ادوارد سعيد: الخارج عن المكان

ادوارد سعيد: الخارج عن المكان 

رحل ادوارد سعيد في مثل هذه الأيام من سنة ٢٠٠٣ بجسده الذي صارع مرض السرطان لسنوات حتى صرعه، ولكن بقي متجسدا بأعمال لا يمكن ترحيلها. يُدفن جسد تحت التراب وتبقى الأعمال خالدة.

اول اعمال ادوارد سعيد كان بأطروحته الخاصة بالدكتوراه “جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية” (١٩٦٦). ومن اعماله “بدايات: القصد والمنهج” (١٩٧٤)، “الاستشراق” (١٩٧٥)، “تغطية الإسلام” (١٩٧٩)، “قضية فلسطين” (١٩٨٠)، “العالم والنص والناقد” (١٩٨٣)، “متتاليات موسيقية” (١٩٩١)، “الثقافة والامبريالية” (١٩٩٣)”، “تمثلات المثقف” (١٩٩٤)،” أوسلو: سلام بلا أرض”، “غزة – أريحا: سلام أمريكي”. بالإضافة إلى الكثير من الاعمال الأخرى المهمة والمقالات والمقابلات.

ادوارد سعيد (١٩٣٥) ابن القدس المولود بحي الطالبية لعائلة تهجرت ابان احتلال إسرائيل في ١٩٤٨ واستقرت بمصر. تلقى تعليما نخبويا اهله الالتحاق بجامعة هارفرد أوائل الخمسينات من القرن الماضي. أراد والده له ان يبتعد عن السياسة قدر المستطاع وانغمس بالأكاديمية وتفرغ لدراسة الادب الإنجليزي والفرنسي وغيره، وكان لهزيمة ١٩٦٧ وحرب أيلول الأسود، والعودة الى العالم العربي وتعلم اللغة العربية وقراءة فكرها من الغزالي الى نجيب محفوظ تجليا لحقائق فهمها سعيد بما يقوم به الغرب من حرف لما يحدث بالشرق بإعلامهم. وهنا بدأ سعيد بالتفكير بالخطاب الاستشراقيّ، وعلاقة المعرفة والسلطة في الصورة التي انتجها الغرب عن الشرق. قد يكون “الاستشراق” (١٩٧٨) قد شكل بلا مواربة قاعدة جديدة لفهم علاقة الغرب بالشرق وتركيب النظرة الاستشراقية لما صار عليه الشرق. فما قام به ادوارد سعيد بهذا العمل مؤسسا لانشقاق بارز في خطاب الاستشراق. فما كان عليه الاستشراق قبل كتاب ادوارد سعيد الاستشراق لم يعد عليه. فقلب كل ما اعد له الغرب من فكر استشراقي رأسا على عقب.

وادوارد سعيد، يختلف عن الخالدين بأعمالهم، لأنه حاضر كل يوم أكثر في ارثه الذي نبكيه حرقة وحزنا… علّنا نتعظ او نتعلم مما قاله وكتبته وصرح به وتركه لنا لنعتبر. 

فكرت بمادة اكتبها عن ادوارد سعيد، ولجأت الى كتاب صبحي الحديدي ادوارد السعيد الناقد- آداب التابع وثقافات الامبريالية. فلو اردت الكتابة بكلماتي الخالصة كنت استخدمت عبارات الحديدي التي وضعها بعناية واسهاب ودراسة معمقة، عبرت بدقة في مواضع كثيرة عما قدمه ادوارد سعيد وما يحمله فكره وما تركه لنا لنتعلم منه لأجيال كثيرة قادمة ويبقى للتاريخ. 

ادوارد سعيد كان ناقدا، ومفكرا، ومنظرا استثنائيا وسط عالم النقاد والمنظرين والمفكرين. فهو من المفكرين ” الذين يسهل تحديد قسماتهم الفكرية الكبرى، ومناهجهم وانظمتهم المعرفية وانشغالاتهم، ولكن يصعب على الدوام حصرهم في مدرسة تفكير محددة، او تصنيفهم وفق مذهب بعينه.” فهو بكل بساطة يشكل نموذجا بحد ذاته، او بالأحرى ظاهرة لا تتكرر بسهولة. فيكفي لتراب فلسطين عظمة وخلودا بتجذر ادوارد سعيد منه. 

ادوارد سعيد، كزيتون فلسطين الذي عاش وكبر وهرم وبقي على امتداد العصور. تغيرت تسميات الحضارات وبقي الزيتون. وادوارد سعيد كشجر الزيتون تجذر بالوجدان الفلسطيني حتى صار مشكلا أساسيا بهويته. 

كم يمكن ان يمر علينا ناقدا ومفكرا على قدر امكانيته بأن يكون ” يساريا، علمانيا، انسنيا، وحداثيا، ولكنه كتب نقدا معمقا بالغ الجرأة ضد يسار ادبي يبتذل الموهبة الإبداعية حين يخضعها للسياسة اليومية او الطارئة، فينتقصها او يستزيدها بالقياس الى ما ليس فيها، وكان من بين أشجع نقاد العلمانية، ومارس فضحا منهجيا صارما واصيلا لنزعة انسية مطلقة، …. كذلك غاص عميقا في تاريخانية الحداثة وملفاتها الاجتماعية، وكان في طليعة من فتحوا ملفات الاستشراق وتخييل الشرق، واعادوا قراءة فانون بهدف تكوين جدلي لنظريات الخطاب ما بعد الكولونيالي، وحق التابع في تمثيل الذات.”

لا يمكن تجاوز أي من اعمال ادوارد سعيد وتركه لتصنيف خالص بموضوع طرحه. فبلا أدنى شك، كان هناك ما يتم ايقاظه في وعيه عبر السنوات ليقوده الى مكانه الأكيد ” خارج المكان”. وهنا كل حرف وكل كلمة وكل ترتيب لعبارة وعنوان كان له مغزى لا يمكن ان يكون عابرا. “خارج المكان” يعتبر بعض من سيرة سعيد الذاتية الذي يروي فيها أكثر من سرد لذكريات المكان، من القدس الى القاهرة الى لبنان الى أمريكا. إحساس سعيد الطاغي الذي نادرا ما فارقه بأنه دائما خارج المكان هو ما يشكل قوة الدفع عند سعيد في محاولته ليكون بداخل مكان ولكن عبثا. ففي هذه المحاولات تخرج كثافة التفاصيل المنطلقة من وصفه ببساطة ودقة وشعور عميق بسرد عفوي. الانكسار، الاقتلاع، الفقدان وانقلاب الحياة الفلسطينية واحد مهما اختلفت ظروف صاحبه. شعور يصاحب الفلسطيني انما ذهب في محاولات بناء لا تتوقف. لا راحة فيها، لا استكانة. محاولات تجعله دائما خارج المكان بعملية سعي دائمة نحو مكان لا يستطيع الرجوع اليه… وان رجع… فالخذلان والانكسار والفقدان يعيد تشكيل نفسه في قالب اخر، ليعود الفلسطيني الكرة في عملية البحث عن استقرار في مكان نحو ذلك المكان. 

ولأهمية “خارج المكان” ما حاربته آلة الاعلام الصهيونية والغربية ولا تزال بالرواية الفلسطينية للتاريخ. يقول حديدي: “خارج المكان” يحتوي على الكثير من البورتيهات المصغرة المدهشة التي رسمها سعيد لحيوات عشرات لفلسطينيين والفلسطينيات. واما أهميتها الخاصة فهي انها تسهم في كتابة وإعادة كتابة سردية فلسطينية مضادة بالضرورة للسردية الصهيونية الكلاسيكية، عن سنوات استلاب فلسطين.” 

من هنا، صار سعيد خارج كل الأمكنة. فلم يعد مجرد أستاذ ادب منظر فتحت أمريكا له أبوابها بعد ان تلقى التعليم من مؤسساتها المختلفة. لم يعد مشروعا إمبرياليا استشراقيا كما يفترض ان يكون. فأطلق عليه لقب ” بروفيسور الإرهاب” وتم ترويج الاعلام “الصهيوني” ضده لكونه عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية. كما لم يكل الاعلام الصهيوني من تكذيب روايته واختلاق سرديات عن حياة ادوارد سعيد ومولده. 

في المقابل، دفع سعيد ثمنا باهظا من قبل الاعلام الفلسطيني- السلطوي- لمعارضته الشديدة لأوسلو. فما نشهده كل يوم، يؤكد لنا مرارا وتكرارا ان تحليلاته وتحذيراته ودقه نواقيس الخطر بشأن مغبة أوسلو كان كاشفا لشجاعته ونبله وثقابة معرفته وصواب تحذيراته. 

اعلام وصف شهرته بأنها مبنية على استثمار حكايته الشخصية من “مدلل اليسار الأمريكي” الى “الرمز الحي للشتات الفلسطيني”.  واعلام شوهه ومنع كتبه واتهمه بالأجندات المدسوسة. 

ولكن بقي مبدأه بقول الحق في وجه السلطة حاضرا أكثر كلما مرت السنوات عن سعيد أكثر، فحذر من “خطر انحراف المثقف المحترف نحو مجاراة السلطة، بالتالي التنازل طواعية عن هوامش التحرر المعتادة المرتبطة بحس الهواة. واكد انه لا يوجد نظام او منهج موثوق بما يكفي فيقول: {في العالم العلماني- عالمنا، العالم التاريخي والاجتماعي الذي يصنعه الجهد الإنساني – ليس للمثقف سوى أدوات علمانية يشتغل بها، فالوحي والالهام، الممكنان تماما كطرازين في الفهم على صعيد الحياة الخاصة، ينقلبان الى كارثة إذا وضعا تحت تصرف الرجال والنساء ممن تتحكم النظرية بأذهانهم}. وعليه، فلا مفر من حتمية تورط المثقف في {نزاع مدى الحياة مع كل سدنة الرؤية او النص المقدسين.} وعليه، ان واحدا من أبرز أنشطة المثقفين في كصرنا هو مساءلة السلطة، وليس تقويضها بالضرورة.” 

{وحده الكاتب الكبير هو الذي يتحدى قلعة اليقين تلك. ولسوف يرى أيضاً أن عمله يحتاج إلى حماية ليس من الكتّاب الذين سيجيئون من بعده فحسب بل من الكتاب الذين سبقوه، والذين يذكّرونه بقوتهم وبسلطتهم السابقة عليه، وبموقعه التالي في خطّ السلالة.}

الاقتباسات من كتاب: ادوارد سعيد الناقد – للكاتب صبحي الحديدي

Leave a Reply