دبلوماسية وزير الخارجية الهادئة هي “حل” السلطة

دبلوماسية وزير الخارجية الهادئة هي “حل” السلطة

عشنا كشعب فلسطيني على مدار العقود السابقة على دعم العالم لقضيتنا العادلة. في كل اجتماع للأمم المتحدة ولجانها المختلفة، وقراراتها بشأننا، كنا نُشهد العالم أنّ هذه القضية هي قضية حق، ومن اجل هذا فإنّ الاجماع عليها بديهيّ. ولا يختلف الأمر كذلك بشأن جامعة الدول العربية التي لطالما شكونا سلبيّتها بعدم أخذ مواقف وقرارات أكثر حزماً في الأمور المختلفة التي لطالما سعينا لتثبيتها. 

ولكن تغيّر المواقف الدولية والعربية تجاهنا لم يحدث فجأة. فلطالما بقيت قضيتنا القضية الأكثر عدلاً أمام معظم شعوب العالم. من الصعب تحديد متى بدأ هذا الانهيار بثقة العالم بنا وبقضيتنا، لأن المواقف كثر. وتستحضرني بهذه اللحظة قرارات وقَف العالم بها الى جانبنا وخذلناه منذ انتشار السفارات الفلسطينية برأس حربة دفاعها “دبلوماسية هادئة”: 

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة ٢٠٠٤ القاضي بعدم شرعية الجدار الفاصل. تصويت ١٥٠ دولة لصالح قرار وقف بناء الجدار وتفكيكه في الجمعية العامة تأكيدا لقرار محكمة العدل الدولية.

المأساة الكبيرة تلت كانت بسحب (فلسطين) تقرير جولدستون بشأن جرائم إسرائيل في عدوانها على غزة من المناقشة في مجلس الأمن في تشرين الأول من عام ٢٠٠٩

وجاء من بعدها سحب طلب طرد إسرائيل من الفيفا سنة ٢٠١٥ بعد ان تم التجنيد لمشروع القرار وتصويت أكثر من ٧٥٪ من الدول الأعضاء لصالح الطلب الفلسطيني.

ومن بعدها رأينا الكثير من الجولات المزعومة والتلويح بالذهاب الى المحكمة الجنائية الدولية عند كل محاولة للضغط على إسرائيل، أذكر أحدها كان في وقت كانت المحكمة الجنائية في عطلة كاملة. 

كنا كذلك قد رأينا تراجعاً دولياً وعربياً على منبر الأمم المتحدة والجمعية العمومية بالسنوات الأخيرة بشأن القرارات المتعلقة بفلسطين. فما كنا نحصل عليه بإجماع الا من عدد محصور جدا من الدول التي كانت تتحفظ ودول بعينها ترفض ـأمريكا وإسرائيل مع دول لا حول لها يرتبط وجودها بالمباركة الامريكية. 

وفي الأعوام الأخيرة صارت القرارات التي تصدر بالشأن الفلسطيني بالكاد تمر مع امتناع وتصويت ضد القرار ممن قبل دول كانت دائما تصطف الى جانب الشعب الفلسطيني، كان آخرها قرارات ٢٠١٩.

وعلى الأرض، صودرت الأراضي لصالح المستعمرات الإسرائيلية، ونقلت السفارة الامريكية الى القدس وتلاها سلسلة أخرى قادمة من الدول، وتشرد الفلسطينيون بالمخيمات السورية واللبنانية اكثر، وعملية التهويد للقدس في تزايد، والاتفاقيات مع الدول العربية كانت تتزايد، وفي الكثير من الأحيان لم يرق رد الفعل الفلسطيني حتى الى الشجب، وفي احسن الأحوال امام كل ما جرى ويجري فالشجب هو اكبر ما يمكن ان يقوم به الجانب الفلسطيني.  

من جانب آخر، كانت مبادرة السلام العربية التي نسمع عن التمسك بها من قبل اهل السلطة وكأنها طوق النجاة المتبقي من السفينة الغارقة لقضية السلطة الفلسطينية.

خرجت المبادرة العربية للسلام  سنة ٢٠٠٢ بعد إقرارها من قبل مؤتمر القمة العربي بالاجماع  والتي نسمع يومياً عن تمسّك السلطة الفلسطينية بها نصّت، بعد أن دعا الأمير السعوديّ عبد الله بن عبد العزيز إلى انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ ١٩٦٧… ومبدأ الأرض مقابل السلام…. وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل. صحيح أن ما يجري اليوم من تطبيع معلن استبق بنود المبادرة التي طالب فيها المجلس “إعادة النظر من قبل إسرائيل في سياساتها وان تجنج للسلم معلنة ان السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي”، وكذلك الطلب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بما فيها الجولان السوري وغيرها من الأراضي الواقعة حتى خط الرابع من حزيران ١٩٦٧، والتوصل الى حل عادل للاجئين وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود. وبناء على هذه المطالب ستقوم الدول العربية ” باعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة”.    إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل 

أذكر حينها، كيف أنّ هذه المبادرة شكّلت صفعة لي كفلسطينيّة. ربما، التفكير بالسلام في ظل احتلال لم يعط من اتفاقية أوسلو حديثة العهد حينها (والتي لم نكن قد هضمناها بعد) الا اللاءات الشهيرة التي كانت تتصدر نشرات الاخبار، من لاءات شارون الى لاءات نتانياهو. وعليه، بينما كان هناك تمسّك بمبادرة رفضتها إسرائيل قبل ان نفكّر ان نرفضها امراً لا يستدع النقاش. أمّا بالنسبة للسلطة، فصارت هذه المبادرة هي كَرْتهم المتبقّي الوحيد ربّما في كسب بعض الجولات الممكنة باستمرارهم فقط باللعبة لا غير. جولات خاسرة في كل مرة، كان الخاسر الوحيد فيها الفلسطيني التي تملأ طاولته البطاقات المدفوعة سلفا للاستمرار باللعب، بلا معرفة بقوانين للعبة لم يتمرسها من قبل، وفرح بدور لاعب أساسي على مدار عقود للعبة تدار امام عينيه وبمعرفة تامة ممن يراقبون جولات اللعب بمكان لم يكن بالضرورة على الطاولة. 

خسرنا بالمفاوضات التي تنازلنا بها وطوعنا لها وخنعنا وبقينا على طاولة المفاوضات فارغين من كل شيء حتى الشركاء والأنداد. 

لم يبق من مطالبنا الا شعارات: حدود ١٩٦٧ التي لم نعد نعرف منها الا ما تقرّه إسرائيل بعد قضم وبلع لم يبق الا مناطق محدّدة بالكاد تتسلّط عليها السلطة إذا ما شاءت إسرائيل. الأموال التي دفعت على مدار العقود من اجل إبقاء اللاعب الفلسطيني صاحب السلطة بالاستمرار بهدر الطاقة والزمن والأموال كان لا بد لها ان تتوقف. فنحن نرى كيف يعش العالم أزمات متتالية، وفي ظل تفوق الرأسمالية على كل معالم الحياة، فاستثمار الأموال بالقصور والسفن والفنادق وغيرها أكثر منفعة، كما إنفاق الأموال على الأسلحة أكثر وجاهة وقوة من هدره على طاولة لعب تديرها السلطة الفلسطينية من قبل افرادها. او بالأحرى تتنازع فيها بين افرادها لتأخذ ما تراه نصيبها من أموال وزعت للعب على تلك الطاولة… 

ووصلنا الى هنا… 

وصلنا الى لحظة لم يعد هناك حاجة لأن نكون باللعبة أصلا.  

سحبت الطاولة من امام اللاعب الفلسطيني وترك وافراده على الكراسي، بينما تدار اللعبة على طاولة قد تكون جديدة وقد تكون نفسها، بكراسي ولاعبين جدد. 

هل يشكّل منع جامعة الدول العربية التصويت للقرار الفلسطيني ضد تطبيع الامارات غرابة؟ فلقد صوّتت السلطة مع الامارات والحلفاء ضد اليمن وضد سورية، وحل علينا كما المثل الشائع ” اكلت يوم اكل الثور الأبيض”.  ما يحدث من مواقف هو فقط تداول علني لكل ما كان يجري بالسر. لم يكن التطبيع العربي السري بمعزل عن السلطة الفلسطينية. لم يكن ليجرؤ عربي على التقدم خطوة نحو إسرائيل لو لم تقرّبه السلطة لهذا خطوات. على مدار العقود والسلطة الفلسطينية تدير التطبيع بسبل مختلفة. عشرات الاتفاقيات حصلت تحت عين السلطة وبتنسيقها ولم تعترض ابدا. 

هذه هي محصلة الدبلوماسية الهادئة التي وصفها وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي. سنوات من الدبلوماسية التي غاب عنها كل ما تحتاجه القضية الفلسطينية من تعبئة واهتمام وعمل حقيقي. هدر للأموال العامة واموال المنح العربية والاجنبية التي كان أولى ان تمنح وتصرف لإعمار مرافق السلطة التي تفتقر الى إمكانية الحياة كما نراها اليوم . اين كانت الممثليات والسفارات الفلسطينية بالدول العربية والأجنبية من هذه النتيجة؟ على مدار السنوات لم نسمع الا عن الفساد والمحسوبية وهدر الأموال بلا حساب، وما رأيناه مؤخراً بمحاسبة السفير غابي الطويل شقيق سهى عرفات واتهامه بالفساد لا يشك أحد انه ليس أكثر من قطرة في غيث الفساد الحاصل. 

على مدار السنوات عملت الدبلوماسية الفلسطينية بشكلية لا تمت لنا بصلة. فضائح وجرائم وفساد وبدلات فاخرة وسيارات ومواكب وحفلات. 

وامام هذا الفشل الصارخ المترتب على افشال القرار الفلسطيني بالجامعة العربية يخرج المالكي الينا ليقر “ان الكثير من الشعوب لا يثقوا بما يخرج عن الاجتماعات بقرارات الجامعة العربية التي تعتبر شكلية ليست لها اليات للتنفيذ”، وعليه يطالب “بالمصداقية” حيث يجب أن “تعلن ما لا تضمره من أفعال بالخفاء “. لقد عشنا هذا ونعيشه يوميا مع تصريحات رموز السلطة وعلى رأسهم ما يقال لنا عن الحراك الدبلوماسي.

على الرغم من الفشل الصارخ لفلسطين أوّلاً وللعروبة ثانياً، فإنّ المالكي يصرّح وبثقة عجيبة أنّه خرج من الاجتماع على حدّ تعبيره “أكثر قوة “، مضيفاً: ” برئاستنا لهذه الدورة استطعنا أن نمنع مشروع القرار  ليؤكد فيه الموضوع الأساس وهو الخروج عن مبادرة السلام العربية. وانه لو لم  نكن برئاسة هذه الدورة كنا قد وجدنا أنفسنا في حالة تحفظ على هكذا قرار ومنعنا ان تدّعي دولة انها تحظى بالدعم العربي بموضوع التطبيع. والاهم في هذه الحالة ان دولة فلسطين اثبتت نفسها وانه بدونها لا يمكن ان يكون هناك أي شيء. انها هي الفيصل في هكذا قضايا!! يجب إعطائها الاعتبار والثقل المطلوب ومواقفها ب الجدية المطلوبة!!! هذا مهم جدا سيتم حساب موضوع فلسطين ألف مليون حساب من الآن وصاعداً عن موقف دولة فلسطين عندما يطرح أي موضوع من هذه المواضيع لأنّ فلسطين لن تسمح بتمرير أي قرار ينتقص للحق الفلسطيني او ثوابت القضية الفلسطينية او يتعارض مع القرارات العربية ما دامت هذه القرارات هي على مستوى الاجماع العربي.” 

الحقيقة لا افهم كيف رأى المالكي كل هذه الإنجازات!!!!

المالكي يعكس حالة الانفصام والهذيان والانكار والنكران الذي تعيشه السلطة.

أم انّها “الدبلوماسية الهادئة” التي تجعله يرى كل الأمور تفوقا يصبّ في مصلحته. 

واختم متسائلة في ظلّ هكذا انتكاسة للقضية الفلسطينية وللدبلوماسية الفلسطينية، بجملة معترضة لم أصدق انها خرجت منه وسط هكذا أزمة مصيرية في تاريخ القضية الفلسطينية.  كيف يبقى الشغل الشاغل للمالكي بمطالبة الدول العربية (اعلان وزراء المالية العرب بمواصلة التزامهم بمقررات جامعة الدول العربية) بالالتزام على الرغم من كل شيء على إبقاء شبكة الأمان المالية لدعم موازنة السلطة التي تم تفعيلها سنة ٢٠١٩ لتدخل ١٠٠ مليون دولار شهريا بحساب وزارة المالية الفلسطينية!!  

Leave a Reply