا انهم ينطقون بما لا نستطيع التعبير عنه، ثم ننساهم بعد ساعة ا ويوم. 

ما جرى من تكميم للأفواه يبدو وكأنه ممنهجا خلق من الناس التي كانت ترى في نفسها مجرد أناس تقف امام كلمة حق وتعبر عنه من اجل مصلحة عامة كلنا جزء منها. أناس يؤمنون بأن الحرية حق بديهي، والوصول اليه هو شرع وجودنا كشعب، ومن نشأ على فكر مقاومة الاحتلال لا يمكن له ان يقبل بالقمع وتكميم الافواه.  نحن شعب نتصدى لاحتلال عسكري هل يعقل ان نركع امام اعلاء كلمة حق وان نخضع لفساد؟ 

حاربت السلطة الشعب بتكميم صوته واستخدمت كل ما تستطيعه من ترهيب، سواء بالاعتقال او المطاردة او التعدي على الممتلكات سواء بالحرق والتخريب، او التعرض للناس بأرزاقها.  ولكن بالمقابل، اسدت لهؤلاء خدمات تفوق قيمته الخسارة الجسدية او المادية، فلقد جعلت من هؤلاء ابطالا حقيقيين في معركة وجودية جديدة، يخلدهم التاريخ حتى لو أخرجت السلطة ومن عليها من الجغرافيا. 

youtu.be/PYT3yu-97gU

#كلنا_نزار_بنات

#حملة_انشروا_فيديوهات_نزار

بتمنى عمل مشاركة لفيديوهات نزار بنات تحديا لقمع حرية التعبير واعتقال نزار .

يمكن نزار يكون اكثر حظ من غيره من اصحاب الجرأة على التعبير ورفض الفساد اللي ما سمعنا عنهم. واليوم نزار بيمثل هؤلاء وبيمثلنا لانه الوضع الحاصل خلانا كلنا نكون نزار. اما مطاردين او مقموعين او مدعوس على روسنا وارزاقنا او مهددين او معتقلين … او مقتولين … الفلتان الامني الحاصل هو نتيجة حتمية لفساد متفشي.

ولحد ما نزار يطلع من المعتقل راح نشارك يوميا بفيديوهاته اللي هلقد قدت مضاجع الفاسدين. #فسدنا_من_كثر_الفساد. #خلص_بكفي .

هل تبقى استانبول المدينة الأبدية؟

ما يستحضرني عندما أقف باستانبول هو كلمة “ابدية”. لا أستطيع القول أنّ استانبول قد تحتضنني، ولا أعرف إن كنت أرى باستانبول الحب والعشق الذي ترتبط به بعض المدن. ولكن هناك أبدية بهذه المدينة تجتمع بها الحياة والموت، الجنة والنار، فيتماهى كل ما تراه بأبدية مطلقة. 

مدينة تقف أمامها وترى على حافتيها النقيضين وكأنك تقف على ميزان: الغنى والفقر، الشبع والجوع، الابتسامة الاخاذة واللؤم المقيت. 

مدينة تتوسطك وكأنك ببوصلة محكمة للشرق والغرب معا. 

في كل مرة أزور استانبول تتفتح امامي المدينة من جديد وكأنني أراها لأول مرة. عشرات الزيارات، ولا أقترب حتى من التعبير عندما أقول أني لا اعرفها. في كل مرة، أقف أمام مدينة جديدة كلياً. 

قد تغيب عني الكثير من الكلمات. وقد اتعمد إسقاط بعضها، ولكن تبقى كلمة وحيدة دائماً تتسم بها هذه المدينة: الجمال. 

الجمال هو ما يرافقك مع كل وجهة تنظر اليها، سواء كانت وجهتك البشر او الحجر. 

جمال الرجال والنساء، أناقتهم وحضورهم.

 جمال الابنية والاقبية والزقاق والشوارع. 

جمال يخطف الأنظار بالنهار، وجمال يبهرك بالليل. 

جمال للاندماج العجيب بين الاشكال والألوان من بشر وحجر وحتى حيوانات. 

ونظافة لا تفارق انطباعك مهما طالت مدة اقامتك أو قصرت. 

ولكن… هل هناك جمال في الفقر؟ 

قد تكون خانتني بعض الصور حتى، عندما اعدت النظر اليها، بينما حاولت استرجاع شعوري بالبؤس الذي رأيته بأحد الاحياء. لم أصدّق الفقر الذي رأيته بأمّ عيني. لم اصدّق ان للفقر بالفعل نظرة جامعة، لا يهمّ إن كان بؤس الفقر من غزة او كابول او صنعاء او استانبول. لا يهم ان كان هذا الفقير المقيم باستانبول من حلب ، او انه يتضور عطشاً كما جوعاً بهذه اللحظة بالحسكة.

وقد أقول في نفسي ربما، ان اللغة هي التي جعلت مشاعري اكثر احتداماً، فكانت رؤية طفل سوريّ وسط عائلته التي تتوسط عوائل مشابهة بالظروف والتفاصيل لحياة بائسة هربا من حياة عادمة قد أفرطت في نفسي المشاعر. فبعد كل هذا، الحياة لا تبدو مسلسلا تركيا مهمّا عكس بعض بؤس الحياة، لأن الواقع آخر. 

ولا يهم ان كان هذا الفقير سوريا يكون لسان حاله دوما “حلب” عندما تسأله من أين أنت، ام كان تركيا، صارت سورية وحلب اصطلاحا مهما باستقطاب استعطاف السائل من قبل المتسول.

ولكن كما قلت فان الصور حتى خانت احاسيسي، ولم ار بها البؤس الذي شاهدته عيني وكظمت مشاعري عندما رأيته. وكأن البؤس في تركيا حتى مختلف. ترفض الصور الا تجميله. كما يستمر رئيس تركيا بمحاولة تجميل افعاله من تغيير معالم الدولة الى إسلامية الطابع، واستعراض انتصارات إعلامية بينما يموت الناس عطشا في الحسكة بسبب ما يقترفه من قطع المياه عن المدينة، ويعلن اكتشافات بينما الناس في مدينته المفضلة يستلقون جياعا على عتبات المساجد التي تتزايد بين بناء وبين تحويله الكنائس إلى مساجد.

على مدار سنوات كثيرة من زياراتي لهذه المدينة، ويلفتني الانفتاح الذي يعكس نفسه مع كل التفاتة . فالبشر هنا أقرب للحرية والتحرر. قد تكون نظرة المفكر المصري احمد امين للأتراك قبل ما يقرب القرن لا تزال هي الأقرب لتجسيد حقيقة تركيا في حداثتها ، فكان ما لفت احمد امين في زيارته لتركيا في النصف الأول من القرن الماضي وكتبه في مذكراته هو سفور النساء ونظافة البيوت والشوارع. كنت اعتقد حتى لحظة قراءتي لتلك الكلمات أنّ السفور أمرا عائبا، لأفهم معناه لأول مره من منطلق آخر كلياً. انّ السفور مرتبط بالسفر، وان السفر مرتبط بالانفتاح، والانفتاح مرتبط بالتحرر، والتحرر هو مفتاح الحرية. 

ولكن هناك ما تغير بالمدينة، بين هذا الكمّ من الفقر الذي رافقت مشاهده باللاجئين السوريين، وبين مشاهد التديّن او الأسلمة التي يحاول الرئيس التركي فرضها بسطوة لا تخلو من الكثير من الألاعيب السياسية التي يجرّ بها تركيا وناسها اليها.

كان موجعاً رؤية الاكتظاظ للصلاة في آيا صوفيا لجموع المسلمين بحراسة مدججة للآليات العسكرية التي ذكرتني بواقعنا هنا بفلسطين. “حراسة” العسكر لأماكن العبادة لا أمن ولا سكينة بها: لو كان هذا العسكري عدوا او صديقا. كان المشهد اقرب لما نعيشه عند الذهاب إلى المسجد الأقصى والعتاد العسكري الإسرائيلي يقرر دخولنا او عدمه، يستقبلنا عنوة للصلاة في مسجدنا.  

ولا اعرف ان كان هناك إجحاف في المقارنة، ولكن لا أستطيع فهم ما أراه بغير هكذا ربط: أيعقل أن تزيد المساجد ويزيد الفقر؟ 

هل هناك علاقة بين الأسلمة الحاصلة وتغيّر النفوس ونظرات العيون؟

اين الإسلام الذي نشأنا عليه من الإسلام او التأسلم الحاصل اليوم؟ تربينا على ان الإسلام تسامح وتسليم وعتق رقاب وزكاة للمحتاجين. أين الإسلام مما يمارس اليوم؟  

اذا ما عشقت تركيا لشىء، كان هذا الشبع في عيون رجالها. فلا اذكر مرة رمقني أحدهم او بناتي او رأيت مشهدا لتحرش أمامي. ولكن كان من الملفت جدا هذه المرة هو نظرات العيون المليئة بالشبق والفضول. كان لسان حال ابنتي يقول: اشعر وكأنني بوسط البلد في مكان شعبي. وكان هذا بالفعل هو الشعور. عيون تلاحق الانثى بكل ما ظهر من جسدها وما لم يظهر. شعور بالارتياب من المشي في الشوارع خشية تحرش ما. زقاق تقسيم وكأنها كشفت عن وجوه أخرى لها، وجوه تشبه ما نألفه في مدننا من انغلاق ونظرات للأنثى وكأنها مرصد لشبق رجل. 

اهي السياحة؟ هل كان الانفتاح الذي نراه في شوارع المدنية الشاسعة هو انفتاح “السياح” لا الاتراك انفسهم؟ 

هل من علاقة بين البطالة والفقر وازدياد المساجد؟ 

كان أكثر من ملفت، أن يتوسّط المدخل إلى مطار استانبول الجديد مسجد ضخم لن يستطيع الوصول إليه احد. لا مسافر ولا مغادر ولا مواطن. 

لم أستطع إلا أن اسأل نفسي، الم يكن فقراء تركيا وفقراء من يقيمون على أرض تركيا أولى بأموال زهقت في بناء مسجد؟ 

أسلمة تركيا بطريقة اردوغان هي الأسوأ بنظري… 

فلا يمكن الا يلاحظ الانسان الواعي ان ما يجري ليس الا استغلال سياسي باسم الدين. وكأنه يجسد لنا بالفعل مقولة ماركس بأن الدين هو افيون الشعوب. 

هل كان المقصود من الأفيون هو حالة التيه والانهزام الذي تشاهده على حواف الطرقات وعند حدائق المساجد الممتدة لأناس فقدوا بيوتهم على ما يبدو وأرزاقهم؟ لوهلة ذكرتني استانبول بسان فرانسيسكو- وسط البلد- عندما تتحول شوارعها مساء الى أماكن نوم لفاقدي البيوت والمتسولين. من اين جاء كل هذا الفقر بمدينة تبنى فيها كل هذه المساجد؟ 

سؤالي ليس حصرا عن استانبول واولوية الأنظمة ببناء المساجد على توفير سكن للشعب. فهو مشهد يتكرر. 

من ناحية، اعترف بأنني اشعر ان بناء المساجد مهم. فهو بالمحصلة انعكاس لحضارة الشعوب وتثبيت للمستقبل. في الامارات مثلا، تشاهد المساجد ولا تلبث تفكر أنه إذا ما استمرت وتيرة البناء بهذا الشكل، سيكون بالنهاية لكل مواطن مسجد. ولكن، تنظر حولك وترى انفتاح “بنائي” على كافة الأصعدة. فلا ضير من تسابق معماري يدخل فيه المسجد كذلك في بلاد لا تنقصها الأموال ولا المساحات، ولا ترى الفقر امامك. والحقيقة، أنك قد لا تهتم كثيرا، فهناك سباق لبناء حضارة غير موجودة اكثر، فمهم ما يجري من سباق بناء. 

ولكن في تركيا… باستانبول تلك المدينة الأبدية، كم من جامع جديد تحتاج اليها المدينة؟ لا يمكن الا ان تفكر بهذه المدينة بسياق من يمشي بها ويعيشها وما يقف عليها من مباني. فهي مدينة حاضرة بسكانها وحجارتها. لا يمكن ان تغض الطرف. فناسها سواء كانوا ابناءها او لاجئين اليها او سائحين بها يصبحوا بلحظات تواجدهم بها جزء منها. تأخذك هذه المدينة اليها. تنسجم بداخلها وتعيش بها وتتنفس عبقها فتأسرك في أبديتها. 

 

 

رحل المفكر والفيلسوف الايطالي امبرتو ايكو ، وسبقه بايام الصحفي والمفكر المصري محمد حسنين هيكل . وبينهما رحل الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس غالي.

ثلاثتهم عاصروا القرن الماضي مع بدايات ازماته وكانوا بلا شك جزءا من الحراك سواءا بالمواجهة او المجابهة.

وثلاثتهم بطريقة ما تم بلعهم وسط السلطات …اكان بوعي ام لا ..ليس مهما . فهناك مما لا شك فيه مكيدة تعرف السلطة حيكها في الاغواء .

اذكر عندما كنت صغيرة ، كتاب لهيكل . كان ضمن الكتب المعدودة التي احتوت قراءات امي . فكبرت وهذا الهيكل يشكل هامة بالصحافة والتحليل السياسي الذي يتوقف بعده الجميع . وعندما وعيت اكثر ، لم يكن ما عهدته في زمن امي … لكنه بقي مؤرخا شاهدا على مجريات العصر وتقلباته وتفاعلاته. كنت اتساءل ، كيف يعرف كل ما يعرفه ، ولا يوجد هناك تأثير حقيقي للصحافة .

وبطرس غالي كان مثالا اخر لي في صغري . رجل عربي في الامم المتحدة . لا بد ان بوجوده سيكون للحق ترجيحا ما بقضيتنا الباحثة عن عدل. وانتهى غالي ولم تنته القضية . وكنت اسمع ومن ثم احيك المؤامرات مع نفسي مما اسمعه عن المؤامرات . اكان السبب زوجته يهودية الاصل؟ ولكني كنت كذلك احلم بفكرة “الولايات العربية المتحدة” التي طرحها وانتهي ليكون فيما بعد كذلك، حافظا لعصر شاهد عليه …ولم يكن لوجوده اثر ولا لمكانته تأثير مقابل جل ما عرف وشهد.

اما ايكو ، فلم تكن اهميته لي بسبب الرواية الاشهر له “اسم الوردة” ،ولكن كتبه النقدية ومقالاته هي التي دائما ما اثارت قريحة المعرفة عندي. هناك نزعة فلسفية معاصرة احسستها دائما بنهجه ،جعلتني دائمة الفضول نحو ما يكتب. وطبعا ، احببته اكثر عندما كتب بالشأن الفلسطيني الاسرائيلي .

كنت ولا ازال ،اكن الكثير من التقدير للكاتب والانسان الذي يكرس القضية الانسانية بعدالتها ويجعل منها قضيته . سواء كتب بموضوع محدد ام لا . سواء كان نقاشه ادبيا بحتا ، او سياسيا بحتا ، الا ان هناك ما تلمسه وبوضوح جلي بالنزعة الانسانية في كلماته .

لذا .. كان ايكو ممن نصبتهم ابطالا في عالم خيالي الادبي ، واجلسته على نفس الطاولة المستديرة مع نيتشة وكازانتزاكس وجبران وساراماغو وارسطو وابن رشد وحسن البرغوتي وغيرهم في قائمتي غير المتناسقة لمن لا يفهم نزعتي الخاصة بأنسنة البشرية.

هيكل لم يكن ممن اثاروا فضولي .. فلقد تحول للاستاذ الكبير والاكبر بالتقادم وبتقربه وعي او بلا نحو رجال السلطة ، وفي نظري صار ممن يمثلون السلطة .

افكاري هذه القاسية ، لا تبنى بالضرورة على وقائع . فقد يقدم الرجل اعظم ما يمكن تقديمه للعالم . ولكن يكفيني كلمة زالة ليصبح وكلامه هباءا منثورا .

مرت عني مقالات هيكل في زمن وعيي للقراءة بلا توقف ملفت . مقالات وكتب مهمة عن حرب ٦٧، قناة السويس، عبد الناصر، المفاوضات السرية والمعلنة، التداعيات المختلفة في عالمنا العربي، هو وكيسنجر ، الثورات ، عهود الملوك والعسكر . كنت اتساءل عما افقده في عدم اهتمامي بهذ الرجل في كل مرة كنت اقرآ تقديمه لكتاب لكاتب احبه ، كادوارد سعيد ومقدمته في “غزة-اريحا” ، او نوعم تشومسكي و:ماذا يريد العم سام” ، ورجيه جارودي في “الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية” .وكان اخرها الحلقات التي بثتها قناة الجزيرة “مع هيكل” ، والتي حدث فيها عن الحاضر السياسي ورؤيته لمستقبل الصراعات في المنطقة.

في يوم من ايام القدس الثقافية ، والتي يتباهى الكتاب في المجيء اليها لعرض اخر منتجاتهم الادبية ، حل امبرتو ايكو ضيفا على المعرض . تلك الاشكالية التاريخية الاخلاقية اليوم .كيف يأتي كاتب مخضرم اعماله الادبية والفكرية فيها تصريح واضح لحقوق الانسان والعدالة ليأخذ جائزة او يشارك في احتفالية حتى ولو كانت ادبية في بلد محتل . كيف تتكلم امام من ينتهكون حقوق الانسان ، وانت ممن ينتقد هذا بجرأة؟

كان كتاب “مقبرة براغ” ، والذي تحدث فيه عن المؤامرات التي حكمت التاريخ الانساني . جرائم الكنيسة والغطاء خلف التدين .ارتكاب الجرائم بالنهار واضاءة شموع المناولة بالليل . تناول موضوع بروتوكولات صهيون . كتاب اعتبر من اهم تحف ايكو الادبية . ولم يكن ليمر بسلام لدى القاريء الصهيوني الذي احس وبسرعة بانه ممن اشير اليه بالتورط بالمؤامرات الكونية على الانسانية . ومع هذا تم تكريمه عليه من قبل الجالية اليهودية في القدس .

لم اكن بعيدة في تبريراتي لشأن المقاطعة كل البعد عن تبريزات ايكو نفسه بالزيارة . فكان لقاؤه بالنسبة لي لقاءا تاريخيا . فهو احد المختارون من الاهم في مكتبتي ، وكتبه لا تخلوا ابدا من برنامج قراءاتي. وبررت دعوتي بأنني سأكون ضمن الجالية الايطالية . لم يكن هناك شأن اسرائيلي . والحقيقة ان هذا ما كان . فلقد كان اللقاء على هامش المعرض في عشاء خاص للجالية الايطالية . ولعلم القنصل العام (الذي كان صديقا مقربا لي) بشغفي بايكو استغل الفرصة لدعوتي معهم.

جلست استمع لكلامه ، وكان الانبهار يتناثر . مهما قال من كلام .كان هناك حقيقة واحدة. كيف تبرر وجودك هنا ؟ كيف تتماهي معهم بنقاش عن الحقوق والعدالة والانسانية وانت تعرف تماما انهم ينتهكونها من نفس هذا المكان ؟   ولا انكر ان بكلامه كان هناك نقدا مبطنا للصهيونية . كان قد بدا عليه الخوف والتوجس . فهذا الكتاب كان به اتهاما له بمعاداته للسامية . وكنت انا هناك .

مما لا شك فيه ، انه لم يخطر ببال ايكو ان فلسطينية ستكون بين تلك المجموعة . فاثار سؤالي الاضطراب في نفسه . عندما وجهت له ما تساءلت به مع نفسه .

بتلك اللحظة فهمت معنى التهاوي نحو السلطة . ولم اغضب منه ولم اكرهه. ولكنني ارجعته الى انسانيته العادية الطبيعية . مسلمة ان الانسان بطبعه الضعف . والسلطة مفسدة . حتى ولو كان عبق الكتابة هو ما يزين افاق الانسان .

كان كتابه الجديد بحوزتي مع العديد من الكتب الاخرى لاحصل على توقيعه . التفت الي صديقي الايطالي متباهيا بأن احضر الكتب ليوقعها ، ولكني كنت قد اخفيتها في ظلمة حقيبتي . لم ارد توقيعه .

قد يكون ما جري فيه الكثير من المبالغة من ناحيتي . الا اننا تبادلنا نظرات كان في مجملها اعتذار لضعفه . لعدم تماسكه الاصيل بين ما يكتب عنه وبين ما يقوم به . على الرغم من نقده الحاضر . الا ان وجوده كان من المستحيل ان يكون مبررا … له هو تحديدا . لانه لم يكن رجلا عاديا . فلقد كان مفكرا حقيقيا ..تناول هذه المواضيع مباشرة وغير مباشرة .. فلما اهوته سلطة لا يحتاجها ؟ لما خاف من معاداة لما ما ليس فيه ؟ لما ارتعب من الحق ولقد كان حاملا شعلته ؟

ليس هباءا ان “الكلمة” هي اصل هذه الحياة . ان بالكلمة تخرج المعاني الى النور . ان النور فتيله كلمة….

الكلمة حق لا يمكن الرياء فيه ….

وقع هؤلاء الكبار في فخ الرياء بلا قصد ربما … ولكن بإغواء من السلطة ونحوها …فتهاووا…. حتى صار كلامهم هباءا منثورا ….

وماتوا اليوم …. وقد يكون لكلامهم فقط وجود يمكن لملمته في لحظة انتهى دورهم وبقي كلامهم ليكون كلمة حق لم تستطع اجسادهم بحياتهم الدنيا عكسه… فلقد رفع الجسد وبقي القلم لتكون الكلمة هي الاساس.

ها هي حياتي تقترب من اقفال نصف قرن.

شعور غريب… كم كبرت

سنة أخرى بانتظار هذه القفلة لنصف قرن من الزمن.

مع تزايد سنوات العمر تقل الاهتمامات بما كان هو الأهم في السابق. 

اتأمل المشهد حولي وأفكر بكم تغيرت..

كم جميل ان نكبر لنتغير أقول في نفسي بتأني. 

أتذكر عدد السنوات التي تقترب لتصير ٥٠ وأقول كم مضى من الزمن وكم بقي.

ضحكت عندما قررت هدية عيد ميلادي. اريد جلاية صحون لأن الجلاية الحالية تنازع بأنفاسها الأخيرة. لا يمكنني ان ابدأ النصف القادم من القرن المشكل لحياتي منشغلة بجلي الصحون. 

استيقظت في اليوم الأول بعد ٤٩ لأنظف المنزل. بعد عشرة أيام من السفر البقاء الاضطراري لأيام كثيرة قادمة سيتطلب ان اتعامل مع ٤٩ وايامها بقدر من النظافة بالبيت. فلملمت نفسي بعد قهوتي الصباحية لأنظف البيت والملم ما دمرته الكلبة بيلا من نباتات اعتنيت بها لأشهر. 

كم جيد اننا تركنا بيلا ترحل قلت في نفسي. دمرت كل نباتاتي. شعرت نفسي كالغارقة بين التراب وما كان من نباتات دمرتها بيلا. الملم واعيد تشكيل الاحواض وأفكر بالنباتات وأقول: هكذا تكون حياة المرأة عندما تصير ٤٩ سنة ويوم. 

كم كان جميلا شعور تنظيف الدرج. 

كم كان الشعور مليء بالروعة بينما أرى الاوساخ تتلاشى.. الام في الظهر شعرت بها عندما انتهيت. 

كوب اخر من القهوة. 

فكرت ببعض الأصدقاء بعيد ميلادي. ورأيت نفسي ابعث لصديقة لم اتواصل معها منذ مدة اعيدها بعيدي. 

نعم، صادف مولدي السنة الهجرية هذا العام.

كم جميلة هذه الإشارة الربانية… او الفلكية ربما… 

شعوري ولقد اقترب على اغلاق نصف قرن من العمر ملئ بهذا الفضاء الشاسع من اللامبالاة. لا مبالاة جيدة.. إيجابية. 

اتوقف وادير نظري الى الوراء لأفكر ما قدمته لحياتي القادمة.. انظر من جديد وارى فضاء شاسعا… مليئا بالاحتمالات.. او ربما مجرد فضاء… 

ولكن هذا ما يجعل كل شيء أفضل.. 

فضاء شاسع كانت حياتي متزاحمة ممتلئة مكتظة بكل شيء. وها هي امامي بالتفاتة الى الامام، هل سأعيش نصف قرن اخر؟ بكل المقاييس المنطقية لقد مضى بالفعل من العمر أكثر بكثير مما سيبقي. 

اسأل نفسي ان كنت حققت ما اريده من حياتي؟ 

واجد إجابة بلا مبالاة كبيرة.. لا يهم… 

ما يهم هو ما اشعر به الان.. 

اشعر ان ما ينتظرني من حياة هو هذا الفضاء الشاسع.. مليء بالمساحات المفتوحة. بلا تزاحم ولا ريبة ولا رهبة…

لا يهم ان كنت لم احقق احلامي بعد…

لا يهم ان لم أكن اعرف ما هي احلامي… 

ولا يهم ان تيقنت انني لم احلم من قبل… 

فأنا أعيش ما اريده بلا أحلام…

احلامي وواقعي واحد.. 

تجانس تماهي لكل شيء في خيره وشره.. 

اريد الطمأنينة فقط… 

هذا ما اريده لحياتي القادمة… 

الطمأنينة… 

سواء صرت مليونيرة ام بقيت مكبلة بالقروض

سواء صرت اهم كاتبة بالعالم ام بقيت اهم ما انا عليه الآن… 

سواء تحسنت أحوال هذا البلد ام استمرينا في التمني لأيام أحسن.. 

سواء بقي الأبناء بقربي او حلقوا لحياتهم…

سواء امضيت حياتي مع رفيق ام مع نفسي…

سواء كنت على بحر او في صحراء …

بسيارة او حافلة..او مشيا على الأقدام…

لم اعد اكترث الا لشعور وحيد: 

ان أشعر بالطمأنينة… 

حسنا… 

سأكون مطمئنة… 

سأنتهي من مشاريعي الكتابية التي عزمت عليها في السنة الماضية والسنة التي سبقتها… هذه السنة. 

سأنهي الدكتوراه على مدخل الخمسين… كم هو مراوغ العقل البشري!!! 

سأستمر بالقيام بما أقوم به بحياتي..

سأستمر بجنوني وشغفي… 

سأستمر بالتأمل والتمني… 

سأستمر بأن أكون انا …. كما انا … 

وسيبقى الشعور المصاحب للغرابة والغربة مرافقا… بين تأقلم واحتواء أحيانا ربما… وبين رفض وهروب بأحيان اخر

بمهاترات او شذرات او تأملات…

الانسان الفلسطيني وما تبقى منه
حكاية اهتراء تحت احتلال

لا أعرف من أين خرج إلى رأسي هذا العنوان ، ولكن قبل ان يبدأ دماغي بعادته السقيمة بتهذيبي ، وقبل ان يكبلني استعمال الحروف من خلال لوحة المفاتيح ، وقبل ان تطير الأفكار الصارخة ما بين أصابعي واللوحة ، قررت بأن اخرج ما يحوم بداخل دماغي كالذبابة .
انتهينا وبحمد الله من الانتخابات الإسرائيلية ، فحللنا ونقحنا ودلونا بأفكارنا واقتراحاتنا الفذة . وكعادتنا انتظرنا القائد القادم منهم الذي سيعطينا املا جديدا في حل هذه القضية . حل هذه القضية هي العبارة الصحيحة . فيبدو واننا نعيش في حالة انحلال سننتهي به الى حل ننحل به ونحل .
فحياتنا محاصرة متينة محكمة مكبلة باحتلال بأحسن احواله واسوئها بات يحل علينا بمنزلة حياتنا نفسها . ففي كل مرة ننظر حولنا ونبدأ بلعنة الاحتلال وسبه والتذمر والشكوى نتأكد اكثر بأن مصيبتنا ليست من حولنا فقط ولكن بوسطنا وارجائنا ومن فوقنا ومن تحتنا . مشكلتنا فاقت سوء الاحتلال وقذارته . مصيبتنا منا وفينا .
نمر عبر الحواجز ولا يكفي مرارة الشعور والوقوف والموقف وذل الوضع المستمر ، ينتهي بلحظة الاحتلال عند العبور على اخلاقنا . فالتزاحم والتراشق وانسداد الطريق والاطفال والعالم على الطرقات والقذورات صورة نحن اصحابها . لا تشكل انعكاسا او تشويها .
نتظافر على قساوة واستبداد المحتل عندما نسمع بالاستيلاء على منزل ومنازل هنا وهناك ، ونتناسى ان الاستيلاء بيع وقبض وثمن دفع . ونهرول بالسب على السلطة والقيادة وكأن البائع ضحية ، ونطالب بإجراءات وممارسات ومقايضات تمسكنا بالتواجد وتمنعنا من البيع وتسريب الاراضي والبيوت ، ونلومهم على انحطاط اخلاقنا ، وقلة انتمائنا وانعدام القيم التي ذابت فينا .
نلعن الاحتلال ليلا ونهارا ، ونطالب بحقوق المواطن بسويسرا . نريد قتلهم بالعلن ونلتصق بأرصفتهم ونرجوهم الاعتراف بنا وابقائنا لهم في الخفاء.
قلبنا وقلبت معنا المعايير ، اصبحت الخيانة في زمننا وجهة نظر . وطنيتنا تتمحور حول فائدة هنا ومصلحة هناك ولقمة زائدة ورداء فوق لباس مستورد.
ونستمر بلعنهم وسبهم . يهدمون البيوت ويزجون ابناءنا بالسجون ويشدون الخناق علينا وكأننا في عنق زجاجة لا نقوى على الخروج رهبة وجبنا ولا نتجرأ على الدخول خوفا وذعرا . مؤسساتنا اهترأت وتهترىد منا وبنا . تذهب الى المستشقى صحيحا وتخرج مشخصا بورم خبيث خاطيء.
هذا هو سبب هذا المقال …..
حكاية ، ليست الاولى ولن تكون الاخيرة في حكايات مستشفياتنا . نسمع كثيرا عن تهديد بإغلاق مستشفى المقاصد و طبعا نلوم الاحتلال …. ولا احد منا يدرك التفاصيل . فلا نحتاج الا ان يغيم علينا القدر بايامه السوداء لنضطر بالذهاب للعلاج فيه . طبعا ، والحمدلله ، اهل القدس مثلي لا يحتاجون لهذه المأساه ، لاننا مغطون بالتأمين الصحي من قبل الاحتلال وعلاجنا والحمد لله بمستشفياته . فالمحظوظين من اهل الضفة وغزة هم من يحالفهم الحظ بالقدوم للعلاج بمستشفى المقاصد في القدس . فتخيل ما هو وضع المستشفيات في الضفة ؟ حدث ولا حرج ….. حكاية والد صديقتي التي تم تشخيصه بسرطان الرئة وتحويله للبدء بجلسات علاج كيماوي لن تكون غريبه وليست اكبر المصائب في حكايانا ومصائبنا . فتخيل وقع الخبر على الاهل عند اعلامهم بمصابهم ، ولفكاهتنا طبعا ، وقف الطبيب الشاب امام المريض بعد التشخيص قائلا : ” عمي معك سرطان بالرئة ” . هيك عادي بدون احم ولا دستور . ولحسن الحظ بان الوعي كان سيد الموقف ، وبينما ذهبت العائلة للتنسيق لبدء العلاج بعيادة مختصة اخرى ، انتبه طبيب اخر بان هناك لبس في التشخيص ، وعلى راى الطبيب الاخر لصديقتي : ” عمي انا صار لي عشرين سنه بشوف مرضى سرطان وابوكي ما شكله منهم ” . فالحمد لله بان نظرة الطبيب الحاوي غير نظره الطبيب الهاوي وفعلا تبين بلا لبس بان الرجل صحيح ومعافى تماما . طبعا من اجل اخراج الاوراق من المستشفى تطلب الامر بروتوكولات كان ينقصها فقط موافقه الرئيس للخروج من المستشفى . ففعلا يبدو المشهد كمن يدخل الى المسلخ. للمفارقه الهزليه ، فإن المختبر يقع في قلب المطبخ التابع للمستشفى …. نعم هذا ليس تصورا خياليا لايجاد ديباجة مفتعله . لتضخيم المشهد . فبحياتنا الواقع دائما أشد تصويرا من اي خيال .
وهل يزيد الامر احباطا بالاشاره الى ان اهل المريض لا يحملوا هوية القدس ؟ فتخيل القدوم والخروج والتوسل للاصدقاء للقيام بأعمال تعجيزية من أجل اخراج ورقة .
فأين الاحتلال هنا … من الذي يؤهل هؤلاء الاطباء ويأتمنهم على حياتنا ؟ من الذي يربي هذا الشعب ليرقى بنا ؟
بعد يومين سنحمل الورود والهدايا الى امهاتنا ، وسنملأ مساحات الفيسبوك بالشكر والامتنان وسنعرض جمال حياتنا ونشكر الله على امهاتنا . اين نحن من تلك التربية التي قيل بان الجنة تحت اقدامنا .
ما الذي تقوله الام مثلا لابنها الذي ربته واستثمرت به ليصبح طبيبا قد الدنيا ؟ اين تلك الام الذي باع ابنها الدار لشركات الاستيطان ؟ اين تلك الام التي يقود ابنها السياره عند الحاجز ويتزاحم بالمرور ويسير بعكس السير ويسب ويقاتل ؟ اين الام التي يترمى اولادها عند الحواجز يتوسلون بضعة شواكل من اول النهار لما بعد منتصف الليل ؟ اين الام التي ربت مرتشي وحرامي وخائن ومبتز وصايع ؟ اين الام التي يضرب ابنها الحبيب زوجته ويخونها ويهينها يذلها ؟ اين ام الاستاذ والمدير والمهندس والمحامي والمحاسب وصاحب المصنع والمطعم الذين فقدوا اخلاقهم وقيمهم وانسانيتهم ؟
لقد افقدنا الاحتلال كرامتنا ، ولكن لا بد اننا نسينا اصولنا التي تبدأ بالبيوت . تبدأ بتربيتنا لابنائنا الذين نتفاخر في ما يحملون من شهادات وما يجنون من اموال . نتفاخر في اي مدارس نضعهم واي ملابس نلبسهم واي نشاطات نلحقهم بها ….ونسينا دورنا الحقيقي في التربيه .
فمشكلتنا ليست بالاحتلال ولا بالسلطه ……فقط…
مشكلتنا الحقيقية والاساسيه والاولى والاخيره هي بنا نحن الامهات …اللاتي ننتظر ابناءنا بعد يومين بهدية وورده ليقروا بالعرفان والجميل والشكر والتقدير …ونحن تلك الامهات التي نصنع هذا المجتمع الردي .
فصدق قول الشاعر حافظ ابراهيم حين قال : الام مدرسة اذا اعددتها …اعددت شعبا طيب الاعراق .

14721578_1165738346838278_219313797042455213_n

منذ أيام وقلمي يتصارع بين ما يريد ان يكتب ، وبين ما يفرضه الواقع . وبين اخبار مأساوية محبطة ، مل القلم

من خطها ، وبين واقع محاصر بمصائب وترهات متعاظمة ، شعرت بهذه اللحظات ببصيص امل ، وتركت ما كنت اكتب فيه من نحيب وشجن وبكاد على وطن منكوب يستمر بالضياع .

 قد تكون الاشياء البسيطة كبيرة في معانيها ،بغض النظر عن الاختلاف او الانسجام معها.

لفت انتباهي منذ ايام لوحة فنية بأحد شوارع بيت حنينا مكان لوحة اعلانات تابعة للبلدية (ربما ) . لم تكن تلك المرة الاولى التي تنبهت اليها فيما بعد ، انني رأيت هكذا لوحة . سعدت عندما رأيت صورة الفنان الشاب الى جانب اللوحة . علمت فيما بعد ، ان هناك مبادرة يشترك فيها فنانين مقدسيين ، او قد تكون المبادرة من الفنان المقدسي الشاب محمد الجولاني ، الذي لطالما تأملت اعماله بترقب ،بانتظار اعمال كثيرة بها ما يعد فيه طموح الشباب. اعترف انني اشعر بغبطة وكأنني بلحظات تمكنت من العالم عندما اصادف هكذا مبادرات . وبلا شك و فان للفن بكافة اشكاله طعم مختلف. وكأن غيث قادم بعد مواسم قحط كثيرة.

شعرت بانتصار بلوحات محمد الجولاني امامي احباطاتي . بزن هذا البلد سيكبر بأبنائه الطموحين المبدعين الصادقين بحبهم لهذه المدينة العتيقة الاسيرة.

متحف الشارع ، عبارة عن مبادرات فنية مختلفة ترعاها مؤسسة الرؤيا الفلسطينية . بلا شك ان تحويل الفراغات المختلفة في الشوارع والازقة المختلفة في القدس بلوحات محمد جولاني ، اضفت للمكان عبقا ،اخرجه من جموده وحزنه وحالة الاستياء المحيطة الدائمة.

صار المشي بشوارع المدينة حاملا معه رونقا مختلفا عن ذلك الذي يحاصره بين قذورات واسرلة ممنهجة. أثبت محمد الجولاني ومؤسسة الرؤيا الراعية لهذه المبادرة ، ان الانسان الفلسطيني مبدع لا يحتاج الى ملايين بلدية الاحتلال ولا نشاطاتها من اجل تجميل مدينته واضفاء نبضها به . ففي كل مرة تشرع بلدية الاحتلال لأسرلة المدينة من خلال نشاطات ثقافية تقحم فيها وتؤصل الاحتلال ، يفقد المقدسي شيئا من هويته . الا ان ما يجري بالقدس من حراك بمتحف الشارع يؤكد ان المقدسي كزيتون هذه البلاد ، لا تؤرقه سنين الجفاف ولا تسلبه حياته.

ولاصل لحالة غبطة حقيقية ، مر امامي فيديو يتم تداوله لفرقة دبكة مقدسية (عوشاق)  على شاطيء يافا ،بكلمات اغنية وهزات المسابح لا تزال تعيد نفسها في اذني مداعبة ، مؤكدة انه ما بتفرق عند الشعب ، انه فعلا انتوا من هالبلد والا سكنتوا بالغلط (على حسب كلمات الاغنية المرافقة للدبكة). وبلا شك انني من محبين هذه المدرسة التي تحب ان ترى الفولكلور يمارس من قبل الاجيال الجديدة بروح المستقبل لا بروح الماضي فقط. وقد يختلف معي الكثيرين بأن الفولكلور والتراث والزي الفلسطيني كتلة واحدة لا يمكن فضها ، ويجب المحافظة عليها . فبينما يبقى هذا الكلام حقا لمن يؤمنون به ، تبقى الحداثة طريقا لمحاكاتنا للمستقبل والاخر.

تخيلت ما كان من الممكن ان يدور في ذهن المارة من الاسرائيليين هناك ، عندما توقفوا لحضور عرض الشارع موقنين انهم سيرون عرضا لا يمت للانسان العربي او الفلسطيني بصلة ، ليتفاجئوا بأن هذا الفلسطيني فتاة ترقص الفولكلور الفلسطيني بخطوات الباليه ، وان المحجبة فتاة يافعة لا يعيقها حجابها من هز الارض من تحت خطوات رقصة فولكلورها ، وان هذا الشاب بلباس عصري ،بمسبحة يضبط فيها ايقاع رفاقه ويلوح للعالم بوجوده فرحا وراقصا ، بخطوات لا يتقنها الا من تشرب من حفنات تراب هذه الارض وتوسخت قدماه باللهب بأحيائها وبين ابنائها .

هذا الفلسطيني ، ليس الشاتم ولا الارهابي ولا المتشرد ولا المنتشر بالشوارع ولا العامل المنتظر لرب العمل الاسرائيلي ولا الفقير المعدم ولا السياسي الانتهازي . هذا الفلسطيني الانسان الذي يبحث عن الحياة كلما سمحت الحياة اليها معه سبيلا . هذا الفلسطيني المبدع بأرض له رغم تهويدها الفاضح .

 قد يكون المشهد على شاطيء يافا الممتليء بالمارة الاسرائيليين من ابلغ ما يمكن ايصاله في الوجود الفلسطيني المتجدد على هذه الارض. لقد جسدت هذه اللوحة كل ما كان يعتقده الاسرائيلي المار بتلك اللحظة عن الفلسطيني . وكأن بهذه اللوحة رد على الدعاية التي تم نشرها قبل اسابيع قليلة من قبل وزارة الخارجية الاسرائيلية في فيلم ترويجي قصير ، يظهر الاسرائيلي الامن في بيته يأتي عليه الغازي عبر القرون ويفتح له الباب مسلما حتى يأتي هذا الزمن فيكون العربي الملتحي لابسا عباءته وامرأة بثوب فلاحي الغازي الجديد. لم نسمع حتى كلمة استنكار واحدة من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية .ومر كغيره من الدعايات الصهيونية مرورا مخجلا امام قيادتنا النائمة بعسل التطبيع والتطويع .

قد يكون هذا الرد (غير المقصود) هو الرسالة الحقيقية لهوية الفلسطيني المتشبث بأرضه الحالم بمستقبل ا يقصيه عن العالم المعاصر حوله.  وقد تبدأ الشتائم بالانهمار على مقالي هذا ، كالشتائم المصاحبة للفيديو الذي يرى المنتقدون فيه ايذاء  للتراث وتبرج من قبل البنات خارج عن التقاليد. الا انني اصر ان هؤلاء الشباب والفتيات هم تأكيد على نبضنا كشعب . قد نختلف في توجهاتنا الفكرية التي مع الاسف انها تنحصر في هيئة لباس ومظاهر تفتقر من كل فكر وتدبر في زمن انهارت فيه النظم الفكرية العربية ، فلا عتب على ظلمات ما تبقى من العقل العربي\الفلسطيني . فلو تدبرنا بهذه اللوحات سواء بمشهد الدبكة على شاطيء يافا او لوحات الشوارع واعترفنا بأنها تسر النظر وترقق القلوب  وتبعث برسائل حقيقية هنا كشعب. قد لا نتشابه في كافة مستوياتنا واتوجهاتنا وطبقاتنا ، كغيرنا من الشعوب والامم . كلنا نستطيع ان نخدم الوطن اذا ما اخلصنا بحبه ….

 

نحن شعب نحتاج الى ان نحب وطننا لنستطيع ان نخلص له ونقدم انفسنا طواعية وبإخلاص بالحياة ….كما بالموت