مخطط “شاليم” واتفاقية “إبراهيم” : خطة متكاملة بؤرتها القدس ومداها حلم إسرائيل الكبرى

مخطط “شاليم” واتفاقية “إبراهيم” : خطة متكاملة بؤرتها القدس ومداها حلم إسرائيل الكبرى

 

صفق عالم بالأيام الأخيرة للاتفاقية التاريخية ما بين إسرائيل وامريكا والبحرين والامارات فيما سماه ترامب “اتفاقية إبراهيم”. مقابل هذا التصفيق شجب عالم هذه الاتفاقية واعتبرها دفنا قد يكون رسميا للقضية الفلسطينية. 

ومهما حاولنا التعامل مع الامر بحيادية، سواء بفهم الموقف العربي من الدول التي قررت التطبيع مع إسرائيل وتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية هذا الشرخ المفاجئ بينها وبين دول عربية شقيقة. او اعتبار ما قامت به هذه الدول خيانة للقضية الفلسطينية وطعن بالظهر للسلطة الفلسطينية، فإن الحقيقة لم تخرج من رحم عقيم. فما جرى ترعرع في رحم الاتفاقية المعلنة منذ سنوات. سنوات قريبة وبعيدة. ما جرى تم الترتيب والتجهيز له على مستويات مختلفة من قبل الدول العربية المختلفة ولا يزال هذا الرحم ولّادا. 

سنوات من التحضير للتطبيع رأيناه وعشناه بمواقف الدول العربية المختلفة، من مصر والأردن والسعودية والامارات وقطر والبحرين وغيرها. إذا ما كانت كلمة تطبيع هي ما تؤكد على العلاقة فنحن في حالة عماء حقيقية. لأن ما جرى ولا يزال مستمرا من فتح علاقات علنية وسرية سواء كانت سياسية، دبلوماسية، اقتصادية، ثقافية ورياضية: فإسرائيل تتعامل مع كافة هذه الدول بالسر والعلن على كافة المستويات بطرق مختلفة. منذ مسلسل حارة اليهود، ودخول اليهود في باب الحارة ووقوفا عند مسلسل ام هارون، ومشاركة إسرائيل بإكسبو دبي، وافتتاح سفارة إسرائيلية بابي ظبي وبناء مصلى يهودي، وكان قد سبق ذلك زيارات للمغرب ومشاركات رياضية بقطر والامارات، وقائمة تطول من المعلن، وقوائم كتبت بالحبر السري لما لا نعرف. 

زيارات تقسمنا في الترحيب او التنديد بها على مدار السنوات، لتطبيع مبارك وتطبيع مدنس. واغمضنا اعيننا عن كل ما يحصل الا عندما أراد صاحب السلطة الفلسطينية بمكان القرار ان ينتفض. فتكسرت بوصلة القضية الفلسطينية وتاه الفلسطينيون كما تاه العرب بأخذ المواقف من إسرائيل. 

بينما نستمر بحالة التنكر لما جرى، ونتعامل مع ما يجري الآن بردة فعل محددة لن يستجيب لها أحد ولن يسمع لنا أحد، فلم يعد أحد يصدق استغاثتانا، ولم نعد نحن على مقدرة أصلا بالاستغاثة، فتركناها للقيادة التي تسلمت زمام الأمور بالسيطرة على الوضع، لتسيطر الان على اليات الندب والشجب. ففشلت فشلا ذريعا حتى بإمكانية اصطفاف الشعب وراءها. ولا يزال الوضع على حاله… هياج عام لن يعطل طريق ” اتفاقات إبراهيم” المنطلقة. 

في المقابل، تستمر إسرائيل بالتقدم أكثر وأكثر بخططها المتعددة، ولكن لو توقفنا للحظات امام خطة وضعت قبل سنوات وتركت لتتدحرج لوحدها، سنرى كيف يلتقي كل من طريق التطبيع وطريق إبراهيم من اجل مخطط “شاليم”. وكأن المشهد الذي هز الكثيرين من اهل القرس والفلسطينيين بإضاءة سور القدس بأعلام البحرين والامارات وإسرائيل جزء يضفي على كلمة “شاليم” صفة المعنى المرغوب فيه للكلمة: “الكمال”.

لنبدأ من الاسم: عند التفكير بمعنى شاليم للوهلة الأولى تفكر انه قد يكون اسم شخص، او قد يكون اسم مكان، او يكون تفسير لمعنى ما او ايحاء لشيء ما. والحقيقة انه كل هذه الاحتمالات، فالكلمة تعني شاليم بمعني “كاملة” أي الخطة الكاملة (من كمال الاوصاف) وتعني شاليم بمعنى اسم القدس التوراتي “سالم” إذا ما لعبنا في تحريك الحروف من مد او سكون في بعضها، وتعني كذلك استكمالا ل(يرو) شاليم، يعني هي خطة القدس التوراتية الكاملة. 

خطة شاليم خرجت الى الحياة باحتفال تقيمه الحكومة الإسرائيلية سنويا بما يسمى “بيوم القدس” في 28أيار من سنة 2017 بمناسبة مرور 50 عاما على السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية (احتلال ال 1967). كل عام، تحتفل الحكومة الإسرائيلية بيوم 

ب”يوم (توحيد) القدس”*(الاستيطانية) – في هذا اليوم تغلق القدس تماما عن المقدسيين ويتم فرض اغلاق المحلات على أصحابها، ويمنع الفلسطينيين من التواجد في تخوم البلدة القديمة تحديدا، ليسمح للمستوطنين من كل مكان للاحتفال-  بأيار عام 2017، وبداخل الانفاق الموازية لحائط البراق والمتاخمة للمسجد الأقصى، عُقد الاجتماع الاحتفالي وشارك فيه نتانياهو مشددا على أهمية المكان والمناسبة لأنه:” في هذا الموقع: بنى الملك سليمان الهيكل الأول. أولئك الذين عادوا من المنفى البابلي قاموا ببناء الهيكل الثاني على هذا الموقع، وبعد تدميره، اشتقّت أجيال من شعبنا إلى هذا المكان. مرت آلاف السنين وعاد شعب إسرائيل إلى أرضه وأقام دولته وبنى عاصمة موحدة”.

خلال الاجتماع، تم الإعلان عن خطة “الكشف عن القدس القديمة” والذي يطلق عليها “مخطط شاليم”.

وفقًا للقرار، تم تكليف وزير شؤون القدس والتراث -الاسرائيليّ-، بإعداد وتقديم خطة شاملة لتطوير الحوض المقدس- التاريخي* بإعداد مخطط شاليم وتقديمه إلى الحكومة للمصادقة عليه في “يوم القدس” من العام التالي، 9 أيار 2018. إلى جانب خطة شاليم، يشير القرار الى تقوية وتعزيز حوض البلدة القديمة في القدس. الميزانية المخصصة للخطة تبلغ 350 مليون شيكل. تشمل المنطقة المقرر تطويرها البلدة القديمة و”مدينة داود”، جنبًا إلى جنب مع جبل الزيتون، وغابة السلام، وممشى “أرمون هاناتسيف”. 

تتضمن أهداف الخطة :”الكشف المستمر عن المواقع الأثرية في القدس القديمة والبحث فيها وتطويرها كجزء من مخطط وطني […] من شأنه أن يبرز ويعزز دور القدس كعاصمة قديمة للملك داود وفي العصر الحديث. 

و تهدف الخطة إلى تصنيف القدس كموقع سياحي مركزي له أهمية “وطنية” ودولية. كذلك، إقامة روابط بين البلدة القديمة والجزء الجنوبي للحوض التاريخي (حيث يقع حي سلوان) عبر المرور عبر طبقات أثرية مختلفة؛ للتأكيد على المواقع التاريخية والتوراتية في المنطقة والحفاظ عليها؛ ولإثبات الطابع المتعدد الثقافات للقدس القديمة.” 

يتضمن المخطط العمل-الاستيلاء- على حفريات أثرية ضخمة في البلدة القديمة وسلوان، وتطوير المواقع الأثرية فيما يسمى “بالحوض التاريخي” للسياحة الذي تقوده الحكومة الإسرائيلية من خلال مكتب رئيس وزرائها بالتعاون مع هيئات مختلفة تتضمن منظمات يمينية مثل العاد وغيرها تعمل وكأنها أذرع لمكتب رئيس الوزراء. وهذا نهج إسرائيلي بالقدس يتبعه كافة رؤساء الوزراء، فمشاريع تنمية البلدة القديمة كلها تمر من خلال مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية. وعلى مدار السنوات، تم توثيق التعاون بين سلطات الدولة والبلديات والمكاتب الحكومية مع المنظمات الاستيطانية، مما أدى الى زيادة عارمة في عدد المواقع الاثرية الخاضعة لسيطرة المستوطنين الساعين للتأكيد على الروابط الحصرية او المركزية للشعب اليهودي بالمنطقة. والامثلة على هذا كثيرة وبالعادة تعكس نفسها باتفاقات الحكومة الإسرائيلية مع مؤسسة إلعاد الاستيطانية الشهيرة. 

على سبيل المثال، ابرم اتفاق سنة 1997 بين مؤسسة العاد الاستيطانية وسلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية (وهي هيئة حكومية)، حصلت العاد بموجبها على حقوق إدارة حديقة مدينة داوود الاثرية بسلوان. مع السنوات منحت الاتفاقيات العاد حقوق إدارة المواقع الاثرية في جميع انحاء الحوض التاريخي. لنا ان نتخيل التهديد الحقيقي الذي تشكله سيطرة العاد عندما نعرف انه في بعض السنوات – سنة 1998 تحديدا، عارضت سلطة الاثار الإسرائيلية عمليات العاد بالمنطقة بشدة، الا ان موقف سلطة الاثار تغير لتصبح داعمة لمبادراتها فيما بعد، خصوصا ان جزء كبير من الموارد المالية المخصصة من قبل الحكومة لتنمية السياحة كانت تحت سيطرة العاد.  

طبعا، مخطط شاليم ليس المخطط الأول، بل هو مخطط يبدو عاديا ضمن المخططات التي تم المصادقة عليها والعمل بها بالقدس على مدار السنوات. ففي سنة 2005، تم تخصيص 50 مليون شيكل سنويا للفترة ما بين 2006-2013 لتطوير وإعادة تأهيل الحوض التاريخي بقرار حكومي رقم (4090). بالإضافة الى ذلك, نص القرار نفسه على ان وزارة السياحة ستخصص خلال هذه الفترة 10 ملايين شيكل للسياحة في البلدة القديمة. 

  في سنة 2012، كان هناك قرارا اخر (4651) بتخصيص 50 مليون شيكل سنويا للفترة من2013-2019 لتطوير مواقع السياحة العامة في القدس. وبهذا تكون الحكومة الإسرائيلية قد خصصت وعلى مدار ما يقرب من ١٥ سنة الماضية أكثر من مليار شيكل بتطوير السياحة في الحوض التاريخي بالقدس، تحت تبرير حكومي لحاجة تعزيز مكانة القدس كعاصمة لدولة إسرائيل. 

وهنا، لا يستطيع المرء الا ان يفكر، ما حاجة مخطط جديد لمنطقة محددة يوجد بها اتفاقيات معمول بها وبميزانيات كبيرة جدا؟ وكأن بالمخطط “تكميل” يغلق الدوائر المشكلة للمظلة التي تعمل من خلالها وعلى شكلها الحكومة الإسرائيلية بالقدس، بما رأيناه مؤخرا وبعد “اتفاقية إبراهيم” من اضاءة لأعلام دول عربية طبّعت للتو مع إسرائيل. 

في كل مرة ينظر المرء لما تقوم به إسرائيل من خطط توسعية يتمدد فيها الاستيطان وتتوسع فيها الشوارع وتزداد بها الأبنية والمرافق العامة، يصبح من الصعب أكثر فصل المشهد الحقيقي للواقع العنصري للمدينة لمن ينظر من خارج الحياة الفلسطينية. 

على مطلة جبل المكبر، التي يتوسط مشهدها الخلفي مركز الأمم المتحدة فيما يعرف ما يبدأ منه الخط الأخضر بتقسيم المدينة الى شرقية وغربية. تقف احتراما للمشهد الجميل للمدينة امامك: المسجد الأقصى وقبة الصخرة محتضنان بسور القدس وتترامى امامك اقترابا من ناظريك أكثر وأكثر كلا من سلوان والثوري تباعا. إذا ما كنت فلسطينيا، فإنك تعرف ان الكثير من البيوت على وشك ان تهدم، والكثير من هذه الأراضي الممتدة قد صودرت، والشوارع الحديثة تبدو منفتحة حتى تدخل الى شارع بالحي ولا تخرج من مسافة مئة متر الا بعد نصف ساعة من الازمة المستحيلة. والناصية النظيفة ليست الا مشهدا مؤقتا حتى تدخل الحي وترى القمامة في كل الارجاء بلا اهتمام. ولكن إذا ما كنت غير فلسطيني، فكان المشهد دائما معدا للسائح الأجنبي، والامريكي الذي يحاول السمسار السياحي إقناعه بضرورة شراء بيت على المطلة وبين البيوت القائمة، ليتأكد انه لا يوجد اثبات أكثر على التعايش وتوحيد المدينة. المشهد المعد للسائح الأجنبي تطور مع تطور خطة شارون للمدينة منذ ان كان وزيرا للإسكان وصار صالحا للتطبيق عندما أصبح رئيسا للوزراء: ما لم يستطع فعله بتهويد المدينة من حيث زيادة عدد اليهود بينما كان يزيد بعدد الأماكن اليهودية الطابع، ثبته كمكان واستخدم الطابع البشري الذي لم يستطع التخلص منه، لما هو أقرب لإضفاء صورة تاريخية للمشاهد: القدس اليهودية بمدينة داهود الاثرية يحيطها سكان عرب يبدون وكأنهم من مخلفات ذلك العصر. فما هو حقيقي اليوم هو هذه المدينة “مدينة داهود” التي بدأ منها ثبات اليهود هنا، وذلك الجندي او الموظف او الدليل وغيره من مخرجات الحياة المدنية التي تطور اليهود ليكونوا عليها. بينما بقي العرب مكانهم بالأسفل متخلفين عن الحضارة وعن التقدم. فصار السائح يرى عبق المدينة بسحر التاريخ اليهودي القديم، ليضيف وجود الأغلبية العربية مجرد اضفاء لا حاجة للتركيز عليها بخلفية اللوحة “الكاملة”. 

ولكن شارون لم يكن يتخيل، إن السائح الذي يعد له هذه اللوحة يمكن ان يكون عربيا في يوم ما. فكانت خطته عادية: التخلص من أكبر عدد ممكن من العرب باي طريقة وبكل الطرق، وتهويد أكبر قدر ممكن من الأماكن. بينما نتانياهو رأي حلم إسرائيل الكبرى من خلال القدس الكبرى. وخطته الكاملة تربط التاريخ برواية “تاريخية” سابقة يمكن اختراعها وتزييفها بكل ما اوتي من تكريس لفكرة الحوض المقدس، وبرواية “اجتماعية” حديثة يكون فيها اليهودي “الأصيل” في هذا المكان، حاضنا وشاملا ومحتويا للعربي اليوم. كما هو حافظا للمشهد التراثي الجامع للديانات: “ديانات إبراهيم الثلاث”. 

ميري ريغيف، وزيرة الثقافة الإسرائيلية (السابقة) التي اشتهرت بفستانها بنقوش كلمات عربية -وقرآنية- بزيارتها الثقافية لابي ظبي، اشارت في بيان عام صادر عن وزارة الثقافة والرياضة بعد الموافقة على الخطة وأثناء التنزه في المواقع الأثرية في الحوض التاريخي الى ما يلي: “بالقرب من (القديم)” المحلات التجارية، مع جميع العملات المعدنية والتحف لليهود الذين تجولوا هنا منذ 2000 و3000 سنة، نشعر أننا عدنا إلى المنزل. تؤدي هذه الحفريات إلى إحياء الكتاب المقدس وتقوية أفضل كوشان (وثيقة العهد العثماني تشهد على حقوق الملكية) التي نمتلكها.”  

في سياق متقارب ادعى المدير العام لسلطة الآثار الإسرائيلية، يسرائيل حسون، أن الخطة تهدف إلى” زيادة عدد زوار المواقع الأثرية في القدس، وإقامة تواصل بين الأجزاء الجنوبية للمدينة القديمة وتلك الموجودة داخل أسوار المدينة القديمة من خلال الطبقات الأثرية، والتأكيد على المواقع التاريخية والتوراتية في المنطقة، من أجل توضيح أهلها. ارتباط إسرائيل بين الأجيال بالقدس

بالنظر إلى هذه التصريحات، قد يعتبر المرء عن طريق الخطأ مخطط شاليم مخططًا متوازنًا يسعى في المقام الأول إلى الحفاظ على تراث المنطقة متعدد الثقافات. ومع ذلك، فإن الفحص الدقيق للنصوص المتعلقة بالخطة يكشف عن الدوافع الأيديولوجية والسياسية الصارخة التي ترشدها 

من نفس المكان على المطلة ينظر السائح العربي والغربي، مسلما كان ام مسيحيا ام يهودية هذه المرة ليفكر فيما يرى: الأقصى والصخرة امام الناظر بلا تهديد وحفاظ واضح، وبالخلف يمكن رؤية قبة الكنيسة الجسمانية بلمعان واهتمام، ومن امام الأقصى خلف السور مباشرة يمكن ان ترى بتواضع مدينة داهود الاثرية ويرفرف العلم الاسرائيلي بمكان ما من احدى التلال هناك ليكون الحافظ لأمن كل الديانات. 

وعلى امتداد العين وفي صحن الجبل غابة وصالة افراح ومشروع سياحة هوائية وتلفريك وتخييم ومطعم واستراحة.

الأجنبي قد لا يرى العربي الفلسطيني امام عظمة المشهد ولا يكترث له. فكل ما يتلو من هذا المشهد العظيم تفاصيل هامشية. الأهم هو ما نراه تاريخ عظيم يتم الحفاظ عليه بسلام على الرغم من كل “أعداء السلام”.

اما العربي، السائح الجديد، الذي تربى ونشأ وترعرع على كره اليهود الوحوش الذين احتلوا فلسطين، ووعي ولا يزال يشاهد ممارسات فظيعة يرويها الفلسطينيون يوميا من خلال الشاشات: قمع وقتل وانتهاك للحق والأرض والانسان الفلسطيني المسكين. يرى امامه بهذه اللحظة افتراء الفلسطينيين المتراكم من سبعين سنة. ما تراه العين اخر: حفاظ على الموروث الإسلامي وغيره. ثالث الحرمين امام عينية ببهاء كالجوهرة في وسط المدينة. واهل المدينة من فلسطينيين يعيشون براحة بين اليهود ولا فاصل ولا حاجز ولا جدار امامهم. المساحات العامة والمرافق متاحة، وها هنا على المطلة نفسها الفلسطينيون والفلسطينيات، بإعمار مختلفة، نساء بحجاب ومع أطفال، ورجال شبان ومسنين. يجلسون بلا ازعاج، يأكلون، يلعبون، يتسامرون، الى جانبهم يهود شبان وفتيات، مسنين ومسنات يتسامرون، يلعبون، يمشون. فأين الحرب والانتهاك والعنصرية التي يدعيها الفلسطينيون ظلما وبهتانا على الإسرائيليين الأبرياء؟ 

من المتوقع أن تنتهي خطة شاليم في عام 2014، إلا أن تحليل التغيرات في طبيعة الحوض التاريخي على مدى السنوات العديدة الماضية يشير إلى أن الخطة ليست سوى خطوة نحو إنشاء مدينة قديمة جديدة في القدس على حسب جمعية (عمق شبيه)*. حيث نشهد أيضًا ارتفاعًا في تأثير المنظمات اليمينية، وأبرزها مؤسسة إلعاد، وسيطرتها المتزايدة على أجزاء من الحوض التاريخي في القدس. على مدى العامين الماضيين، حيث عملت مؤسسة إلعاد على تطوير مواقع سياحية جديدة في وادي بن هنوم  وما حوله. بعض هذه المبادرات تشمل افتتاح مقهى وبناء تلفريك بين المحطة الأولى في القدس الغربية ومجمع كيدم في القدس الشرقية، ومصادرة الأراضي الزراعية من الفلسطينيين في أبو طور بأوامر “مناطق خضراء وطبيعة” ، وغيرها من الإجراءات. 

في الواقع، يشير تقييم المشاريع التي تشكل مخطط شاليم، على حسب دراسات مختلفة ومن ضمنها جمعية “عمق شبيه”، إلى أنه على الرغم من النوايا المعلنة في البداية، فإن هذه الخطة لن تحافظ على التراث الثقافي للحوض التاريخي لمدينة القدس. على العكس من ذلك، يبدو أنه من المرجح أن يغير طبيعة الحوض التاريخي للقدس بحيث يخفي جميع الروابط المادية والرمزية والعاطفية بين سلوان الفلسطينية والمدينة القديمة ويسلط الضوء فقط على المواقع المرتبطة بسرد الشعب اليهودي في القدس.

وبهذا نجد أنفسنا ضمن “مخطط متكامل” لتهويد التراث والتاريخ بطريق بدأه هرتسل ويعبّده نتانياهو نحو نهاية لم يحلم بها اكثر الصهيونيين تطرفا او حلماً….فحلم هرتسل يتحقق على “طريق الآباء بمسار- اتفاقية – إبراهيم”… فلم يشهد التاريخ عرباناً بهذا الانصياع.

*مخطط شاليم عبارة عن سلسلة من المواقع قيد التطوير حاليًا تهدف إلى الربط معًا لتشكيل مدينة تاريخية واحدة فوق وتحت الأرض. وتشمل هذه ما يلي: قلعة نبع جيحون: تم التخطيط لأعمال التنمية السياحية لمنطقة نبع جيحون، بما في ذلك حفر الغرف المنحوتة في الصخر وفي منطقة فوق الأرض؛ استكمال أعمال التنقيب في وادي قدرون ودمجها في المسار السياحي. والمحافظة على الممر المحصن ودمجه في المسار. ميزانية الخطة مليوني شيكل مستمدة من الحكومة ومليوني شيكل من مؤسسة إلعاد. الشارع المتدرج: منذ عام 2013، تقوم سلطة الآثار بأعمال حفريات تحت الأرض على طول الطريق من بركة شيلوح / سلوام إلى موقف جفعاتي، تحت منازل الفلسطينيين في شارع وادي حلوة، الشارع الرئيسي في حي سلوان. تكشف الحفريات عن مسار شارع متدرج من العصر الروماني يقود من بركة شيلوح / سلوام باتجاه الحرم القدسي. تم تقديم الشارع من قبل مؤسسة إيلاد للجمهور باسم “طريق الحجاج”. وفقًا لهذا التفسير، فقد خدم الحجاج اليهود في طريقهم إلى الهيكل. لا يوجد دليل واضح لإثبات هذا الادعاء. وتتكون ميزانيتها من 22 مليون شيكل تمويل حكومي، و28 مليون شيكل من مؤسسة إلعاد. قناة الصرف: تم الكشف عن قناة تصريف تحت الشارع المتدرج. ليس من الواضح متى تم التنقيب في البداية على الرغم من ذلك، يزعم علماء الآثار الذين ينقبون حاليًا في الموقع أنه خلال الثورة الكبرى ضد روما، اختبأ المتمردون الأخيرين في القناة للتهرب من رعب الرومان. في إطار مخطط شاليم، من المقرر فتح القناة بأكملها للجمهور. وتتكون ميزانيتها من مليوني شيكل تمويل حكومي ومليوني شيكل إسرائيلي جديد من مؤسسة إلعاد. الهيكل الحجري الكبير: تم إجراء الحفريات الأثرية في موقع يقع أسفل مركز الزوار في مدينة داود. وفقًا لإيلات مزار، عالم الآثار الذي حفر في الموقع، فإن الهيكل الحجري الكبير هو من بقايا قصر الملك داوود. يجادل علماء آخرون في هذا الاستنتاج. سيتم الانتهاء من الحفريات المستقبلية للهيكل في إطار مخطط شاليم، وسيتم فتح مناطق عرض إضافية للجمهور. وتتكون ميزانيتها من مليوني شيكل تمويل حكومي وثلاثة ملايين شيكل من مؤسسة إلعاد. مجمع كيدم: كما أشرنا، سيُبنى مجمع كيدم عند مدخل سلوان، على بعد حوالي 30 مترًا من أسوار البلدة القديمة، ويقصد به أن يكون بمثابة نقطة الوصول إلى منتزه أسوار القدس الوطني. تم منح المشروع ميزانية ضمن خطة شاليم المخصصة لإكمال الحفريات الأثرية في الموقع والتخطيط لمتحف للأطفال. تم تخصيص أربعة ملايين شيكل من الميزانية من قبل الحكومة وستة ملايين شيكل من قبل مؤسسة إلعاد تأسيس الحائط الغربي أسفل قوس روبنسون: تقع المنطقة داخل حديقة مركز ديفيدسون الأثرية، والتي تديرها مؤسسة إيلاد. ضمن خطة شاليم، حصل المشروع على ميزانية لاستكمال الحفريات في الموقع، وجعلها في متناول عامة الناس، ودمجها في مسار زوار مركز ديفيدسون. وتتكون ميزانيتها من مليوني شيكل تمويل حكومي ومليوني شيكل مساهمة من مؤسسة إلعاد. التعليم والتوثيق والبحث والنشر: بالإضافة إلى المشاريع المذكورة أعلاه، تستثمر الحكومة 13 مليون شيكل في إنشاء برامج وأنشطة تعليمية للشباب والطلاب الذين يزورون المواقع في الحوض التاريخي للقدس، ولتوثيق الحفريات في الموقع، نشر المكتشفات وتطوير البحث في هذا المجال. الشارع المدرج، المعروف باسم “طريق الحجاج”. محاكاة لمركز زوار مؤسسة إلعاد المسمى مجمع كيدم، أمام أسوار المدينة القديمة وجبل الهيكل / الحرم الشريف. ستربط الأنفاق تحت الأرض بين مدينة داوود ومركز ديفيدسون.

“* يوم القدس، هو اليوم الذي تحتفل فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي باستكمال سيطرتها على مدينة القدس، واحتلال الجزء الشّرقي منها، وعلى وجه الخصوص البلدة القديمة، وذلك خلال حرب عام 1967

الحوض المقدس- او التاريخي- مصطلح إسرائيلي حديث يشير إلى منطقة جغرافية في القدس تشمل البلدة القديمة والأراضي المجاورة لها. يستخدم المصطلح في مجال البحث الجغرافي وفي الجغرافيا المعاصرة – الدراسات السياسية المتخصصة في التخطيط العمراني مثل المخططات الهيكلية المحلية للقدس ودراسات المستقبل السياسي للمدينة.

لم يتم تحديد مناطق منطقة الحوض المقدس بشكل واضح ولم يتم الاتفاق على حدود المنطقة من قبل جميع الجغرافيين المشاركين في دراسة القدس. نسخة محدودة ترى أن المدينة القديمة محاطة بأسوار القدس باعتبارها الحوض المقدس. وهناك نسخة موسعة ترى جبل الزيتون وجبل صهيون ومدينة داود أيضًا كجزء من الحوض المقدس..

الحوض المقدس ، في الواقع – القدس ، منطقة جغرافية مركزة لآلاف السنين من التاريخ ومئات من الأماكن المقدسة – بعضها مشترك في اليهودية والمسيحية والإسلام ، وبعضها فريد لإحدى الديانات الثلاث..

*عمق شبيه : منظّمة إسرائيلية  ناشطة من أجل حقوق الثقافة والتراث، تهدف إلى  الحفاظ على المواقع الأثرية كممتلكات عامة تابعة لكل المجتمعات والشعوب. تناضل المنظّمة ضد استعمال مواقع التراث والآثار كأداة سياسية في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وتعتبر علم الآثار وسيلة للجسر على الفجوات والتواصل بين الشعوب والثقافات. كما نؤمن بأن المكتشفات الأثرية لا يجب، ولا يمكنها، أن تشكّل أداةً بيد أبناء شعب أو ديانة ما لإثبات ملكيتهم الحصرية للمكان.

رابط الموقع لمزيد من التفاصيل عن مخطط شاليم والمخططات الإسرائيلية المرتبطة بالآثار والتراث:  

https://alt-arch.org/ar/about-us/ 

اترك رد