Monthly Archives: September 2020

حفلة اتفاقيات التطبيع وشجبنا كثيرا واستهزاؤنا اكثر.
ربما نتصرف كمن يقضم المه بصمت او استهزاء ليخفف مأساوية المصاب.
ولكن ان نبكي تطبيع الامارات والبحرين بينما في مشهد ‘تاريخي’ اخر بنفس المكان هللنا وصفقنا ورحبنا ورقصنا.
نحن كنت اول الموقعين على بيع القضية… فما يجري اليوم ليس بالامر الجلل …
كل ما بالامر سحب البساط رسميا من تحت اولي السلطة… لن يسمسروا اكثر مقابل بيع القضية ومقايضتها حتى بالمواطنين.
ما جرى اليوم وما سيجري غدا جزء من عملية بدأناها نحن بتوقيع سابق وافتخرنا بتسميته سلام الشجعان. اتفاقية لسلام منح اصحابه جائزة نوبل للسلام.
اليوم ترامب يريد ان يدخل التاريخ كذلك كرجل السلام … نحن بمرحلة ترامب ليس لان ترامب صاحب قوة وعظمة وبطش… ولكن يقين ترامب ان لكل شيء شخص ثمن … وكل شيء يمكن المقايضة عليه بعالم عربي اسسه لورانس الصحراء وبأبخس الاثمان.
ما حصلت عليه امريكا وقوى التحالف ابان الحربين العالميتين ، وما حصلت عليه اسرائيل ابان اوسلو يجعل كل خطط ترامب ممكنة التطبيق …. بل اكثر امكانية … فلقد لبس العرب البدلات واقتنوا الساعات وركبوا السيارات ، وقايضوا بها اوطانا وشعوبا ، في زمن لم يكن البنطال فيها يمكن لبسه والشمس كانت البوصلة والجمل هو رفيق الطريق… فكيف اليوم ونحن في زمن الرأسمالية التي تتجلى بشكل خارجي يحكمه اموال تعكس ثمن صاحبها؟
لا اقول هنيئا لاسرائيل هذا الانجاز ولا لترامب هذا الدهاء في تقوية فرصه ولا للدول العربية بتحقيق حلمها برؤية الاسراييلي المتمدن . … فالانتصار بمعركة بلا حرب … ليس انتصارا.
واعلان السلام بين دول تشعل الحروب لتبقي نفسها سالمة لا يمكن ان يكون سالما.
وكما لكل مصالحه بعيدا عنا… كل يحارب معاركه الفاشلة باسمنا …. فلمن ابرم سلما فليسلم … ولمن اعلن حربا فليعد العدة بعتاده ….
لن نحارب معارككم من اجل جشعكم ….
شعب لا يستطيع افراده ضمان امنهم في سلطة نستبيح القضاء ، وتسيطر على الامن لمصالح افرادها ، وجوعت الشعب واذاقته المرار وجعلته يترحم جبروت الاحتلال … لا كلمة له في تطبيع او تطقيع…
الحمدلله ان السلطة ضد هذه الاتفاقيات (حاليا) فلقد وفرت علينا الطقيع والطلقات في الهواء والمهرجانات الوحدوية والعروبية !!!
لقد اوصلونا الى الحضيض …. وها هو العالم يدوس علينا ويمشي من فوقنا.

اقتلعتُ نفسي من جذوري وأبقيتُ اسمي عليها منذ زمن ورحلْت….

وتكوّرْتُ بذاتي وجسدي على ناصيةٍ علّني أجِدُ أرضاً لجذوري وتركتُ روحي تُحلّق

وكأنّ الأرض في زحامها سماء شاسعة بالكاد تتسع لحريتها

وتجذَّرْت…

وصارت روحي جذوراً لا تُقتلَع

وجسدي ونفسي باحتواء لروحي التي تبدو أبديّة

سترحل أنفاسي يوماً من هذه الأرض وجسدي

لتبقى روحي في تحليقها الأبدي

سأترك في وصيّتي بِضع كتب وهدير كلمات

وسأزهد فيما أنعَمتْه عليًَ الحياة من جسد بأعضاء علَّها تساعد الحياة لآخرين

سأزهد فيما ليس لي 

يا لأنانيتي كمخلوق بشريّ

سأترك انانيتي لتهيمن مرة في حياتي 

وسأدّعي الزهد في تركي لجسد لم يستطع التجذّر أبداً في هذه الحياة

بحفرة قد تكون أصغر على ناصية المقابر

لأنني حينها سأكون كما دوماً لستُ لي

ذلك الجسد وتلك النفس لم تكن أبداً لي

ربّما نفخ الله روحي في هذا الجسد وهذه النفس مع هذا المكان وهؤلاء الناس هكذا

بامتحان كونيّ ما

باختبارات الخالق لخلقه 

فلا أستطيع الاعتراض على حكم الله في تدبيره لخليقته 

سيَحْمِلُ كفني ويأخذُ عزائي من حملتُ اسمهم هكذا

فربّوني رأفة بتربية الإناث

وحملوني بعبء حمْلِ من ينجب للحياة بنات

فتوجّبَ عليَّ العرفان في حياتهم ومماتي..

وسأرحلُ من وجودهم لأكون في مماتي مستحقّة لرحمة الله

كما في حياتي مرتجاة لهدايته.

وسأبقى ربما لأولئك الذين رأوا بي شعلة سقطت كالشهب من السماء 

وتجذّرَتْ….

هكذا من إعجاز الحياة …

ذكرى لبعض 

وروح ترافق من آمنوا أنّ الأرواح لا تموت 

ولا تترك من يؤمن بوجودها الأبديّ

وتصير وصيّتي حياة يعتبر منها من يؤمنون مثلي 

بأننا خلقنا على هذه الحياة لنُعمّر لا خُلِقنا

لنزرع الخير لا نحصده شرّا وشروراً

خلقنا على هذه الحياة لنضفي للكون نوراً لا ناراً

لا اعرف كيف يمكن ان أعنون ما اكتب بهذه اللحظات. 

اعرف فقط ان خوفا ما يعتريني، وبداخلي ما يحارب هذا الخوف بلا عناء مسيطرا بإحكام مستبد عليّ وباستهزاء. 

دغدغة ما… لا تشبه سابقاتها التي لم يسبق لها مثيل.  فأنا احترف الكذب عند هجوم الحب عليّ. كما احترفه عند استيقاظي من نشوة كتاب لم أقرأ ببلاغته وجماله كتابا من قبل. 

أنا اكثر الكاذبين احترافا عندما اصف حالة نشوة الكتاب الأفضل والحب الأول. 

فما اكثر كتبي التي لم اقرأ مثلها من قبل وحلفت بكل العظماء والقدرات الغيبية والوجودية بأنه كان الأفضل بلا منازع… 

كما بالحب فلم اشعر بحب يشبه هذا الحب من قبل. 

دغدغة..نمنمة ما… تأتي من مكان لا يتأثر بكل عوامل التغيير التي طرأت علي. لا اهتم ان كنت كاذبة من قبل … ما يهمني هو ما تقوله لي اللحظة… اللحظة التي تسقط كل ما سبقها وتلغي إمكانيات وجود كل ما يمكن ان يكون من بعدها.

كنت بهذا القدر من الراحة بتوصيف حالتي حتى وقت قريب. راحة استغربتها بهذا الكم من التماهي الذي اعيشه مع نفسي. 

لم اصدق يوما ان ما يقال عن قدرة الانسان على العيش مع نفسه تماما بلا حاجة لشريك حقيقية. على الرغم من ادعاءاتي الدائمة انني لا احتاج الى شريك، الا انني لطالما بحثت عنه. لطالما عملت لأكون بصحبة شريك يكملني. 

استمتعت وتماهيت مع مقدرتي بالعيش باكتفاء لا يحتاج الى رجل ليكمله. 

خفت ان أكون قد مسست او اقتربت من الجنون الفعلي.. فصارت اثارتي واكتفائي بكتاب اقرأه او مقال او مشروع كتاب اكتبه. عالم متكامل من الشغف والاكتفاء بين كتابة أكثر وقراءة أكثر. تنافس أكبر بين ما اكتبه أكثر ام ما اقرأه أكثر. وقد يكون الخوض في عالم النباتات في مساحتي المحددة جدا لهكذا إمكانيات، بالإضافة الى اطلاقي العنان لنفسي بأن أكون ما انا عليه. ان أكون ما تخيلته عني في محاولات متعددة وكثيرة بلا ارتياب او تخوف. 

ازداد شعوري بحاجتي بالتفرد مع ذاتي أكثر ويقين بعدم حاجتي الى آخر. 

حتى اوقفني مشهد الغروب في تكرار حاولت تجاهله مرارا… 

لم يكن الشعور مباغتا، ولم يرم علي بأمواج عاتية من الذكريات ولا المشاعر. 

استوقفني بتوقف الإشارة الضوئية بتكراراتها المحدودة جدا والقصيرة، ليعود تكرار نفسه بالشهر التالي أولا، ثم بأسبوع، ثم ليجدد تكرار نفسه أمامي في أيام متتالية. 

فتراكمت الذكريات الدفينة وحركت ركود مشاعر نائمة لم اعد أفكر انني احتاجها. 

مشاعر كتلك التي اكنها للأحبة … مشاعر عند يقين بها.. مستكينة بنفسها تدفق وجودها بداخلي من خلال مسلمات وجودي… كحجيرات قلبي الدائمة يتربع بها أصحابها بإحكام منذ زمن. 

تزامنا مع قراءة هنري ميلر وفجاجة مصطلحاته لا اعرف ان كان هذا محفزا لوقاحة مشاعري…فإطلاقها. 

مرة أخرى أجد نفسي محلقة في مكان لا ادعي انني اشتقته. 

مكان احلق فيه كمن يطير في لحظة هذيان… 

نمنمة تعتريني.. وجهي، يداي حتى أخمص قدمي. قلبي ينبض وكأنه يذكرني ان ما نبض به بالسابق كان هو حالة الاستكانة لا هذه.

وكأن ما مضى كان هو المكان الامن لا الآن. 

قلبي يتربع كمن يحمل سيجارة على مقهى ويتأمل المارة باستهتار. ينظر الى تسارع الحياة امامه ولا يأبه. فالحياة كلها عنده بفنجان قهوة وسيجارة عابث غير مدخن. 

وكالجالس المتباهي بالمقهى احوم حول نفسي، انشغل بالمارة من شؤون حياتي… ابعثر صفحة هنا وتقييما هناك. ادخل في نقاش عمل وسجال سياسة واعود ادراجي والوذ مع نفخة سيجارة اعرف أني لا اعرف من لذتها الا دخانها وادوخ بذاتي مع مكنوناتي واتنهد… 

اهو شوق توق لحبيب غاب دهرا كغيابه المتوالي؟

ام هو حاجة لشعور تركه الفراغ واملأه عنوة حنين الغياب؟ 

ام هو شعور مقدر هذه اللحظة كما كان مقدرا قبل ذلك وقبله على مدار السنوات؟ 

ام انها روح الكاتبة بداخلي تشتاق لضحايا تملأ حبر قلمها لتفرغها على الورق بلا رحمة. 

(يتبع……دهاليز احلام- رسائل العشاق)

https://youtu.be/CHPfTbQZYQ8

التقيت بلا موعد او توقع مع رجل بسيط . بينما شرح لي بشغف عن بذور القرع والخيار ووصف لي عناقيد البندورة بحسن انتاجها ، كان كل ما تكلمنا عن الصور ضحك قائلا : ان لا اتصور لكي لا تحترق الصورة مشيرا بضحكة الى لون بشرته. وكنت ارد عليه بنفس الدعابة مشيرة الى لون بشرتي : اكيد بفهمك لاني شقراء. ترددت دعابة حرق الصورة والفلاش لاتبين ان بين ذلك المزاح كانت هناك جدية موجعة. استرسلنا بالحديث وبعدها استأذنته بالتصوير والتسجيل لان ما قاله كان قد فاق ما اتخيل من قصص كنت دائما افكر ان موضوع الاقصاء والعنصرية فيها نسبي وتشبيهي فقط. فنحن لا نعيش بعنصرية الاسود والابيض …. او هكذا فكرت ….

مؤلم ، جريء، حقيقي لدرجة تجعل من الصورة بالفعل تحترق.

اوجعني وابكاني هذا الحديث …. اسقط عن وجهي حتى قناع عنصرية متأصلة حتى ولو عشت بانكار وتنكر ورفض لها

جرى اللقاء في قرية وادي فوقين – احدى قرى غرب بيت لحم . وادي فوقين قرية تتزاحم حولها المستعمرات من كل الاتجاهات، وتشكل جزء من كتلة عصيون الاستيطانية .


أقرأ المزيد من أعمال نصر أبو زيد ، لا للتقرب بالضرورة من فكره ، ولكن هكذا تكون احيانا الامور في مقدرات القارىء. علاقتي بما أقرأ تشبه كثرا علاقتي بالقدر . أترك ما هو مقدر من القراءة ليأخذ مكانه في اجوائي. وليس هذا صدفة محضة طبعا ، الدخول في عالم الفلسفة الإسلامية كالدخول من بوابة لا تلبث تفتحها حتى تصادف طريق؛ بوابات اخرى كثيرة لطرق تريد ان تخوضها جميعا . مما لا شك فيه ان دراسة الفلسفة الإسلامية بها إدمان ، لا يرويه الا المزيد الكثير . لربما ارتباطنا الوثيق كمسلمين بموروثنا الديني المرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ متداخل بزمن حدده الدين بأفراده وأحداثه . فصار أبطاله جزئا من هذا الموروث الذي اختلط فيه الايمان بالفكر حتي اصبح عقيدة لا يمكن فك خيوطها المحتكمة واختلطت الثقافة بالاسطوره. يصف ابو زيد القرآن بأته منتج ثقافي ، ويشرح ذلك بقوله : ” ان القول بأن القرآن منتج ثقافي يمثل بالنسبه للقرآن مرحلة التكوين والاكتمال ، وهي مرحلة صار النص بعدها منتجا للثقافة . بمعني انه صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الاخري ، وتتحرز به مشروعيتها . ان الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها ، وبين امداده للثقافة وتغييره لها” . هذا التشخيص أدخل آبو زيد في حرب غوغاء شنت ضده، ان دل على شيء ،دل على استفحال الجهل في العقول المتحكمة في صناعة الرأي المسلم ، وكما يؤكد آبو زيد انه ” اذا كان دواء الجهل يكمن في المعرفة التي بابها القراءه ، فان دواء الافات العقلية المستعصية هو في المصحات النفسية . وكم من الناس يحتاج الى علاج آفة الجهل المستعصي على المعرفة والقراءه والبحث “. ويؤكد أبو زيد ان هناك قاعدة مهمة وسط متاهات الضياع والغدر ، فإن” الأفكار لا تموت-وإن طالت يد الغدر حياة أصحابها وسمعتهم مس كرامتهم- فإن “الفكر” أعظم ما كرم الله به الإنسان على مخلوقاته كافة-يواصل رحلته،متصديا للتكفير كاشفا القناع عن وجههه القبيح،الجهل والخرافة والتزييف،إنه التفكير في زمن التكفير،عصا موسى التي تلقف ما خيل السحرة للناس من سحرهم وافكهم ، ولا يفلح الساحر حيث اتى ، والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. التفكير في زمن التكفير كان ولا يزال القضية التي تسطر طريقة ادائنا في التعامل مع قضايانا المختلفة . القضية في جوهرها كما يصفها ابو زيد هي ” قضية صراع بين نمطين من التفكير .يعبر كل منهما عن موقف من الواقع الراهن السياسي الاجتماعي الاقتصادي من جهة، وعن موقف من التراث الديني الاسلامي بصفة خاصة من جهة اخرى”. فالنمط الأول يمثل “نمط الثبات والتثبيت والدفاع عن الماضي والتشبت بقيمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يفضي اليها ذلك من تزييف الحاضر وسد طريقنا أمام المستقبل”. فالثبات في هذا الصدد يعني بقيم تقاوم التغيير وتنفر من التطور، وهذا التشبث بهذه القيم “يعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر،مصالح يهددها التغيير ويقضي عليها التطور”.فيقدم أصحاب هذا النمط من التفكير “لتبرير مواقفهم ،تأويلا للتراث الإسلامي وفهما له يجعله ناطقا بهذه القيم. اي يقومون باستخدام التراث الاسلامي بل والاسلام نفسه ،استخداما نفعيا ذا طابع سياسي براجماتي بالدرجة الاولى” . بسبب هذا النمط، تحول الاسلام مع مرور السنين على حد تعريف ابو زيد الى “منظومة تركت القيم الروحية الروحية والاخلاقية التي تتخلل كيان الفرد والمجتمع ،الى مجرد د يافطة سياسية لحشد الجماهير واستغلال البسطاء وابتزاز انصاف المتعلمين وتحريك عواطف كثير من المهنيين .” هذا التحول ادى الى تولي القيادة الدينية لمن “هم اقل علما ووعيا واكثرهم في الوقت نفسه قدرة على الفعالية الحركية السياسية ،لأن العبرة لم تعد “فهم”الدين ،بل “استخدامه” .” اما النمط الثاني هو” نمط التركيز على الفهم واستنباط الجوهري والدفاع عن التطور لمعانقة المستقبل”. وهنا يكون تركيز من يتبنون هذا النمط على الفهم . فهم التراث والدين معا . بلا اي محاولة لاستبعاد الدين ولكن يغلب على خطابهم الاتجاه النقدي لا البراغماتيكي. فيسقط هذا النمط القدسية عن التراث. ولكن يتمالتعامل معه على انه فكر بشري مستمد من التاريخ الانساني الخاضع للنقد كما فعل ابن خلدون مثلا. فيدرسون تاريخ الفرق الاسلامية والاتجاهات الفقهية والكلامية والفلسفية من المنظور النقدي نفسه لا القدسي غير الخاضع للتأويل او التفسير. ومنا تبدأ الحرب المعلنة على التفكير النقدي والنفور منه الى حد التكفير. ما قام به ابو زيد هو الحراك على ثلاث محاور : دراسة التراث دراسة نقدية ، ونقد خطاب “الاسلام السياسي” لانه يحول الدين الى مجرد وقود في المعارك السياسية ،ومحاولة تأصيل وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. يمارس بهذا معركته على ارض المعرفة بإنتاج الوعي ،وعلى ارض التعليم بزرع الوعي في عقول الطلاب. يؤكد ابو زيد ،انه عندما يقوم الخطاب الديني برفع مبدأ “لا اجتهاد فيما فيه نص” في وجه العقل ،” انما يقوم بعملية خداع ايديولوجي ، لان ما كان يعنيه القدماء بالنص هو الواضح القاطع الذي لا يحتمل الا معنى واحدا،والنص بهذا المفهوم في القرآن الكريم نادر . واما سائر الايات فهي تحتمل التأويل والاجتهاد. واما في الحديث النبوي، فهو اندر ، لان معظم الاحاديث النبوية نقلت بمعانيها لا بألفاظها ،بالاضافة الى ما دخل الاحاديث من التزييف والانتحال”. يرى ابو زيد ان الخطاب الديني المعاصر هو” المسؤول الى حد بعيد عن حالة التخلف التي يعانيها العالم الاسلامي منذ ان توقف الاجتهاد وشاع التمسك بالتقليد. فهناك” فرق بين “الدين” و”الفكر الديني” الذي لا يكتسب من الدين قداسته ولا اطلاقه ، بل هو اجتهادات بشرية لفهم النصوص الدينية وتأويلها” . وعليه ، “فان مناقشة اراء الفقهاء القدماء والكتاب الدينيين المحدثين ومحاكمة فكر اولئك وهؤلاء على انه تعرض للدين ، انما هو ضرب من الاجتهادات الذي يؤجر صاحبه اجرا اذا اخطأ ويضاعف له اذا اصاب”. ان طرح ابو زيد يمثل خطرا على الوجود السياسي ،بل والاجتماعي للخطاب الديني السائد والمسيطر. لانه يحاول طرح وعيا مغايرا بالدين وعلميا. يقول ابو زيد في كتاب نقد الخطاب الديني ، “ان الخطاب الديني المعاصر :الياته ومنطلقاته الفكرية ،قررت ان الخلاف بين “الاعتدال” و”التطرف” في بنية الخطاب الديني ليس خلافا في النوع ، بل هو خلاف في الدرجة،وكان من اهم الادلة التي استندت عليها لاثبات هذا الحكم ان كلا الخطابين يعتمد “التكفير” وسيلة لنفي الخصم فكريا عند المعتدلين ، ولتصفيته الجسدية عند المتطرفين”. فالتطرف هو جزء جوهري في نسيج الخطاب الديني المعاصر ، لان” منهج “النقل” يفضي الى الاتباع وكلاهما يناهض “آلابداع” ويعاديه ، بل ويسعى للقضاء عليه ، ولا يتحقق ذلك الا بالتكفير العقلي الذي يفضي بدوره الى التصفيه البدنية ،الى القتل بالقنابل والرشاشات”. يتساءل ابو زيد اذا ما كان من قبيل المصادفه اللغوية ان ترتد المادتان اللغويتان “كفر” و”فكر” الى جذور واحدة؟ من منظور اللغة على حسب تأكيده ، فان هذا ليس منطقيا. “فالفارق في ترتيب الحروف بين الصيغتين فارق دال على ان التفكير حين نقلب على نفسه يصبح تكفيرا. هنا يفقد كل خصائصه السابقة ، كما فقدت الكلمة خصائصها الصوتية عن طريق هذا التقديم والتأخير. ويتحول الى جهالة عمياء لا هم لها الا القتل . ولا فارق ان يكون القتل بالكلام او ان يكون بالسلاح ، ما دام الجهل متجذرا في بنية العقل في الحالتين” . يؤكد ابو زيد على انه “لا خلاف ان الدين –وليس الاسلام وحده يجب ان يكون عنصرا اساسيا في اي مشروع للنهضة ” .الخلاف الاساسي هو حول المقصود من الدين، هل الدين هو ما يمارس من جانب كل المسلمين بكافة الاتجاهات من ناحية ايديولوجية ، اي عبادات وطقوس؟ ام الدين هو ما به من قوة دافعة نحو التقدم والعدل ،بعد تحليله وفهمه بما ينفي عنه الاسطورة ؟ المشكل في كل هذا الجهل المركب كما يؤكد ابو زيد ،انه–سواء حسنت النوايا ام ساءت ،فان هذا الجهل يصدر عن” تصور لطبيعة عفا عليها الزمن، وصار من مخلفات العصور الماضية، سواء تلك الني كانت ترتع في بقايا الفكر الاسطوري ،او تلك التي حاولت تجاوز مرحلة الفكر الاسطوري ، ودخلت نهج التفكير العقلاني” . لانه وفي النهج الاسطوري ،فإن اللغة لا تنفصل عن العالم الذي تدل عليه ،اي ان هناك علاقة متطابقة بين اللفظ والمعنى . “وما تزال بقايا هذا النهج الاسطوري في تصور اللغة موجودة حتى الان في كثير من المظاهر التي يمكن تلمسها في حياتنا الاجتماعية”.

دبلوماسية وزير الخارجية الهادئة هي “حل” السلطة

عشنا كشعب فلسطيني على مدار العقود السابقة على دعم العالم لقضيتنا العادلة. في كل اجتماع للأمم المتحدة ولجانها المختلفة، وقراراتها بشأننا، كنا نُشهد العالم أنّ هذه القضية هي قضية حق، ومن اجل هذا فإنّ الاجماع عليها بديهيّ. ولا يختلف الأمر كذلك بشأن جامعة الدول العربية التي لطالما شكونا سلبيّتها بعدم أخذ مواقف وقرارات أكثر حزماً في الأمور المختلفة التي لطالما سعينا لتثبيتها. 

ولكن تغيّر المواقف الدولية والعربية تجاهنا لم يحدث فجأة. فلطالما بقيت قضيتنا القضية الأكثر عدلاً أمام معظم شعوب العالم. من الصعب تحديد متى بدأ هذا الانهيار بثقة العالم بنا وبقضيتنا، لأن المواقف كثر. وتستحضرني بهذه اللحظة قرارات وقَف العالم بها الى جانبنا وخذلناه منذ انتشار السفارات الفلسطينية برأس حربة دفاعها “دبلوماسية هادئة”: 

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة ٢٠٠٤ القاضي بعدم شرعية الجدار الفاصل. تصويت ١٥٠ دولة لصالح قرار وقف بناء الجدار وتفكيكه في الجمعية العامة تأكيدا لقرار محكمة العدل الدولية.

المأساة الكبيرة تلت كانت بسحب (فلسطين) تقرير جولدستون بشأن جرائم إسرائيل في عدوانها على غزة من المناقشة في مجلس الأمن في تشرين الأول من عام ٢٠٠٩

وجاء من بعدها سحب طلب طرد إسرائيل من الفيفا سنة ٢٠١٥ بعد ان تم التجنيد لمشروع القرار وتصويت أكثر من ٧٥٪ من الدول الأعضاء لصالح الطلب الفلسطيني.

ومن بعدها رأينا الكثير من الجولات المزعومة والتلويح بالذهاب الى المحكمة الجنائية الدولية عند كل محاولة للضغط على إسرائيل، أذكر أحدها كان في وقت كانت المحكمة الجنائية في عطلة كاملة. 

كنا كذلك قد رأينا تراجعاً دولياً وعربياً على منبر الأمم المتحدة والجمعية العمومية بالسنوات الأخيرة بشأن القرارات المتعلقة بفلسطين. فما كنا نحصل عليه بإجماع الا من عدد محصور جدا من الدول التي كانت تتحفظ ودول بعينها ترفض ـأمريكا وإسرائيل مع دول لا حول لها يرتبط وجودها بالمباركة الامريكية. 

وفي الأعوام الأخيرة صارت القرارات التي تصدر بالشأن الفلسطيني بالكاد تمر مع امتناع وتصويت ضد القرار ممن قبل دول كانت دائما تصطف الى جانب الشعب الفلسطيني، كان آخرها قرارات ٢٠١٩.

وعلى الأرض، صودرت الأراضي لصالح المستعمرات الإسرائيلية، ونقلت السفارة الامريكية الى القدس وتلاها سلسلة أخرى قادمة من الدول، وتشرد الفلسطينيون بالمخيمات السورية واللبنانية اكثر، وعملية التهويد للقدس في تزايد، والاتفاقيات مع الدول العربية كانت تتزايد، وفي الكثير من الأحيان لم يرق رد الفعل الفلسطيني حتى الى الشجب، وفي احسن الأحوال امام كل ما جرى ويجري فالشجب هو اكبر ما يمكن ان يقوم به الجانب الفلسطيني.  

من جانب آخر، كانت مبادرة السلام العربية التي نسمع عن التمسك بها من قبل اهل السلطة وكأنها طوق النجاة المتبقي من السفينة الغارقة لقضية السلطة الفلسطينية.

خرجت المبادرة العربية للسلام  سنة ٢٠٠٢ بعد إقرارها من قبل مؤتمر القمة العربي بالاجماع  والتي نسمع يومياً عن تمسّك السلطة الفلسطينية بها نصّت، بعد أن دعا الأمير السعوديّ عبد الله بن عبد العزيز إلى انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ ١٩٦٧… ومبدأ الأرض مقابل السلام…. وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل. صحيح أن ما يجري اليوم من تطبيع معلن استبق بنود المبادرة التي طالب فيها المجلس “إعادة النظر من قبل إسرائيل في سياساتها وان تجنج للسلم معلنة ان السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي”، وكذلك الطلب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بما فيها الجولان السوري وغيرها من الأراضي الواقعة حتى خط الرابع من حزيران ١٩٦٧، والتوصل الى حل عادل للاجئين وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود. وبناء على هذه المطالب ستقوم الدول العربية ” باعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة”.    إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل 

أذكر حينها، كيف أنّ هذه المبادرة شكّلت صفعة لي كفلسطينيّة. ربما، التفكير بالسلام في ظل احتلال لم يعط من اتفاقية أوسلو حديثة العهد حينها (والتي لم نكن قد هضمناها بعد) الا اللاءات الشهيرة التي كانت تتصدر نشرات الاخبار، من لاءات شارون الى لاءات نتانياهو. وعليه، بينما كان هناك تمسّك بمبادرة رفضتها إسرائيل قبل ان نفكّر ان نرفضها امراً لا يستدع النقاش. أمّا بالنسبة للسلطة، فصارت هذه المبادرة هي كَرْتهم المتبقّي الوحيد ربّما في كسب بعض الجولات الممكنة باستمرارهم فقط باللعبة لا غير. جولات خاسرة في كل مرة، كان الخاسر الوحيد فيها الفلسطيني التي تملأ طاولته البطاقات المدفوعة سلفا للاستمرار باللعب، بلا معرفة بقوانين للعبة لم يتمرسها من قبل، وفرح بدور لاعب أساسي على مدار عقود للعبة تدار امام عينيه وبمعرفة تامة ممن يراقبون جولات اللعب بمكان لم يكن بالضرورة على الطاولة. 

خسرنا بالمفاوضات التي تنازلنا بها وطوعنا لها وخنعنا وبقينا على طاولة المفاوضات فارغين من كل شيء حتى الشركاء والأنداد. 

لم يبق من مطالبنا الا شعارات: حدود ١٩٦٧ التي لم نعد نعرف منها الا ما تقرّه إسرائيل بعد قضم وبلع لم يبق الا مناطق محدّدة بالكاد تتسلّط عليها السلطة إذا ما شاءت إسرائيل. الأموال التي دفعت على مدار العقود من اجل إبقاء اللاعب الفلسطيني صاحب السلطة بالاستمرار بهدر الطاقة والزمن والأموال كان لا بد لها ان تتوقف. فنحن نرى كيف يعش العالم أزمات متتالية، وفي ظل تفوق الرأسمالية على كل معالم الحياة، فاستثمار الأموال بالقصور والسفن والفنادق وغيرها أكثر منفعة، كما إنفاق الأموال على الأسلحة أكثر وجاهة وقوة من هدره على طاولة لعب تديرها السلطة الفلسطينية من قبل افرادها. او بالأحرى تتنازع فيها بين افرادها لتأخذ ما تراه نصيبها من أموال وزعت للعب على تلك الطاولة… 

ووصلنا الى هنا… 

وصلنا الى لحظة لم يعد هناك حاجة لأن نكون باللعبة أصلا.  

سحبت الطاولة من امام اللاعب الفلسطيني وترك وافراده على الكراسي، بينما تدار اللعبة على طاولة قد تكون جديدة وقد تكون نفسها، بكراسي ولاعبين جدد. 

هل يشكّل منع جامعة الدول العربية التصويت للقرار الفلسطيني ضد تطبيع الامارات غرابة؟ فلقد صوّتت السلطة مع الامارات والحلفاء ضد اليمن وضد سورية، وحل علينا كما المثل الشائع ” اكلت يوم اكل الثور الأبيض”.  ما يحدث من مواقف هو فقط تداول علني لكل ما كان يجري بالسر. لم يكن التطبيع العربي السري بمعزل عن السلطة الفلسطينية. لم يكن ليجرؤ عربي على التقدم خطوة نحو إسرائيل لو لم تقرّبه السلطة لهذا خطوات. على مدار العقود والسلطة الفلسطينية تدير التطبيع بسبل مختلفة. عشرات الاتفاقيات حصلت تحت عين السلطة وبتنسيقها ولم تعترض ابدا. 

هذه هي محصلة الدبلوماسية الهادئة التي وصفها وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي. سنوات من الدبلوماسية التي غاب عنها كل ما تحتاجه القضية الفلسطينية من تعبئة واهتمام وعمل حقيقي. هدر للأموال العامة واموال المنح العربية والاجنبية التي كان أولى ان تمنح وتصرف لإعمار مرافق السلطة التي تفتقر الى إمكانية الحياة كما نراها اليوم . اين كانت الممثليات والسفارات الفلسطينية بالدول العربية والأجنبية من هذه النتيجة؟ على مدار السنوات لم نسمع الا عن الفساد والمحسوبية وهدر الأموال بلا حساب، وما رأيناه مؤخراً بمحاسبة السفير غابي الطويل شقيق سهى عرفات واتهامه بالفساد لا يشك أحد انه ليس أكثر من قطرة في غيث الفساد الحاصل. 

على مدار السنوات عملت الدبلوماسية الفلسطينية بشكلية لا تمت لنا بصلة. فضائح وجرائم وفساد وبدلات فاخرة وسيارات ومواكب وحفلات. 

وامام هذا الفشل الصارخ المترتب على افشال القرار الفلسطيني بالجامعة العربية يخرج المالكي الينا ليقر “ان الكثير من الشعوب لا يثقوا بما يخرج عن الاجتماعات بقرارات الجامعة العربية التي تعتبر شكلية ليست لها اليات للتنفيذ”، وعليه يطالب “بالمصداقية” حيث يجب أن “تعلن ما لا تضمره من أفعال بالخفاء “. لقد عشنا هذا ونعيشه يوميا مع تصريحات رموز السلطة وعلى رأسهم ما يقال لنا عن الحراك الدبلوماسي.

على الرغم من الفشل الصارخ لفلسطين أوّلاً وللعروبة ثانياً، فإنّ المالكي يصرّح وبثقة عجيبة أنّه خرج من الاجتماع على حدّ تعبيره “أكثر قوة “، مضيفاً: ” برئاستنا لهذه الدورة استطعنا أن نمنع مشروع القرار  ليؤكد فيه الموضوع الأساس وهو الخروج عن مبادرة السلام العربية. وانه لو لم  نكن برئاسة هذه الدورة كنا قد وجدنا أنفسنا في حالة تحفظ على هكذا قرار ومنعنا ان تدّعي دولة انها تحظى بالدعم العربي بموضوع التطبيع. والاهم في هذه الحالة ان دولة فلسطين اثبتت نفسها وانه بدونها لا يمكن ان يكون هناك أي شيء. انها هي الفيصل في هكذا قضايا!! يجب إعطائها الاعتبار والثقل المطلوب ومواقفها ب الجدية المطلوبة!!! هذا مهم جدا سيتم حساب موضوع فلسطين ألف مليون حساب من الآن وصاعداً عن موقف دولة فلسطين عندما يطرح أي موضوع من هذه المواضيع لأنّ فلسطين لن تسمح بتمرير أي قرار ينتقص للحق الفلسطيني او ثوابت القضية الفلسطينية او يتعارض مع القرارات العربية ما دامت هذه القرارات هي على مستوى الاجماع العربي.” 

الحقيقة لا افهم كيف رأى المالكي كل هذه الإنجازات!!!!

المالكي يعكس حالة الانفصام والهذيان والانكار والنكران الذي تعيشه السلطة.

أم انّها “الدبلوماسية الهادئة” التي تجعله يرى كل الأمور تفوقا يصبّ في مصلحته. 

واختم متسائلة في ظلّ هكذا انتكاسة للقضية الفلسطينية وللدبلوماسية الفلسطينية، بجملة معترضة لم أصدق انها خرجت منه وسط هكذا أزمة مصيرية في تاريخ القضية الفلسطينية.  كيف يبقى الشغل الشاغل للمالكي بمطالبة الدول العربية (اعلان وزراء المالية العرب بمواصلة التزامهم بمقررات جامعة الدول العربية) بالالتزام على الرغم من كل شيء على إبقاء شبكة الأمان المالية لدعم موازنة السلطة التي تم تفعيلها سنة ٢٠١٩ لتدخل ١٠٠ مليون دولار شهريا بحساب وزارة المالية الفلسطينية!!  

القطاع الصحي بين اهمال وغياب للانسانية: الطفل بهاء النتشة هو آخر الضحايا

في حمى الحر الحارق في هذه الايام، كانت وفاة الطفل بهاء النتشة بينما كان يلعب كرة القدم في ملعب الشيخ جراح بالقدس، اشبه بجرس انذار يصم الاذنين. فدرجات حرارة تحولت لتكون بالفعل قاتلة وسط فيروس لا يعرف احدنا فهمه او التعامل معه وكيفية البقاء على قيد الحياة وسط كل هذه التحديات التي تفوق تحكم البشر. بلحظة ما، توقفت امام الحادث لفهم ما جرى ، كأم اولا، وكانسانة محاطة بالكثير من ابناء الاخوات بهذه الاجيال. وقلت في نفسي انه لا بد ان يكون الطفل قد عانى من امراض ما كشفتا حرارة الشمس الملتهبة. وبلا ادنى شك، قد يكون هذا الحادث المؤسف، درسا علينا الجميع التنبه منه بكيفية التعامل والوقاية من درجات الحرارة في هذه الاجواء. ولكنني بينما كنت استمع لعم الطفل الفقيد، الذي كان معه في الملعب بتلك الدقائق المصيرية، تبين انه وعلى الرغم من الايمان المطلق ان الموت حق، وانه بالفعل عندما تأتي لحظة الموت لا يمكن الا الاستسلام امامها. فالطفل انتهى عمره وهذا قضاء الله وقدره. ولكن…. هل كان من الممكن انقاذه؟ للوهلة الاولى فكرت ان الوم عمه وامه وعائلته، ولكني تراجعت بسرعة وقلت في نفسي: طفل ابن ١٤سنة ذهب للعب مباراة في الصباح مع عمه الراشد. لم يكن هناك مجال لاطلاق حملات اللوم، لأن المباراة التي ذهب ليلعبها كان قد تم التنسيق لها بأخذ اذن بحجز الملعب. الاطفال يخرجون للعب.. وهو خرج ليلعب كرة القدم. كل ما جرى حتى مشاركته باللعب كان طبيعيا وبديهيا ويحصل معنا كلنا. ولكن في وضع طبيعي اخر، سيرى فيه المتابع ان من حسن حظ من يقع بالملعب لاي سبب كان، وجود مستشفى على بعد امتار قريبة . اي لو كما قدر الله مع الطفل بهاء النتشة او يقع فجأة او لأي سبب، فوجود المستشفى بهذا القرب سيكفل انقاذ حياة. وبالعادة، لا يعرف الناس التصرف في خضم حمى المصاب ووقع، ولكن هنا، كان العم المرافق لمجموعة الاطفال على مقدرة تامة بالحفاظ على رباطة جأشه والتصرف بعقلانية، وذهب الى المستشفى لطلب المساعدة…. ولكن….. وكأن المستشفى جزء من عملية ترتيب القدر الذي انهى حياة هذا الطفل. العم يستجدي من بالمستشفى على مدار دقائق طويلة كانت كفيلة بأن تنهي حياة الطفل الذي اصيب بسكتة قلبية. على الرغم من مأساوية المصاب بموت طفل بعمر الورود هكذا، الا ان المأساة الحقيقية تكمن هنا، بغياب العنصر الانساني عن عاملين بمستشفى. رفض الطواريء بتلك المستشفى ان تتجاوب مع العم بينما كان يستجدي ويشرح من اجل محاولة انقاذ الطفل، والتبجح بالمعاملة بالطلب منه ان يحضر الطفل هو الى المستشفى ، ومروره من شخص الى الاخر حتى يحمله طبيب ما الجميل بذهابه معه متقاعصا على حسب وصف العم بلا ادوات انقاذ ومع وصول سيارة اسعاف تابعة للجهات الاسرائيلية كان الوقت قد انتهى لبهاء… ليطفأ بهاء وتخيم العتمة على حياته. هنا ندخل مرة اخرى في معضلة صعبة بالقدس، مستشفى فلسطيني على بعد امتار تنعدم الانسانية من عامليه، لينتظر اهل المصاب رحمة سيارة الاسعاف الاسرائيلية. دقائق كانت كفيلة بأن تبقى بهاء على قيد الحياة… انتزعتها منه ملائكة الموت بالمستشفى. لا اعرف لمن او ممن يجب طلب المساءلة والمحاسبة.ولا اعرف ما الذي يمكننا ان نصرخ من اجله اكثر اذا ما كانت الانسانية غائبة في مستشفى… فأين لنا التوجه وانّى لنا السؤال؟ رحم الله الطفل بهاء النتشة والصبر والسلوان لعائلته

مظاهرة تم قمعها برام الله بالامس لحزب التحرير ضد سيداو.

سيداو اصبحت العدو المباشر والاساسي للشعب الفلسطيني ‘التحريري’ . وكأن كل ما يمر بِنَا ثانوي وعابر امام الخطر الاكبر والاعظم … سيداو الشريرة الشيطانة. سيداو التي ستنهي بتمريرها تحكّم الحماة اليوم والكنّة غدا.

وكأن العالم يمر امامنا ونحن اخترنا الوقوف بمحطة النسيان . بمحطة مخصصة لشعوب مر عنها التاريخ وكانت نسيا منسيا.

أتأمل بمشهد التظاهرة والقمع وافكر كيف وصلنا الى هنا . الشعب بسيداوييه واعدائهم ضد الحكومة . السيداويون ربما سعدوا بالمشهد واعداء سيداو المحررون لما قد يصير اليه المجتمع المثالي العظيم اذا ما ام تمرير قوانين الكفر والانفلات تم قمعهم فصاروا هم المظلومون فعلا. وهكذا تتوالى المشاهد عندنا ، يوم عليك ويوم اخر عليك .

ما توقفت عنده كثيرا كانت النساء الصارخات ضد سيداو . دفاع مستميت وتسقط سيداو كان لسان حال النساء.

فكرت ما الذي يجعل امرأة عاقلة تطالب باسقاط سيداو؟ او قانون حماية الاسرة؟ ما الذي تتحصن به ويحميها ؟

موقف الرجال المناهضين لهكذا اتفاقيات مفهوم ، فالرجل منهم يخشى من فقدانه لتحكمه وسيطرته المطلقة على المرأة سواء كانت ابنة او اخت او زوجة او ام. وقد يعيش الرجل في ازدواجية مرضية تجعله يقتنع ان كل النساء عاهرات الا امه. لأن ما يعطيه له المجتمع من حقوق احادية في كل ممارساته ستقف امه خلفه دائما للدفاع عنه . فهو يحق له الحي والعلاقات وتعدد الزوجات والمصاحبة والسهر والشرب وكل ما يصنع منه رجل، واذا ما حصلت مصيبة فالمرأة ايا كان مكانها معه فهي الملامة. صايعة ضايعة بلا تربية وتستحق غضب الله وعليه تستحق ان يطبق عليها شرائع الله التي يرتئيه الرجل مناسبة . فمهما حصل امه هناك لتحميه وتبرير ساحته من اي جريمة بحق امرأة لا تستحق الذكر اصلا…وسيقف وراءها مجتمع كامل مهلا موافق مثبت على موقفها بالدفاع عن ابنها.

وهنا ينتهي دور الام دائما او يستمر … دورها ايصال ابنها الذكر الى ذروة التحكم . فسرعان ما تستميت لتزويجه لتستطيع ان تروي ظمأ عيشة انتظرت فيها هذه اللحظات ، ان تتحكم هي بدورها بكنة… وهكذا … تدور الدوائر حتى تصير الكنة حماة.

في ابسط امور القوانين المتعلقة بظلم المرأة الممارس بالمجتمع وهو متفق عليه تحميه الشرايع التي يقف من يرفض سيداو معه هو حق المراة في الميراث . كنت اسال نفسي بينما انظر لتلك النساء هل اسقطت حقهن بالميراث وتنازلت عنه ؟ ام هن نساء قد سقط الحق عنهن بظلم سابق او حالي ويردن ضمان اخذ حق عن طريق الزوج في اخذ حق اخواته؟

يقال دائما ان المظلوم يكون اكثر ظلما اذا ما دارت الدوائر، فعل هذا ما يحدث ؟ ما الطي تريده المرأة من تلك النساء ؟ هل مقبول لها ان يأتيها خبر مقتل ابنتها او ضربها وتعنيفها ذات يوم ؟ لنقل انهاه ترى ان الزوج هو الرب المعبود في البيت واوامره هي اوامر الله ، الا تفكر ببناتها ؟ ام انها لا ترى من دائرة الظلم الواقع عليها الا المنة التي سيأتي دورها لتشارك هي بالاستبداد في حقها .

مجتمعنا مليء بالحموات وكناين . لم يعد به امهات واخوات وبنات..

مجتمعنا لن تنصر اناثه ولا ذكوره سيداو … تقوى الله الغائبة عن افراده هي مصابنا الجلل. لو كان المجتمع يطبق كلام الله لارتقى باناثه وذكوره..

هدنه..الضباع
. . وفجأه صرنا نسمع ونشاهد شخوص السلطه على شاشات التلفزيون .في اليومين الاخرين ظهر صائب عريقات بعد شهر .
واليوم يتحفنا عزام الاحمد بنفس الديباجه بان الوفد الذي اختاره ابو مازن للتفاوض ليس …شيء ما . ووزير الخارجيه ايضا واخيرا ظهر. الموضوع مش موضوع من ظهر ولم يظهر. ما يجب ان يحصل لن لا يظهر هؤلاء ابدا . لقد سئمت اذناى سماعهم .فما قالوه قبل عشر سنوات لا يزالوا يرددونه حتى اللحظه .من اجل الحق هم اصبحوا متمرسون . ما يريبني هو ذلك الزحف المعيد لنفسه في الخروج من كل هؤلاء من جحورهم كالضباع يتدرجون وصولهم حتى يتأكدوا من وجود الغنيمه لينقضوا.
ربما حان الوقت لعمل شيء ما ، اذا ما كان هؤلاء لا يزالوا اصحاب اهميه للبعض ، ومن المؤكد بانه البعض الغير فلسطيني ، فلما لا يشكل ابو مازن مجلسا اعلى له ولحاشيته لاداره رمزيه بدون سلطات اداريه او سياسيه او تنفيذيه تختص بشؤون التصريحات العامه للعالم الخارجي ، لانه من الاكيد ايضا بان الشعب الفلسطيني لا يريد سماع تصريحاته، ليس من اجل شيء لا قدر الله ،ولكن لان الشعب الفلسطين حفظ عن ظهر قلب كل كلمه يدبون الارض فيها وكل تعليق مارج وهارج. يعني مكتب مثل مكتب شمعون بيرس ، يكون للديكور الخارجي .
لان قلبي وعقلي ونفسياتي لم تعد تحتمل رؤيتهم او سماع اسماءهم حتى . الا يخجل عزام الاحمد او ذلك وزير الاوقاف السابق المارق والكثيرون غيرهم من الراقصون على الانقسام والمفاوضات وكل ما يناسب هواهم من انفسهم بالخروج للناس؟ كم من المرات التي مرت لاولئك للعب على احبال الانقسام وتلميع الرئيس لما تهوى مصالحهم .
اذا ما تخيلنا سيناريو مستقبلي ، فانا لا اتخيل السماح لاي من من مثل السلطه بالدخول الى غزه . فلو كنت في غزه سأستقبلهم باستقبال الد من استقبال اهل غزه لوزير الصحه واستقبال اهل القدس للهباش (وزير الاوقاف) على مدار شهر من ذبح اهلنا في غزه لم نر حتى مبادره واحده لاحدهم لدعم الشعب المذبوح . ولكن حتى اننا شعرنا ارتقابهم لتكمله المذابح للانقضاض على الغنائم بعد تكمله عمليات الذبح..
وبينما يتوجه الجميع الى غزه ، تترك القدس لهجمه الاحتلال الشرسه الممنهجه ضد القدس. ما يتم من استمرار انتهاك المسجد الاقصى . افهم بان العرب والمتصهينون ممن يدعون الفلسطينيه لا يأبهون كثيرا لغزه ، فغزه هي المحرقه التي يودون التخلص منها جميعا. ولكن المسجد الاقصى ، شرف المسلمين . مسرى النبي ؟ اين الاردن الذي وقع اتفاقيات وصايه على المقدسات ؟ ام هل كانت هذه هي الاتفاقيات الغير معلنه ؟ اين السعوديه ؟ اسرائيل تقسم شرف الاسلام كل يوم والمواطنون المرابطون العزل يتعرضون للضرب والتنكيل كل يوم وهم يدافعون عن شرف الاسلام الذي لا بد ايضا تم تبادله مع صهيون. كم مرعب صوره تكمله هذه المؤامره التي شهدناها تحبك امامنا في العشر سنوات الاخيره من استيطان مضاعف في ارجاء القدس وتهويد ممنهج وتقليص للسكان …والان يتم اقتحام المسجد الاقصى واغلاقه بوجه المسلمين لقطعان المستوطنون والاسلام في السعوديه ينظر؟ ما الذي ينتظرك يا قدس ؟ بعد غدرهم بغزه ؟ لك الله يا فلسطين فلقد باعك من ائتمنتهم على نفسك قطعا واربا والان ينادون على ما تبقى منك بمزاد علني .

في يوم ميلاد والدي.. تمنيت لو كان العالم كله أب

 

بينما تصارعني الأفكار، بظلم تكون به الأنثى فريسة مجتمع أبوي ذكوري. أفكر بوالدي. تأخذني الكلمة الى سياق أحاول بث الروح فيها. والد ام أب؟ قد تكون كلمة والد دخيلة على فعل الابوة، لأن في الانجاب يوجد من يلد، وهي الانثى. ولكن أتذكر فلسفة افلاطون بمساواة الرجل بالمرأة عند الحمل والانجاب. فيعتبر انه من الصحيح ان حمل الأنثى للابن شهورا بالرحم والولادة فعل شاق للغاية. ولكن الذكر يحمل الأفكار العظيمة التي تكون ولادتها بحجم صعوبة المخاض ..ان لم يكن اكثر. وهنا يكون الوالد.

وكلمة أب، فيها من القسوة ما يعطي دوره رفضا مباشرا. فدوره بالعلاقة ان يأبى.

نسمي مجتمعاتنا بالأبوية، لنجعل من الاب هو مصدر القرار الأخير وصاحب الرفض او الموافقة لما يترتب علينا من حياة.

ولكني أفكر بوالدي، وبكلمة ابي التي تلفظ معانيها على لساني ببابا، أشعر بها بكل مرة ان الاب هو بوابة حياتنا كإناث. بوابة تدخلنا الى جنة. بوابة مفتوحة على مصراعيها بقفل ومفتاح يحمله هو.

أبي هو هذا الشعور من الحرية والأمان، وهو كذلك، الشعور من هيبة خسارة الحرية وانعدام الامن.

تمنيت لو كبرت بعلاقة مع ابي تشبه تلك التي يمارسها ابنائي معه. ففي ذكريات طفولتي، وجوده متقطع محدد بأماكن ومناسبات وتوقيتات بعينها. تبدأ صباحا بذهابنا الى المدرسة وقد يتخللها حدث ما. ابي كان دائما هو ذلك الرجل الذي يوصلنا الى المدرسة. متفرقات من الذكريات تلك التي تتخللها ذكريات طفولتي، حفرتها على الاغلب امي في مخازن الذكريات.

ولكن، على الرغم من تواجده القليل في ذكرياتي البعيدة جدا من طفولتي، كان لابي على بوابة حياتي مفاتيح فتحت بها وقفلت ما شكلني من مبادئ واخلاقيات. غريبة هي هذه الحالة. فأمي هي التي شكلت كل ما انا عليه من صفات وتصرفات وشخصية. انظر أحيانا الى نفسي وأفكر ان من يعيش بداخلي هو ارتداد امي لا انا. ولكن بتلك المرات القليلة التي فتح لي ابي بوابة حياتي لاستمر بالعبور، تشكلت بالفعل تحدياتي المستقبلية التي شكلت معاييري وتصرفاتي. امتحانات لا اعرف ان كان يقصدها، ولكنه نجح بأن يترك فيها اثرا ابديا لكيفية تفكيري. على الرغم من بساطة تلك المواقف كان لها الأثر العظيم علي… إيجابا او سلبا.

سلبا، كانت تلك التي عشتها في مراهقتي المحدودة ، بين ضغوطات لكيف تكون عليه البنت حسب مقاييس المجتمع، وبين ” رجولة” متوقعة مني بالتصرف ك”رجل” يحمل عبء “الكبير”، وكذلك كونه (انا) مؤثرا في سلسلة الاناث الكثيرة اللاحقة. فأفعالي كانت مثالا لأخواتي، وكذلك نتائجها. يعني مر عن تلك السنوات حتى زواجي كف مدوي ، بصقة ملأت وجهي، ، ومنع من الخروج وتهديد بتزويجي لأول قارع على باب المنزل.

ولكن، تلك ذكريات تضحكني عندما اتذكرها. فبمراهقتي اضطرابات بأعصاب المخ عندي كانت كفيلة على ما يبدو ل”عبادة العجل” بسببي.

ما حفر الى الابد بحفريات ذاكرتي كان آخر…

كنت ربما في السادسة او السابعة من عمري، عندما اعطاني بعض النقود لأشتري شيئا (ربما كان خبزا) وارجع له الباقي. اذكر وقفته امام السيارة وبيدي باقي الخمسة شواكل مما تبقى، منتظرة ان يكون قد نسيها او انه لا يعرف كم ثمنها. بالنهاية هو اب مشغول بالكاد اراه. يعمل ليل نهار بكل ما تعنيه تلك العبارة من معنى. قليلا كانت تلك الليالي التي عاد بها قبل نومنا في ساعاته المحددة لنا بصرامة من امي. كنت بتلك اللحظة اتحايل على فرضية ان الرجل مشغول ولن يكون هناك وقت لديه ليتعب عقله بحساب الباقي من النقود. فكرت كيف سأخدعه، ربما أفتش في جيبي وادعي أني اضعت الباقي. ربما أقول له انني اشتريت شيئا اخر وأكلته بالطريق. اردت ذلك الكنز من باقي النقود التي حملتها. ولكني لم أكن بصدد سرقتها او الانكار. فقد يفتش جيوبي، وانتهي الى عقاب من امي يترك اثرا أعمق الى الابد بداخلي. كنت قد تعلمت درسي الكوني من السرقة، عندما “سرقت” ما يساوي ربما الشيكل بسنوات او سنة سابقة، عندما كان العقاب حشري بالحمام ليوم كامل والطلب من اخواتي التي تصغرنني مع كل دخول الى الحمام بالإشارة الي ونعتي باللصة. شعور لم يخرج مني طيلة حياتي. كنت انا المهيمنة الجبارة على اخواتي، بقيت احداهن تذلني في كل موقف جبروت لي لتقول: حرامية!

من اجل ذلك كان علىي الاعتراف بالحقيقة والتخلي عن باقي الكنز في جيبي. بالنهاية فإن تاريخي موصم باللصوصية. فقلت لوالدي بأن ما اشتريته كلف كذا وما بقي معي كان كذا وادخلت يدي في جيبي من اجل اخراج الباقي، ونظر الي قائلا: اتركي الباقي معك. خبيهم.

منذ ذلك اليوم وعشت في مهمتين: الأولى ان أثبت انني جديرة بالثقة ، والثانية بأنني استطيع ان “أخبيهم”. فبعد سنوات كنت اسافر للامتحانات في الجامعة ويعطيني والدي مبلغا ما يفترض انه أكثر من المبلغ المطلوب ويقول لي: سأرى كم سترجعين من باقي. وارجع دائما بباقي يتعدى المبلغ المتوقع بكثير. قد يكون من المضحك ان تعلم هذه التجربة بذاكرتي هكذا، كالوشم، في حين ابحث بكل ثنايا عقلي عن ردة فعل ابي عندما رجعت مشيا على الاقدام من الروضة الى مكان عمله، في يوم أنزلني فيه الى الروضة وكان يوم عطلة (ولم ينتبه) . تعتبر هذه الحادثة اهم احداث حياتي (طفولتي)  في المطلق. فبذلك اليوم الذي بالكاد كنت فيه ابنة الرابعة او ربما اقل، نفذت اهم عملية وصول في تاريخي… من المدرسة الى مكان العمل. (من الشيخ جراح الى المنطقة الصناعية بالقدس) مغامرة لا يزال عقلي يفكفك كيفية تدبيرها واتعب كما تلك الطفلة كلما فكرت بطول المسافة والمخاطر التي كان علي تجاوزها والابتعاد عنها بالطريق. ولكن لا أستطيع ابدا ان أتذكر كيف استقبلني والدي. جزء من حيوية هذا الحدث هو ذكريات امي له. فأمي تروي تفاصيل كل خطوة خطوتها في ذلك اليوم وكأنها هي التي تركت واضطرت للوصول بنفسها. اما ابي الذي وصلت اليه، فربما لم يكن هناك، وربما وهو الأرجح، انه عندما رآني قال : اه وصلتي ياللا اروحك عالدار. وكأنه امر عادي تستطيع فعله بسهولة طفلة لم تتجاوز الرابعة بعد. بعد سنوات كثيرة جدا جدا ، بينما كنت في جلسة للعلاج النفسي ، استعدت هذه الحادثة لاعرف مدى أهميتها. عندها اجتمعت بالعائلة حول طاولة المطبخ واصريت على ان اصارحهم بما  اكتشفت انني خسرته في ذلك اليوم. نظر الي والدي بكل جدية وخوف. اذكر توتر امي وهي تفكر ربما : مقعول صار معها اشي ما قالت لي إياه في ذلك اليوم؟  وابي ينظر برجفة لا تستطيع رموشه التحكم بايقافها. فقلت لهم مطمئنة : لا تخافوا لم افقد عذريتي في ذلك اليوم ، فقدت ما هو اهم … طفولتي. طبعا نظرت امي الى ابي وكأنها تقول له: قلت لك انه البنت مضروبة. وهب ابي عن كرسيه يلوح بيده بإشارة ” روحي من وجهي بلاش اخمعك كف”.

ولكن ربما هذه كانت ضريبة كوني الابنة الكبرى. بين وجودي بحياة “مراهقين” وبين كوني انثى، كان تحدي وجودي مع والدي لأصير ما انا عليه اليوم. فبينما يبلغ ابي اليوم التاسعة والستين من عمره، اتممت انا الثماني والأربعين من عمري. واحد وعشرون سنة تفصلنا. سنوات حولت الرجل الذي نظم له والده حياته وبالتالي أحلامه الى اب. ابنة بدل ابن متوقع. وكنا طبعا البنت تلو البنت.. احباط بدا مزمنا لتوقع اتى بعد سبعة.

من ضمن المشاهد التي تتربع في حفريات ذاكرتي، ذلك اليوم الذي بكى فيه ابي. اذكر دموعه كاللآلئ التي تمنيت لو لممتها وارجعتها الى عيونه في ذلك اليوم. بكاء غامر يملأه النحيب بصمت، في أروقة بيت العائلة الكبير وسرير في غرفة يرقد فيه جدي مغطى بشرشف ابيض، وسط بكاء ونحيب من كل الاتجاهات. كان ذلك يوم الانكسار العظيم.

تمر السنوات وارى الدموع تسرق طريقها عنوة من عيني والدي بينما كان يودعنا لعرساننا واحدة تلو الأخرى. دمعة لضعف ام لحب حاولت ان افهمها كثيرا. وعشت كثيرا فيما بعد لأشعر حب هذا الاب الحنون.

منذ صرت اما، تحول ابي الى حنون. معادلة عجيبة في فقه الاباء على ما اعتقد. فجأة يصير والدك هو حلمك بالرجل الذي تريدينه. تتمني لو يكون زوجك بحبه وعطفه وحنانه. تتمنى لو يكون زوجك أبا لأبنائه كوالدك.

في مغامرة الحياة مع عائلة بدأت صغيرة بالعمر، مليئة بالصغار الاخرين. تعطيك هذه الحياة جوائز ترضية لا تتوقعها: أنك تستطيع ان تعطي ابنائك من والدك ما لم تأخذه انت.

عندما أرى ابي ينظر الى ابنائي. عندما يأخذهم معه الى مشاوير الجد والاحفاد. عندما يحضنهم. عندما يقبلهم. اشعر بغبطة حنان الاب الذي طالما تمنيته. وكأنه يعوض كل تلك القبلات والاحضان التي لم يعطنا إياها في صغرنا، فيعطيها بحنانه المتزاحم للخروج من أعماقه لأبنائنا. لو نعيش في زمن الامثال لكان المثل المخصص لوالدي يقول : “كل فتاة بجدها معجبة.” فأبي هو الرجل الأهم  والاحب ومصدر الاعجاب في حياة حفيداته الاناث.

لم يكن ابي حاضرا في حفرية وصولي التاريخي اليه في صبيحة ذلك الايلول من حياة طفولتي، ولكنه كان الوحيد الحاضر في خريف عاصف وقاتم اتى لحياتي عندما تطلقت.

في وقت اختفى العالم بمعظمه من حولي. وقف والدي امام تلك البوابة وأشار الي بالاستمرار بالعبور، راميا ذلك القفل والمفتاح من يده وتمنى لو حضنني.